ابتدأت الحكاية بفيديو قصير نشر على مواقع التواصل الاجتماعي لزجاج إحدى السيارات في العراق، كتب عليها “اغتصب من تحب وسيزوجها لك القانون وفق المادة 395.”
وفي حين أن المادة 395 لا ترتبط بقانون الاغتصاب، إلا أن المادة 398 من القانون العراقي تسمح في الواقع بالحكم بـ”ظرف مخفف” في حال تزوج الجاني من الضحية، يصل إلى السجن عامًا أو أقل بدلاً من الحكم الذي يصل إلى السجن المؤبد أحيانًا، في حال حصول عدم الزواج.
Videos by VICE
هذا الشهر تجدد الحديث على مواقع التواصل الاجتماعي في العراق حول قانون تزويج المغتصب، مع مطالبات بإلغائه تحت هاشتاغ إلغاء المادة 398 وهذه ليست المرة الأولى، منذ سنوات يتم الدعوة لإلغاء القانون بدون تحقيق أي نجاح. المختلف هذه المرة هو محاولة البعض إيجاد أسباب جديدة للإبقاء على هذا القانون. المحامي صفاء اللامي، عضو اتحاد نقابة المحاميين العراقيين ومدير وحدة حقوق الإنسان، اعتبر في لقاء متلفز أن “إلغاء هذه المادة ستكون له آثار سلبية على الضحية المغتصبة.”
وتساءل اللامي “هل تستطيع الضحية عقب ذلك الزواج بشخص آخر؟ هل تستطيع الاندماج في مجتمع يهتم بالعادات والتقاليد مشيراً إلى أن “الدول التي عدلت هذا القانون، فشلت بتطبيقه واقعياً، لأن المجتمع لم يتقبّل الضحية،” حسب قوله.
تنص المادة 398 في القانون العراقي إنه “إذا عقد زواج صحيح بين مرتكب احدى الجرائم الواردة في هذا الفصل وبين المجنى عليها يعد ذلك عذراً قانونًيا مخففًا لغرض تطبيق أحكام المادتين 130 و131 من قانون العقوبات. وإذا انتهى عقد الزواج بطلاق صادر من الزوج بغير سبب مشروع أو بطلاق حكمت به المحكمة لأسباب تتعلق بخطأ الزوج أو سوء تصرفه وذلك قبل انقضاء ثلاث سنوات على الحكم في الدعوى يعاد النظر بالعقوبة وتشديدها بطلب من الادعاء العام أو من المجنى عليها أو من كل ذي مصلحة.”
في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، هناك العديد من البلدان التي تعفي المغتصب من العقاب إذا تزوج ضحيته مثل الجزائر والبحرين والكويت وليبيا وسوريا. كان القانون المصري والأردني واللبناني والتونسي يضمن إعفاء المتهم من أي عقوبة في حال زواجه بالضحية، لكن تم إلغاء العمل بهذه المادة. ويطالب ناشطون عراقيون بأن يتم إلغاء هذه المادة أسوة بغيرها من الدول، بينما يرى القانونيين، هذه المادة الأداة الوحيدة لحماية الضحية من أحكام العادات والتقاليد وجرائم قتل النساء تحت ما يُسمى بالشرف.
تعارض الناشطات العراقيات تبريرات وجود هذا القانون، بدلاً من توفير الحماية للمرأة من خلال نصوص قانونية تعاقب الجناة ولا تمنحهم فرصة الإفلات من العقاب.
بين مؤيدين قليلين ومعارضين كثر لهذا القانون، كتب الدكتور علاء مصطفى، عبر تويتر: “إرغام المغتصبة على الزواج من مغتصبها، جريمة أخلاقية توفر للجاني فرصة للإقدام على الجريمة دون خوف أو تردد، فإن فعل وهرب كان بها وأن سقط بشرك العدالة تزوجها عدة أشهر ومن ثم طلقها وهكذا يتلذذ بينما يورثها الحزن الذي ينتهي بالانتحار غالباً.”
بدلاً من الابقاء على قانون ظالم بتزويج المغتصب من الضحية، اقترح عليهم العودة إلى قانون حمورابي الذي يحكم بالموت على المغتصب
نادية رحيم، 25 عاماً، طالبة فنون جميلة من البصرة، تتفق مع ذلك وتقول لـ VICE عربية أنها ضد القانون شكلاً ومضموناً، وتضيف: “لو حدث معي ذلك عائلتي ستساعدني وستقف معي ولن اتنازل عن حقي قانونياً وأطالب بدفع ثمن ما يحدث لي حتى يكون عبرة للجميع. على الحكومة حماية النساء وليس تشريع قوانين تحمي المجرم. يجب إلغاء قانون الاغتصاب وقانون غسل الشرف وعلى الدولة أن توفر مساكن للنساء التي تتعرض للاغتصاب يدفع ثمنها المغتصب وأن يسجن بأشد عقوبة لأن حتى 15 عاماً قليلة جداً لأن الأثر النفسي على الضحية قد لا ينتهي بـ 15 عاماً.”
وينص قانون غسل الشرف على عقوبة حبس “لا تزيد عن ثلاث سنوات لمن فاجأ زوجته أو إحدى محارمه في حالة تلبسها بالزنى أو وجودها في فراش واحد مع شريكها فقتلهما في الحال أو قتل أحدهما أو اعتدى عليهما أو على أحدهما اعتداءً أفضى إلى الموت أو إلى عاهة مستديمة.”
رؤيا حميد، 23 عاماً، طالبة جامعية، ترى أن المغتصب مجرم يستحق العقاب وليس الزواج، ويجب وضعه في مصحة عقلية: “يجب على الرجال جميعاً أن يفهموا أن حياة النساء ورفاهيتهن على هذا الكوكب ثمنها غالي لا يقدر بثمن. بدلاً من الابقاء على قانون ظالم بتزويج المغتصب من الضحية، اقترح عليهم العودة إلى قانون حمورابي الذي يحكم بالموت على المغتصب.”
آمنة (اسم مستعار) تعرضت للاغتصاب في سن 19، من قبل قريب لها، ولكنها قررت التبليغ عنه وتم إلقاء القبض عليه. وتضيف: “لا يمكن أبداً أن أتزوج بمغتصبي وأعيش معه في بيت ليكمل جريمته بي كل ليلة. دخل المجرم بيتنا خلال زيارة عائلية وقام باغتصابي تجمدت حينها من الرعب، ولم أستطع القيام بشيء. ولكن في الصباح، توجهت لمركز الشرطة وقمت بالتبليغ عنه وتم القبض عليه وحكُم بالسجن المؤبد كونه قريبي. ولكن ذلك لم يكن كافياً، أهلي شعروا بالخوف من الخزي والعار وتم الضغط عليهم من العائلة الأكبر وأراد اخوتي تزويجي من مغتصبي لإخراجه من السجن، ونسوا أنني ابنتهم التي اغتصبت. حينها شعرت بأن لا حياة لي مع أهلي ولا المجتمع هربت منهم وتركت العراق وتزوجت بشخص أحبني جعلني أنسى كل ما حل بي. وصيتي لكل فتاة تحدي العادات والتقاليد وكوني قوية، وتذكري أن الحيوان الذي قام باغتصابك مكانه السجن لا بفراشك قانونياً.”
واعتبرت منظمة الصحة العالمية منذ 1992، الاغتصاب اضطرابًا سلوكيًا وليس مرضًا نفسيًا. وتشير دراسات إلى أن عدد كبير من المغتصبين يكون السبب في ارتكابهم لهذه الجرائم يرجع إلى العدوان وليس إشباع الرغبات الجنسية.
الناشطة النسوية والكاتبة ماسة الرَمادي، تصف المادة 398 بأنها مخزية وعار على المجتمع، وتقول: “بمجرد أن ترى هذه المادة بإحدى فقرات القانون ستشعر بالخزي والعار، فما بالك بشعور الضحية؟ هذا القانون مرتبط بنظر المجتمع الدونية للمرأة وربط الشرف بجسدها وبكل ما يخصها، هذه النظرة الدونية جعلت من المشرّع يقرر تزويجها لمغتصبها وكأن هي من تحتاج الستر والاختباء وليس المجرم.” وتضيف الرمادي: “يجب إلغاء هذه المادة ومعاقبة الجاني بأقصى العقوبات. يجب أن يبدأ المجتمع بتصحيح نظرته تجاه من هو الجاني ومن المجني عليه. تزويج المغتصبة بمغتصبها غير إنساني ويعني أن تضطر الضحية أن تعيش مع وحش يقضم لحمها وكرامتها كل يوم.”
كثير من ضحايا الاغتصاب يتعرضن لصدمة نفسية ويتجمدن أثناء الاعتداءات الجنسية ولا يستطعن الهروب أو المقاومة. وهذا هو رد الفعل الطبيعي تجاه الخطر، باختصار الفكرة تشبه ردة فعلك عند هجوم أسد عليك، ستتجمد من الخوف، فهل من المنطقي أنك سمحت للأسد بالاعتداء عليك؟”
الحملات التي تقوم بها المنظمات المعنية بحقوق المرأة أجبرت البرلمانات التونسية والأردنية واللبنانية والفلسطينية إلغاء أحكام في قوانينها الجنائية التي تسمح للمغتصب بالإفلات من العقاب إذا تزوجوا ضحاياهم. معظم هذه القوانين تعود إلى حد كبير إلى الحقبة الاستعمارية، فهي مستنبطة إلى حد كبير من “قانون نابليون لعام 1810″ أو مستوحاة منه، حيث كان يسمح للرجل الذي يختطف فتاة بتجنب الملاحقة القضائية إذا تزوجها. أبقت المستعمرات الفرنسية سابقاً، لا سيما في شمال أفريقيا وأجزاء من الشرق الأوسط، أحكاماً تتعلق بالإعفاء من ملاحقة المغتصب في قوانينها بعد الاستقلال واستلهمت أحكامًا من القانون الفرنسي عند صياغة قوانينها. أدخل القانون العثماني لعام 1911 مادة مشابهة مستوحاة من القانون الفرنسي، وطبقت الدول التي كانت تحت الانتداب البريطاني القانون العثماني الذي يعفي أيضًا من الملاحقة بسبب الاغتصاب، وأبقت عليه بعد الاستقلال. لم تلغ فرنسا هذا البند سوى في عام 1994.
في محاولة لفهم منطق اللامي حول القانون، يشرح موقفه بالقول أن “القانون العراقي لا يجبر المرأة على الموافقة بالزواج من مغتصبها ولكن الجاني يقدم طلب الزواج من الضحية وعندما توافق لا يبرئ من إدانته ولكن يخفف عنه الحكم وفي حال حدث طلاق خلال ثلاث سنوات، يعود ليلتقي حكم مشدد بقضيته كونه استغل القانون.”
ويدعي اللامي أن هذه المادة وجدت “لتحمي الضحية من جرائم الأخلاق والجرائم العامة (غسل العار) لأنه في بعض الأحيان قد تسبب جريمة الاغتصاب نزاعات عشائرية وقتل ودم بين أهل الجاني والضحية. الحملات التي تطالب بإلغاء المادة هي من نساء يعيشن في بيئة أكثر حرية وغير محاصرات بالعادات والتقاليد.”
المحامية والناشطة النسوية علياء عبود الحسني، ترى كذلك أن القاضي لا يملك غير هذا النص لحماية الضحية من القتل من قبل أهلها. وتضيف: “أنا ضد هذا النص ولكنني مع التعديل وليس الإلغاء، القانون قد يحميها من جريمة قتل بدعوى غسل الشرف. المطالبات بالغاء المادة هي أكاديمية، الواقع معقد، ومن يطالب بإلغاء المادة عليه دراسة المجتمع العراقي أولاً، وإيجاد حلول حقيقية للتعامل مع هذه القضايا.”
بعيداً عن الجانب القانوني، هناك جانب نفسي كذلك. ضحايا الاغتصاب يعانون من متلازمة صدمة الاغتصاب RTS والتي قد تمتد أحيانا لسنوات عديدة، وتحاول كثير من الناجيات الانتحار.
الطبيب النفسي كرار سمير يقول لـ VICE عربية: “في كثير حالات الاغتصاب، تقوم الضحية بمحاولة الانتحار كونها غير قادرة على البوح ولا البلاغ والتحدث مع أحد لطلب المساعدة. ضحايا الاغتصاب معرضين/ات لاضطراب كرب ما بعد الصدمة، الاكتئاب، القلق، اضطرابات النوم والأكل. وقد تعاني الضحية كذلك من لوم الذات بسبب تشوهات معرفية، وقد تلوم نفسها لتعرضها للاغتصاب وعدم قدرتها على منعه.” ويشير سمير إلى إنه يقابل كثير من الحالات التي لم يبلغ عنها قانونياً لأن أكثر حالات الاغتصاب يكون بها الجاني والمجني عليها أقرباء فيتم التكتم عن الموضوع ضمن العائلة والتستر على الجريمة.
ويشير الدكتور سمير إلى أن هناك كثير من الخرافات الشائعة يروج لها البعض من بينها موافقة الضحية بحجة عدم مقاومتها أثناء الاعتداء، ويشدد: “كثير من ضحايا الاغتصاب يتعرضن لصدمة نفسية ويتجمدن أثناء الاعتداءات الجنسية ولا يستطعن الهروب أو المقاومة. هذا هو رد الفعل الطبيعي تجاه الخطر (fight-flight-freeze response) باختصار الفكرة تشبه ردة فعلك عند هجوم أسد عليك، ستتجمد من الخوف، فهل من المنطقي أنك سمحت للأسد بالاعتداء عليك؟”
وينهي الدكتور سمير بالقول: “أنا طبعاً ضد هذا القانون لأن هذا القانون يُمكن المغتصب ويهمش دور الضحية ويشجعها على الزواج من مغتصبها كون القانون يعطي للمغتصبة خيارين إما الزواج أو العقوبة فبكل تأكيد ستقبل الضحية بالزواج لأنها قد تقتل. وفي حال تزوجت من مغتصبها سوف تتكرر جريمة الاغتصاب يومياً مع الضحية. يجب إلغاء هذه المادة وتوفير بدائل لحماية المرأة بعد الجريمة من أهلها وحمايتها في دور رعاية خاصة يعاد تأهيلها به نفسياً وإعادتها للمجتمع امرأة قوية تدافع عن نفسها بدلاً من حَل الجريمة بجريمة أكبر.”
إلغاء هذه القوانين ليس كافياً، على السلطات أن تتخذ خطوات حقيقية لتغيير الثقافة السائدة والوصم المجتمعي الذي يدفع ضحايا الاغتصاب على الزواج القسري، ورفض الأفكار الذكورية التي تربط “شرف” العائلة بسلوك نسائها.
More
From VICE
-

Screenshot: Nintendo/PlayStation -

Photo: Arterra/Universal Images Group via Getty Images -

Screenshot: Capcom -

Photo: Geraint Rowland Photography / Getty Images