“اللانجيري التنكري”.. هكذا تتحكم العولمة في ما يُثيرنا جنسياً

أنا أرتدي نظارة طبيّة، أرتديها منذ بداية المراهقة تقريباً، في نفس الوقت الذي كانت البنات في الفصل والمدرسة حولي يسعيَن لتقليد المذيعات ونجمات السينما، وإظهار جمالهن ومفاتنهن والتخلّص من أي شيء قادم من سنوات الطفولة، وأهم هذه الأشياء كان النظارة بالطبع. عانيت كثيراً من أسئلة عن مستوى حدّة نظري أو محاولات لجعلي أتوقف عن ارتدائها في المناسبات، وفي الشارع، كانت التهكم: “ذات الأربع عيون” هو الأسوأ على الإطلاق. لكن عندما كبرت قليلاً، وفي سنوات الجامعة وما يليها، كان للأصدقاء والزملاء الذكور رأي آخر: اعجاب شديد بشكل عينيّ داخل إطارات النظارة الطبيّة ويصل في بعض الأحيان إلى مقارنات بين صوري بها وصوري بدونها، ومطالبات بصور بمختلف أشكال النظارات.

الفيتيش fetish وهو الهوس الجنسي، بمعنى الانجذاب الجنسي الشديد تجاه عضو ما في الجسم ليس جنسياً، أو منطقة معيّنة في الجلد، أو حتّى سلوكيات معينة كالتدخين، أو ملابس وإكسسوارات كالنظارة الطبيّة أو الملابس النظاميّة، شيء لا يُفسّر إلا بعوامل نفسية معينة في فترة الطفولة أو بلوغ الشهوة الأولى، قادت إلى الانجذاب الشديد والتعلّق بشيء ما، لا يمكن تفسيره بأثر رجعي، وحاول العديد من علماء النفس، أن يرجعوا هذا الإعجاب إلى حادثة معيّنة، ولكنهم فشلوا في الوصول إلى تعميم، عدا في الحالات المرضيّة للهوس الجنسي، حين يتعلق الأمر باعتداء جنسي حدث للفرد في فترة الطفولة، أو بعقاب الشهوة في فترة البلوغ، حين يعاقب الأهل أولادهم إذا لاحظوا تلامساً جنسياً أوليًا أو على محاولات الاستمناء، فيرتبط في ذهن الطفل العقاب بالشهوة الجنسية، ومع الوقت تصبح حالة العقاب سببًا في المزيد من الإثارة، وقد يتخذ هذا ميلاً متطرفًا ناحية الممارسات السادية والمازوخية BDSM. بشكل عام وبعيداً عن الانحرافات الشديدة، هناك مكوّنات إثارة تتشكّل لدى الإنسان أثناء سيره في الحياة، وتعرّضه للمجتمع وللأهل وللفن، مثلاً فيتيش النظارة الطبيّة وهو أحد أشهر أنواع الهوس الجنسي المرتبطة بالجنسين، ينجذب فيه الشخص لمرتدي النظارات الطبية، ويثار جنسيًا من رؤيتهم بها، ويرتبط في الغالب بعدد كبير من السيناريوهات “الأدوار” الجنسية، مثل الطبيب/ة، والمريض/ة أو المعلم/ة والتلميذ/ة في خيال يدعم صورة الشريك المثيرة.

Videos by VICE

المصريّون متناقضون في كل ما يتعلق بالمرأة. يضعون الفوط الصحيّة في ورق جرائد وأكياس سوداء حماية للفتاة من نشاط بيولوجي طبيعي، لكنهم في الوقت نفسه يعرضون ملابس “المتعة” في الفتارين ويتنافسون في تنويع أشكالها وأنماطها

أثناء مروري ببعض المحلات المتخصصة في بيع اللانجيري في وسط المدينة, فكّرت في تبدّل هذه الفتارين العديدة وتلوّنها بمختلف أنواع البضائع التي تفرض وتخدم -نمطاً معيناً من المتعة، أو من الفيتيش. المصريّون بطبيعة الحال، حذرون جداً فيما يخص الجنس، متناقضون جداً في أي شيء يتعلق به، أو يتعلق بجسم المرأة أصلاً. يضعون الفوط الصحيّة في ورق جرائد وأكياس سوداء حماية للفتاة من نشاط بيولوجي طبيعي يحدث لها كُل شهر شاءت أم أبت، لكنهم في نفس الوقت يعرضون ملابس “المتعة” في الفتارين ويتنافسون على بيعها وشرائها وتنويع أشكالها وأنماطها.

تصوير وئام مختار

في موضوعنا اليوم فيتيش عالمي، وهوّ اللانجيري التنكري، أو ملابس النوم الخاصة بالسيدات التي تأخذ شكل أدوار معيّنة، هناك العديد من الرجال المهووسون بتنويعات مختلفة من الملابس، وهناك نساء أيضاً مهووسات بأزياء معينة وأدوار معينة حينما يتعلق الأمر بالممارسة الحميمية. تحدثت مع رجال ونساء وأصحاب محلات، لاستكشاف أكثر العوامل التي تصيغ جنسانيتنا في بعض المناسبات المتعلقة بالحب والجنس. ارتبط اللانجيري دائماً في المخيلة الشعبية المصرية – والعربية – كما كنا نشاهده في الأفلام الأبيض والأسود، عندما تبدل المرأة جلباب المنزل القطني، إلى القميص اللامع المصنوع من الساتان أو قماش” اللاميه” في إشارة إلى الاستعداد للسرير.


شاهد أيضا: الفيلم الوثائقي “تل الرعب” … أخطر سباقات الكثبان الرملية في العالم

بتطوّر الزمن، لم يعد قميص النوم، صناعة منزلية أو صناعة “الخياطة” وانتقل الأمر إلى “الدلالة” التي تشتري من مصنع صغير أو من سوق بعيد، وتلف على البيوت لتعرض بضاعتها، وبعد قليل أصبح إنتاج اللانجيري له خطوط موضة ومصانع كبيرة ومواسم للشراء، وأصبحت هذه التجمعات من النساء أسواق محتملة دائمًا، مع تحول العالم للرأسمالية وفتح باب الاستيراد على مصراعيه، وتحويل كل شيء إلى سلعة قابلة لتحقيق ربح وعائد.

النساء تنجذب للرجال ذوي الملابس العسكرية لما تمثّله من معاني البطولة واللياقة الجسدية، أما الرجال فيجدون أن هذا المعنى ينحصر فيهم فقط ولا يمكن الانجذاب له في بطلات الحرب

تحكي لي هناء (30 عامًا) وهي تعمل في وظيفة إدارية، عن تجربتها الوحيدة في ارتداء الملابس الجلدية السوداء مع جيبة منفوشة وطوق، كانت تجربة واحدة ولم تتكرر لأن شريكها ذو الخامسة والعشرين، فوجئ جداً وتوتر وانقلب إلى تلميذ صغير لا يعرف كيف يتصرف، وهذا التوتر جعلها تنقبض وتفقد مزاج اللحظة، ولم تتمكن من انقاذ الموقف، ولم تكرر التجربة مرة أخرى بأي زي آخر. كانت سعيدة بالزي وبصورة جسدها فيه، ولكن يبدو أن الرجل لا تعجبه المفاجأة دون تمهيد يسبقها. أما أمينة، فجربت زي ضابطات الشرطة والبحرية، بكامل قيود الأيدي والقبعة والشارات، في أواخر عام 2013 تقريباً، زوجها بالفعل يحب هذه الملابس التنكرية ويحب تجربة الجديد منها، يلفت نظرها أنها صناعة الصين، كحال كل شيء الآن، لا تترك الصين مجالاً إلا وتخترقه. طلب منها زوجها أن تصطحبه في الشراء لأنه خجول بعض الشيء، لقد تزوجا عن حب وسنهما متقارب، ويعملان في مجال الأدوية، كانت صداقتهما متينة قبل الزواج ويتحدثان في كل شيء، هما الآن في الثلاثينيات من عمرهما، وتزوجا منذ خمس سنوات تقريباً، تشاركا كل التفاصيل والاتفاقات المادية ليصلا إلى شكل العلاقة المريح لهما بعيداً عن الأهل وتحكمهما.

يجد النساء ملابس العسكريين جاذبة جداً، فهي تفرض تصور ذكري يمثل البطولة في مختلف السيناريوهات، وعلى العكس، فالبطولة ليست جاذبة جنسياً للرجال كصفة في النساء، كما أفادت جوست لوينسن أحد مؤلفي دراسة عن الدليل التاريخي والتجريبي للانجذاب الجنسي لأبطال الحروب، فالنساء تنجذب للرجال ذوي الملابس العسكرية لما تمثّله من معاني الولاء والبطولة واللياقة الجسدية العالية، أما الرجال فيجدون أن هذا المعنى ينحصر فيهم فقط ولا يمكن الانجذاب له في بطلات الحرب. في السنوات الأخيرة، بدأت ظاهرة الملابس التنكرية في غزو محلات وسط المدينة وما حولها، بأسعار في متناول اليد، وبفتارين تتبدل في كل مناسبة، وفي ظاهرة غير مألوفة بعد ثورات الربيع العربي في 2011، وبالتحديد في عام 2013، بدأت المحلات في الاحتفاء باللانجيري التنكري.

وقتها علّق الناشطون على الإنترنت عن مدى سخافة ارتباط الخيال الجنسي بالأحداث السياسية في مصر، وكيف يمكن لرجل أن يرى في شريكة ترتدي ملابس الجيش، شيئاً مثيراً. أو أن يراها فيتذكر الشرطة العسكرية أو دوريات حظر التجول الذي تم اقراره في فترة متقاربة، لكنهم يتناسون أن خلف هذه الأزياء إيحاءات بالانضباط والكفاءة والإنجاز والذكاء وهي كلها صفات مُشتهاة، لا تريد المرأة فقط أن تراها في الرجل، ولكنها تريد أن تشعر بها في ذاتها. لكن الصين وتركيا لا يتركان شيئاً للصدفة، ولا أصحاب المحال الذين يحاولون الترويج لبضاعتهم بأي شكل، ففي حديث مع خالد أحد أصحاب المحلات المتخصصة في بيع اللانجيري بوسط البلد في شارع قصر النيل، قال: “كل البضائع من هذا النوع من اللانجيري تركية أو صينية، والصيني أكثر، لأنه الأرخص ثمناً، فيما يتركز إنتاج المصانع المصرية في الشكل العادي لقمصان النوم، ونحن نضع الاثنين في فترينة المحل لنرضي جميع الأذواق، في نهاية المطاف نحن نحاول أن نبيع بضاعتنا الترفيهية في ظروف اقتصادية صعبة.”

ينفق الأمريكيون 19.6 مليار دولار سنوياً على الهدايا وكروت المعايدة في عيد الحب، فيما لا توجد إحصاءات لمصر أو المنطقة العربية، لكننا نشاهد كل عام تزايد مظاهر الاحتفال الاستهلاكي بالمناسبة

تخبرني إيمان البائعة في محل آخر: نحن نبيع الإنتاج المصري فقط، ولكن الطلب على اللانجيري التنكري عالِ جداً، كثيرات يسألنني عنها، خصوصًا قبل اقتراب مناسبات مثل رأس السنة وعيد الحب. يبدو أن النساء في العاصمة يقدن عمليات الشراء، برغم ادعاءات الرجال أنه لا يوجد فارق ملحوظ في العملية الجنسية بتغيير الملابس – كما أخبرتني إحداهن – إلا أنه بعد فترة من الزواج والممارسة، يظهر الفارق في الإيقاع بالتغيير والتجديد في اختيار اللانجيري، وهو ما تراهن عليه النساء دوماً.

وبالحديث عن رأس السنة مثلاً، ففي المنطقة العربية لا يوجد ارتباط ثقافي بـ “بابا نويل” ولا ذكريات طفولة مشتركة مع تحقيق الأمنيات في إجازة الكريسماس، ورغم ذلك، انتقل الهوس العالمي بالسيدات اللاتي يرتدين زي بابا نويل إلى محلات اللانجيري، قادماً من الأفلام الإباحية التي تنتج خصيصاً لتلبية رغبات المشاهدين في الجانب الآخر من الكرة الأرضية في إجازات الكريسماس، واستمتاعهم بشريكة ترتدي زي الرجل العجوز الأحمر مطعماً بالفراء بالأبيض. فيما جربت آمال، وهي أربعينية، أن ترتدي لانجيري بابا نويل لزوجها في ليلة رأس السنة، لينفجر الرجل في ضحك هيستيري، تبخرت معه أحلام الليلة، طوّرت صديقة أخرى هوساً باللانجيري الموسمي، وأصبحت تمتلك أشكال متعددة منه، رغم عدم اهتمام الرجال بالفكرة، ففي النهاية يظل الوضع انها ترتدي زيًا قصيرًا أحمر اللون.

حرّكت المتغيرات السياسية بعد ثورات الربيع العربي رغبة النساء في استمداد القوة من داخلهن، وانتقل هذا الشعور للعلاقة الحميمية، فأصبحت النساء أكثر ثقة بأنفسهن وأكثر ميلاً للتجريب

هذه الجذور التاريخية للحب، يتم استخدامها اقتصاديًا جيدًا، ففي الولايات الأمريكية المتحدة وحدها، يتم انفاق ما يقارب 19.6 مليار دولار سنوياً على الهدايا وكروت المعايدة في فترة عيد الحب، بواقع 136.75 دولار للفرد الواحد، حسب آخر إحصاء لعام 2017. لا توجد إحصاءات لمصر أو المنطقة العربية، لكننا نشاهد كل عام تزايد مظاهر الاحتفال الاستهلاكي بالمناسبة، في تحوّل فتارين المحلات إلى اللون الأحمر مهما كان المنتج بداخلها، وبغض النظر عما إذا كانت له علاقة بالحب والعلاقة الرومانسية بين اثنين أم لا، لاغين الاعتبار الثقافي والديني في عدم جواز الاحتفال بمناسبة جنسية مثل الفالنتاين، تغذّي الخيالات الجنسية والمأكولات والمشروبات المحفّزة لها.

يقول د. نبيل القط، استشاري الطب النفسي، إن الفالنتين ورأس السنة، ولونهما الأحمر المتقارب، مناسبات ترتبط بحالات شعورية من البهجة والفرح والانطلاق، وهذه هي العوامل التي تؤدي إلى جنس جيد وعلاقة مُرضيَة للشريكين، وبالتالي فاستغلال هذه المناسبات في المزيد من المرح والتجريب الجنسي برغم عدم وجودها في السياق الثقافي أو الارتباط العاطفي، هو ميل انساني عادي وطبيعي. فيما ينظر إلى اللانجيري المشابه لملابس الضباط والقادة بشكل آخر، فبعد ثورات الربيع العربي، تحركت النساء للمطالبة بالحقوق الأساسية، نساء عاديات فتحت المتغيرات السياسية أمامهم الرغبة في أن استمداد القوة من داخلهن، من أنفسهم وليس من الابن أو الرجل أو الآخر عموماً، وانتقل هذا الشعور للعلاقة الحميمية، فأصبحت النساء أكثر ثقة بأنفسهن وأكثر ميلاً للتجريب، وهذه الملابس القوية التي توحي بالقوة، هي من تجليات هذه “الأنوية” الجديدة.

تصوير وئام وهاب

وبالحديث عن التأثيرات الثقافية، فأثناء جولتي في المحلات التي تبيع اللانجيري على مدار الفترة السابقة، لاحظت أن التأثير الثقافي لنا لم ينعدم تماماً في هذا البحر، فعلى أغلفة قمصان النوم على اختلاف بلد المنشأ، كانت هناك صور لفتيات بمقاييس جمالية مختلفة، تبدو مصريّة قليلاً من حيث امتلاء الجسد وطول القامة، لكن الوجه لا يدل أبداً على صاحبته، بشعر أشقر وعيون ملوّنة، وعندما سألت أحد بائعي المحلات عن السبب، أخبرني أن المشتريات المصريات، لا يجدن أنفسهن على الأغلفة، وبالتالي لا يتخيلن شكل القميص عليهن ويرفضن شرائه، فعندما تشاهد المرأة جسداً رفيعاً جداً وطويلاً يتكوّن لديها انطباع أن جسدها لن يكون جذاباً في الموديل المعروض، مما أدى لتدهور معدلات البيع، فتفتق ذهن بعض العاملين في تعبئة وتغليف اللانجيري، عن عمل جلسات تصوير لفتيات مصريات، شريطة أن لا تظهر وجوههن على الأغلفة، فالفتيات يرفضن أن تُعرف مهنتهن، وهكذا خرجت الصور بالفوتوشوب، بجسد مصري ووجوه أجنبيّة، لتغذّي خيال المصريات وتقنعهم بقبول صورة جسدهن كما هو، وبالطبع بشراء القميص اللعوب في الطريق.

Thank for your puchase!
You have successfully purchased.