الرقص الشرقي.. فن كشف التناقضات الاجتماعية

الرقص في مجتمعاتنا العربيّة أمر جدلي، مهما تم تصنيفه إلى فئات، سواء رقص “راقي” مثل الباليه، قادم من ثقافة غربيّة بالأصل ويحتاج إلى تدريب ومقاييس جسدية معينة، أو كان رقص “شعبي” مثل الرقص الشرقي، الذي قد يكون مقبولًا كتعبير عن الفرحة، في حفلات الزفاف على سبيل المثال، لكنه في جميع الأحوال مستهجن كمهنة، باعتباره فعل “عيب” و “حرام” وخارج عن التقاليد والأعراف.

الرقص الشرقي في النهاية مختلف عن “الباليه”، قد يتطلّب تدريباً بدنياً شاقاً مثله وحفاظاً على مرونة جسديّة معيّنة، لكنه في النهاية قادم من داخل الثقافة المصرية، يمكن رقصه في أي سياق، سواء في الشارع أو على المسرح، يعتمد بشكل كبير على الإيقاع، وعلى الاندماج مع الموسيقى، هناك جزء كبير من الرقص الشرقي الاحترافي “مُرتجل”، قائم على حركات تبدعها الراقصة في التو واللحظة مع تقسيمات الموسيقى، ولهذا كانت العادة الأولى أن يكون الرقص على المسرح مصاحب بموسيقى حيّة وفرقة تعزف ألحاناً كل يوم، ليكون هناك مساحة للإبداع والارتجال، وهذا ما كان يميّز أسلوب كل راقصة عن الأخرى في زمن سابق، كانت الراقصات مصريات وعربيات، يفهمن الموسيقى الشرقية وايقاعاتها جيداً، ويتفنن في صناعة حركات وتقاسيم جديدة عليها مهما تم إعادة نفس الأغنية كل يوم، أما الآن مع الرقص على الأغاني التجارية الجاهزة، وأغلب الراقصات من جنسيات غربيّة، فهن يلتزمن بالرقصة المصممة قبلاً قدر الإمكان، ويرتجلن في حدود اللعب مع الجمهور وتصوير ال”سيلفي”، وليس أكثر من ذلك.

Videos by VICE

ببحث سريع في موقع إخباري مثل اليوم السابع، نتأكد أن الرقص الشرقي في وجدان الجميع، ستجد العديد والعديد من العناوين التي تحتوي على الكلمة، فالرقص متهمًا في النيابة، أو مشهورًا في الملاهي الليلة، أو فنًا في جيل الرواد وأزمان سابقة، أو يشعل مواقع التواصل الاجتماعي عندما يتسرب مقطع له من حفلة خاصة، هناك شيء غير مريح في التعامل مع الرقص الشرقي، بسبب وقوعه طوال الوقت تحت ضغوط المجتمع والدولة والعلاقة الملتبسة بجسد المرأة، لم يعد المجتمع مرتاحًا مع فكرة التحرّك بالجسد كاملًا وهزّه على أنغام الموسيقى.

ففي مصر حتّى أوائل السبعينيات، كانت هناك استعراضات منفصلة للرقص الشرقي في التليفزيون المصري، تدخل كُل بيت يملك واحدًا، بصفتها فنًا، وفي برامج مثل قطار المنوعات، كان هناك فقرة لسهير زكي ترقص على الشاشة لمدة تجاوز الدقائق الخمس.

شاهد أيضا: كيف تتعامل مع راقصة شرقية من وجهة نظرها

لكن السينما في فيلم “خلي بالك من زوزو” إنتاج 1972، بدأت ترى في الرقص الشرقي مهنة مُخجلة، تعود إلى زمن “متخلّف” وشارع العوالم – شارع محمد علي “راحت عليه”، وتظهر فيه تحية كاريوكا بجسدها المُثقل، الذي يحمل زمناً ذهبياً وهزّة بطن أعطت للرقص الشرقي التعقيد الذي يستحقه، وهي مثار سخرية الجميع، وترقص “زوزو سعاد حسني” بدلاً منها، وخجلاً من المقابل المالي الذي تم دفعه لوالدتها، بمنتهى الحزن على كونها فتاة جامعية تغمر رأسها في الطين بسبب إرث الماضي.

ومع أواخر السبعينيات وبداية الثمانينات، واعتزال أغلب الجيل الذي تنتمي إليه سهير زكي وزينات علوي الرقص، بقيت فيفي عبده ودينا ونجوى فؤاد وزيزي مصطفى يحافظن على التقاليد القديمة، يقدمن استعراضًا على مسرح، بفرقة حية تعزف ألحاناً بشكل يومي أو بخلفهن مطرب بحسب نوع المكان الذي يعملن فيه، لكن الدولة كانت تتجه في اتجاه آخر، إلى تحجيم الرقص الشرقي في الكباريهات والملاهي الليلية، والاقتصاد في ظهور الراقصات كنساء فنانات يمارسن فناً، وإنما مهنة تُخجل يجب أن تتخلّص منها و”تتوب” بمجرد سنوح الفرصة.

مع موجات التدين اللي تعاقبت على المجتمع ورعتها الدولة، تحوّل الرقص الشرقي إلى مهنة ترتبط بشكل ما بالدعارة، والراقصة التي تمارسها تعلن بيع جسدها لممارسات أخرى، وانتفت صفة الفن عنه، وقل كثيرًا انضمام الفتيات المصريات إلى احتراف الرقص، عدا اسم مثل “لوسي” حققت شهرتها في الثمانينات بعد مسلسل ليالي الحلمية، وبقيت أسماء مثل فيفي عبده ودينا على القمة وفقط.

في هذا التوقيت مع بداية التسعينيات، احتاج المسرح التجاري وأفلام المقاولات والفنادق السياحية الكبيرة إلى راقصات لإحياء برامجهم الترفيهية، وتقديم فواصل بدلاً من فواصل الراقصة التقليدية، ومع إحجام المصريات عن المهنة التي أصبحت مرتبطة بالدعارة، ظهرت مهنة “متعهد الراقصات” وهو شخص يستطيع بعلاقاته أن يسهل دخول راقصات أجنبيات من بلدان أخرى وتسهيل إقامتهن والتعاقد باسمهن مع فنادق وفرق مسرحية، تزامن ذلك مع انهيار الاتحاد السوفيتي “1991” وهروب العديد من فتيات دوله إلى مصر بحثاً عن فرصة عمل، فظهرت الفرق الاستعراضية من جنسيات مختلف دول الاتحاد السابقة، وبدأت أخريات يجربن الرقص الشرقي، وهز البطن كيفما اتفق بحثاً عن جمهور أوسع.

ولكن السلطات الرسمية والدينية حافظت على عداوتها مع الرقص الشرقي، ففي عام 2004، كانت محكمة مصرية أقرت قراراً لوزير القوى العاملة والهجرة آنذاك بمنع الأجنبيات من ممارسة الرقص الشرقي في مصر، وثارت الراقصات وراسلن سفاراتهن وضغطن دبلوماسياً حتى تم إلغاء القرار بعدها، وفي عام 2014، أوقفت فضائية مصرية عرض مسابقة للرقص الشرقي بعدما طالب عدد من كبار علماء الأزهر بوقفه بدعوى “التعري باسم الفن”، والتحريض على الفجور، وغيرها من الاتهامات، هذا غير إيقاف بث قنوات تخصصت في بث مقاطع للرقص الشرقي مثل “دلع” و”التت” و”دربكة” على النايل سات.

هذا التناقض الشديد بين هويّة الرقص الشرقي المصرية وردود أفعال السلطات الرسمية عليه، دفع إسرائيل إلى تبنّي الرقص الشرقي، فأثناء عملي على هذه القصة، اكتشفت مهرجاناً كبيراً للرقص الشرقي يقام في إيلات كل عام، يستمر لمدة أربعة أيام ويتضمن ورش عمل ودروس وتقديم عروض وحفلات للرقص، وهذا العام في دورته الثانية عشر تقريباً، ويُصدّر راقصات إسرائيليات ومن جنسيات أخرى للرقص في الدول العربية.

في خلال ازدهار الرقص الشرقي في جنسيات أجنبية مختلفة، كان الرقص الشرقي يتحوّل في مصر لأداء جنسي واستعراض مُخل بالآداب العامة يجب تغطيته وممارسته في الخفاء، فانتشرت مقاطع الفيديو الساخنة للأفراح الشعبية في المناطق النائية التي تحمل عناويناً بذيئة، وتبارت كاميرات الهواتف في التلصص على الحفلات الخاصة وعرض مقاطع لفتيات يرقصن ويتم تصوريهن بدون علمهن أو موافقتهن، وبالتوازي مع إنتاج أفلام تحاول أن تغازل جمهور الشباك على توليفته المفضلة من مطرب شعبي وراقصة تهتز كيفما اتفق مرتدية أقل القليل، بدأ صعود نجم راقصات أجنبيات بجانب أسماء مطربين مثل سعد الصغير ومحمود الليثي وأحمد سعد وغيرهم، ومن هنا عرفنا صوفينار، الراقصة الأرمينية التي كانت تعمل في البداية كراقصة باليه، ثم اتجهت للرقص الشرقي حباً في الأغاني العربية، ظهرت في بعض الكليبات المصورة التي كانت تنتجها قناة “دلع”، لكنها اشتهرت بعد رقصتها في أغنية فيلم “القشاش” إنتاج 2013.

أما آلا كوشنير، فهي راقصة أوكرانية بدأت دراسة القانون ولم تكملها، واشتركت في برنامج للمواهب في بلدها، لتحترف الرقص بعده، وتأتي إلى القاهرة للاشتراك في برنامج مسابقة الرقص الذي تم وقفه في 2014، وتفوز بالمركز الأول، أقامت بعدها في مصر، واشتهرت أكثر برقصها على أغنية أحمد شيبة “آه لو لعبت يا زهر” في 2016.

جمهور الرقص الشرقي الآن أصبح بين نارين، فهو يحب هؤلاء الراقصات ويدفع لرؤيتهن في الأفلام في شباك التذاكر، لكنه يحرص على تحريم امتهانه على مجتمعه، وانتشرت دعاوى دينية تحض المرأة على الرقص لزوجها في المنزل درئا للفتن وتحببّا، ولكن كيف يمكنها الرقص إذا لم تشاهد الراقصات وتتعلم؟ فانتشر هوس آخر لدروس تعلّم الرقص بدون مخالفات شرعية.

وعندما حاولت راقصة مثل إيكاترينا أندريفا المعروفة باسم “جوهرة” خدش شيء بسيط من جدار الملبس المفروض على الراقصات، هاجت الدنيا ولم تقعد بسبب “شورت” ضئيل الحجم لم ترتديه تحت بدلة الرقص، وتحركت الدولة للقبض عليها وترحيلها، وثارت مواقع التواصل الاجتماعي بين التأييد وبين السخرية من حجم الشورت المطلوب لتكون بذلة الرقص “قانونية” في هوس متناقض بالراقصة والمساحة العارية من جسدها، وانتهت المعركة بانتصار جوهرة وارتدائها شورت صغير تحت نفس البذلة التي تم القبض عليها وهي ترقص بها.

بينما يعتبر هذا نوع “رائج” من الراقصات الأجنبيات، هناك نوع آخر ينشط في مجتمعات ثقافية وفنية أخرى، مثل إزميرالدا البرازيلية، التي ترى في الرقص الشرقي فناً خالصاً، جذبها بعد احترافها للباليه والجاز والرقص المعاصر، وتراه تجسيداً للحرية، يعطيها حرية التعبير عما تريد التعبير عنه، مبتعدة عن الحس الجنسي الوحشي، قائلة: “التحول نال كلاً من الراقصات المصريات والأجنبيات على حد السواء، وكأنه كان شرطاً للاحتراف في مصر.”

يهتز المجتمع الآن قليلاً فيما يتعلّق بالرقص الشرقي، فظهرت على استحياء بعض فصول تعليم الرقص الشرقي في مدارس الرقص وفي صالات الألعاب الرياضية الكبيرة، بعد أن تم تسميته belly dancing لرفع الحرج الاجتماعي عن المشتركات، وظهرت تيارات جديدة من الأكاديميين والأخصائيين النفسيين يرون في الرقص الشرقي رقصاً علاجياً، يحرر المخاوف والعُقد النفسية من الجسد الأنثوي وتحريراً من الرسائل السلبية والعلاقات المؤذية، ولكن أكبر محاولات كسر التنميط كانت للراقصة المصرية الشابة “إيمي سلطان”.

بدأت إيمي سلطان علاقتها بالرقص من الباليه منذ عمر الخامسة عشر، كانت في فرقة باليه الأوبرا المصرية، عاشت طفولتها مع عائلتها في سنغافورة ودرست بالمدرسة الأمريكية، وتخرجت من فنون جميلة قسم ديكور، وهذا هو سبب إطلاق لقب “الراقصة المهندسة” عليها، رغم أنها لم تعمل أبداً بتخصصها.

درست رقص الجاز والرقص المعاصر أثناء عملها كباليرينا محترفة، وفي مرة أثناء زيارتها لإسطنبول تركيا، اصطحبها صديق ألماني لـ”كباريه”، تقول في أحد حواراتها: “يختلف كثيراً عن الكباريهات في مصر، شيك جداً، صفوة المجتمع من السياسيين والمثقفين جالسين على موائد وديكورات كلها قادمة من قاهرة الثلاثينيات والأربعينيات، والصور المعلقة كلها لنجوم مصريين من هذا الزمن، والموسيقى خليط بين القديم والحديث، ورقص الجميع، وكان هناك راقصة شرقية محترفة، ومن هنا بدأت أراجع أفكاري عن الرقص الشرقي”

أكملت رحلتها مع فهم الرقص الشرقي، بين مقاطع فيديو قديمة وراقصات مصريات من زمن الرواد، وبدأت في البحث عن تدريبات رقص شرقي في مصر، ولم تجد! وفي يوم أثناء عملها في الأوبرا عرفتها صديقة برازيلية على صديقة لها تدرس الرقص الشرقي مع “راقية حسن” هي صاحبة اختراع “مهرجانات الرقص الشرقي” في العالم، واكتشفت وجود مهرجانات للرقص الشرقي في مصر تجري في أجواء من السرية حتى لا يتم منعها، عبارة عن ورش مكثفة لتعليم الرقص الشرقي وعروض، قد يتعلم فيها من 800 إلى ألف راقصة من أنحاء العالم في سرية خوفًا من التهديدات.

عادت إيمي إلى تصميم بذلة الرقص التقليدي، وبحثت بنفسها عن متخصصي الحياكة في الزمن القديم، وتعلمت مع الأجيال الجديدة منهم تصميم البذلة المطرزة وتفصيل الصدر والخصر المميّز، وأعادت إحياء هذا الفن اليدوي الصعب، بجانب إحياءها لتقليد الرقص الشرقي القديم، فهي ترقص على مسرح، هناك فاصل بينها وبين الجمهور، مساحة مقدّسة لا يتجاوزها أحد، وترفض تقليد “النُقطة” وهو إلقاء النقود على الراقصة تحية لها وللفرقة، حفاظاً على فنيّة الاستعراض الذي تقدمه، ورغم أنها تعرف أهمية الرقص على عزف فرقة حيّة لتقاليد الرقص، إلا أن هذا غير ممكن كُل يوم، لكنها تعرف قيمة الارتجال الذي يُكسب أسلوبها بصمة خاصة ” الرقص الشرقي فيه اعتماد على الارتجال، حتى لو نفس الأغنية بتشتغل كل يوم وبارقص عليها، ما بارقصش كل مرة بنفس الأسلوب”.

تُدرك إيمي سلطان نظرة الدولة والمجتمع للرقص الشرقي، وتحاول أن تغيّرها، تقول ” المصنفات ما بتدخلش الأوبرا تشوف لبسي في عرض الباليه، ولو أن السمعة تقاس بحجم القماش، فأحياناً في الباليه كنا نرتدي ملابس أقل” تضحك، “هذه النظرة يجب أن تتغير”

ربما الرقص الشرقي في مصر في حاجة إلى المزيد من الراقصات “المصريات” مثل إيمي سلطان، يكسرون التنميط ويمرحون بجسد لا يحمل أثقالاً من أزمان مضت وولّت، يرتجلون في علاقتهم بين الموسيقى والجمهور والسلطات الرسمية والفن، ويعيدون لهز البطن التعقيد الذي يستحقه.

Thank for your puchase!
You have successfully purchased.