تخيل أنك تصف سيارتك لموقف سيارات تابع لقرية سياحية على ساحل البحر المتوسط، أثناء القيام بأنشطة سياحية بحرية ترفيهية في منتجع سياحي، وبعد سنوات تكتشف أن السيارة، كانت جاثمة فوق العشرات من الجثث.
بعد عقود من التكتم والإنكار الإسرائيلي لحدوث مجازر خلال نكبة حرب عام ١٩٤٨، إلا أن الأرشيف الإسرائيلي، وبعض من إرتكبوا تلك الجرائم أو كانوا شهودًا عليها بدأت شهاداتهم تظهر للعلن مؤخرًا.
Videos by VICE
الأسبوع الماضي، عرض فيلم وثائقي للمخرج الإسرائيلي ألون شوارتس بعنوان “الطنطورة” في مهرجان “صندانس السينمائي” بولاية يوتا الأمريكية، كشف عن شهادات وتفاصيل مجزرة قتل فيها قرابة 200 فلسطينيًا وتم دفنهم في قبر جماعي قرب الشاطئ، مقام فوقها حاليًا موقف لمصف سيارات تابع لمنتجع دور السياحي.
**شهادات الجنود الإسرائيليين من مجزرة الطنطورة
**تكشف المقابلات التي أجراها شوارتس ما قام به جنود من لواء ألكسندروني في الجيش الإسرائيلي خلال احتلالهم للطنطورة، قرية صيد قضاء حيفا على شاطئ البحر المتوسط، في 22 مايو 1948.
تضمن الفيلم شهادات لجنود إسرائيليين شهدوا أو نفذوا المجزرة، كما يشير تقرير عن الفيلم تم نشره في صحيفة هآرتس الإسرائيلية. وحسب إحدى الشهادات التي أدلى بها أحد الحراس الذي ساعد في دفن الضحايا، فإن عدد القتلى تجاوز 200. وفي شهادة أخرى قدمها الجندي عميتسور كوهين، متحدثًا عن أشهر الحرب الأولى، يقول “أنا كنتُ مقاتلاً، لم آخذ أسرى” مضيفًا، لو كان هناك فصيل من المقاتلين العرب وأيديهم مرفوعة، لكنت أطلقت النار عليهم جميعًا. لم يعرف كوهين كم عدد الفلسطينيين الذي قتلهم خارج إطار المعركة، يقول “لم أحصي العدد، كان معي رشاشًا مع 250 رصاصة، لا يمكنني أن أحصي.”
وقال جندي آخر اسمه حاييم ليفين، أن أحد أفراد وحدته ذهب إلى مجموعة من 15 أو 20 أسير حرب “وقتلهم جميعًا.” وفي شهادة لجندي آخر في إشارة إلى حادثة أخرى في القرية: “ليس من الجيد أن أقول هذا. لقد وضعوهم في برميل وأطلقوا عليهم النار في البرميل. أتذكر منظر الدم داخل البرميل.” ولخص أحد الجنود ما حدث بالقول “أن رفاقه الجنود في لم يتصرفوا بطريقة آدمية مع سكان القرية.” ويروي آخر أنه شاهد عملية اغتصاب.
ويقول المخرج في مقابلة أن الجنود الذين تحدث إليهم في الفيلم، قاموا بالحديث عن الطنطورة مباشرة بعد أن سألهم عن ما حدث في ١٩٤٨: “انتقل بعض منهم للحديث عن الطنطورة على الفور. لقد كان الأمر صادمًا بالنسبة لي. يظهر لك الصدمة التي تركت أثرها عليهم كجناة.”
تشير الشهادات والوثائق التي جمعها شوارتس في الفيلم إلى أنه تم دفن الضحايا في مقبرة جماعية توجد حاليًا تحت موقف سيارات. بالإضافة للشهادات والوثائق، يعرض الفيلم تحقيق خبراء قارنوا صورًا جوية من القرية، قبل وبعد النكبة. مقارنة الصور والأشخاص ثلاثية الأبعاد، نُفذت بمساعدة أدوات متطورة، مكنت الخبراء من تحديد موقع دقيق للقبر وبقياسات دقيقة: طوله 35 مترًا وعرضه 4 أمتار.
هذه الشهادات تضاف إلى غيرها من التقارير والوثائق والتي تظهر “صورة أوسع لأعمال القتل التي ارتكبتها القوات الإسرائيلية خلال الحرب،” كما يشير تقرير آخر لهآرتس “المحاضر المسجلة خلال اجتماعات مجلس الوزراء عام 1948 لا تترك مجالًا للشك: زعماء إسرائيل كانوا على علم بالأحداث الملطخة بالدماء التي صاحبت احتلال القرى العربية.”
**مجزرة الطنطورة وعلاقتها بإيلان بابيه
**فيلم شوارتس يعيد كذلك التأكيد على صحة أطروحة ماجستير التي كتبها طالب الدراسات العليا الإسرائيلي تيدي كاتس، في جامعة حيفا عام 1998، تحت عنوان “خروج العرب من القرى إلى سفوح الكرمل الجنوبي في 1948” تضمنت شهادات حول الفظائع التي ارتكبها لواء ألكسندروني التابع للجيش الإسرائيلي ضد الفلسطينيين، وكشفت أن أكثر من 200 من سكان قرية طنطورة معظمهم من الشبان العزل، أُطلق عليهم الرصاص بعد استسلام القرية.
لكن كاتس، صاحب الأطروحة تراجع عن روايته بعد أن رفع جنود سابقون في لواء ألكسندروني دعوى تشهير ضده. وعلى الرغم من أن المراجعين الأصليين وجدوا أن كاتس قد أنجز الأطروحة بامتياز وأنها استندت إلى عشرات الشهادات الموثقة لجنود يهود ولاجئين فلسطينيون من قرية الطنطورة، إلا أن اللجنة الجديدة قررت استبعاد الأطروحة.
كان أبرز داعمي أطروحة كاتس، المؤرخ الإسرائيلي والناشط الإشتراكي البارز إيلان بابيه، مدرس مساق النكبة في جامعة حيفا خلال تسعينيات القرن الماضي – والذي تحول اسمها فيما بعد إلى “تأريخ وتدوين أحداث 1948 -وهو من المؤرخين الإسرائيليين القلائل، الذين وصفوا في مرات عدة خلال السنوات الماضية، ما حدث خلال النكبة بـ “التطهير العرقي.” تلقى على أثر ذلك العديد من التهديدات والتي دفعته للاستقرار في لندن، والعمل في جامعات بريطانية، بعد طرده من جامعة حيفا.
وعقب نشر الفيلم، نشر بابيه مقالاً على ميدل إيست آي، قال فيه عن مجزرة الطنطورة “لقد كانت المذبحة جزءاً من الجريمة الكلية ضد الإنسانية التي ارتكبتها إسرائيل عام 1948، وما زالت مستمرة في ارتكابها حتى يومنا هذا – وهي جريمة مازالت تُنكر على نطاق واسع. لن تكفي للتكفير عن تلك الجريمة كل الأفلام والأبحاث التي ينتجها يهود إسرائيليون من ذوي الضمائر الحية. لن يسدل الستار على هذه الجريمة المستمرة سوى إنهاء الاستعمار لفلسطين التاريخية والتطبيق الكامل لحق العودة. في فلسطين الحرة والديمقراطية.”
رواية الضحايا
قبل عرض الفيلم، وخلال سنوات التكتم الإسرائيلي على ما حدث، صدرت العديد من الشهادات الفلسطينية التي وثقت ما جرى في الطنطورة، فـ “أول مَن كشف عن المجزرة هي شهادات وحكايات الجدات والأمهات اللاتي عايشن النكبة وكنّ من ضحاياها وضحايا هولها. وكذلك “المؤرخين الفلسطينيين الذين كانوا هم أول مَن كتب وتحدث عن النكبة.”
وكانت أول إشارة مكتوبة عن المجزرة من قبل الحاج محمد نمر الخطيب، وهو رجل دين كان عضواً نشطًا في اللجنة الوطنية العربية في حيفا (أعلى هيئة سياسية محلية). في حوالي عام 1950، نشر الخطيب الذي هُجر لسوريا مقالاً بعنوان “من آثار النكبة” تضمن مذكراته الخاصة عن حيفا والعديد من روايات شهود عيان لاجئين فلسطينيين من مختلف أنحاء البلاد -تمت ترجمة كتاباته للعبرية. ويشير الخطيب إلى مذبحة طنطورة من خلال شهادات شهود عيان بينها حالات لضحايا اغتصاب من نساء الطنطورة تم نقلهن للعلاج في مستشفى في نابلس.
كما وصدرت العديد من الكتب والروايات التي وثقت تلك الشهادات، مثل الكاتب “مصطفى الولي” في كتابه شرك الدم الطنطورة معركة ومجزرة، الذي وثق العديد من شهادات أهالي القرية المهجرين بمخيمات اللجوء في سوريا منهم المدرس “يحيى أبو ماضي” مواليد قرية الطنطورة 1922، الذي كان يستحضر خلال تدريسه في عقد السبعينيات من القرن الماضي في مدرسة الكرمل في مخيم اليرموك، مشهد التعذيب والقتل لأهالي الطنطورة، وأكد كشاهد عيان أن ألوية من الجيش الإسرائيلي كانت تجبر الأهالي على حفر القبور ودفن ذويهم.
لمدة ٧٣ عاماً، الشهادات التي وثقها مؤرخون فلسطينيون على مدار العقود الماضية تم تجاهلها من قبل الإسرائيليين والعالم، لكن نقل شهادات عن جنود إسرائيليين شاركوا في الحرب تؤكد على ما حصل وما يعرفه الضحايا وأهاليهم -هذه المرة الأولى التي يتم خلالها تحديد موقع قبر جماعي للضحايا.
وكما قالت صحيفة هآرتس الإسرائيلية في مقالها حول فيلم الطنطورة، فإنه “على الرغم من أن شهادات الجنود في الفيلم تم الإدلاء بها في جمل مكسورة، في أجزاء من الاعترافات، فإن الصورة العامة واضحة: جنود في لواء الإسكندروني قتلوا فلسطينيين غير مسلحين بعد انتهاء المعركة.”
More
From VICE
-

Illustration by Reesa. -

Screenshot: Capcom -

(Photo by Frank Hoensch/Redferns) -

(Photo by Brian Rasic/Getty Images)