في حاجة غلط: هل تتعرضون إلى التشويش الإدراكي

قبل الانفصال بعدة أشهر، بدأ شريكي يتغيّر. كانت علاقتنا تبدو عادية، إلا أنها لم تكُن عادية على الإطلاق. الأفعال اليومية التي نقوم بها، أحاديثنا، علاقتنا الحميمة، ونزهاتنا لم تكُن كسابق عهدها. اعتدت سؤاله: “هل تفكر في الانفصال؟” وكل مرة يؤكد أنه لا يُفكر –أبدًا- في الانفصال. صدقته وكذّبتُ شعوري بأن هناك شيء غير صحيح، لا أعرف ماذا أسميه، لكنه كان يشعرني بعدم الراحة.

انسحب شريكي من الأنشطة المشتركة بيننا وكثرت أعذاره. ومع كل نوبة غضب أمر بها، يتهمني بالجنون وعدم تقدير ظروف عمله الصعبة. اسأله عن مفتاح ظهر مؤخرًا في سلسلة مفاتيحه، فيقول أنه طالما كان موجودًا وأنا لم ألاحظه قبلًا. أسأله: هل تلك حافظة نقود جديدة؟ فيرُد أنها قديمة لكنه بدأ يستعملها مُجددًا.

Videos by VICE

حتى بعد أن تركه المنزل، ظل يُكذّب شعوري أنه ينسحب من حياتي ويسعى للانفصال. شككَ في حكمي على ما يحدث وتصوّري للواقع. مارسَ كل أنواع الضغوط الممكنة ليدفعني لطلب الطلاق. وكلما أخبرته أنني أعي جيدًا ضغطه عليّ وأنه يُريدني أنا أن أنهي علاقتنا، كان يؤكد لي أنني أتخيّل الأشياء. حتى بعد الطلاق والانفصال، ظللتُ مقتنعة أن هذا التلاعب لم يكُن مقصودًا بالشكل الذي حدث به. حتى صادفت قراءة مصطلح (Gaslighting) أو التشويش الإدراكي. وقد ترجمت المصطلح الصحفية المصرية مروة الصوّاف، وهو اجتهاد ذاتي حيث لا يوجد مقابل للمصطلح في اللغة العربية حتى الآن.  

ما هو التشويش الإدراكي؟
تم استخدام مصطلحمصباح الغاز” أو gaslighting أول مرة في مسرحية تحمل نفس الاسم للكاتب الإنجليزي باتريك هاملتون، وتحوّلت إلى فيلم في أربعينات القرن الماضي. تدور أحداث الفيلم والمسرحية حول محاولة الزوج دفع زوجته للجنون عن طريق تغيير أماكن الأشياء في المنزل وتغيير إضاءة لمبة الغاز. عندما تسأله الزوجة عن هذه التغييرات، يُنكر الزوج باستمرار ويتهمها بأنها تتخيل ذلك، حتى صدّقت أنها بالفعل فقدت عقلها. في الفيلم العربي “أين عقلي” يحاول البطل إقناع زوجته أنها مشوّشة وغير واعية لأفعالها. ويرسم صورة لدى طبيبها المعالج وعائلتها أنها تخطو نحو الجنون بخطى ثابتة، حتى تقتنع أنها بالفعل بأنها تتوهّم ما يجري حولها.

منذ الثمانينات وحتى اليوم، يتم استخدام المصطلح في الطب النفسي للإشارة إلى التلاعب العقلي بالأشخاص وتشويش إدراكهم. تُعرفه رابطة علم النفس الأمريكية بأنه: “تلاعب عقلي تتم ممارسته بتشكيك شخص في الفهم والحكم على واقعه/ها وتجاربه/ها. هو جعل شخص يتساءل عن استيعابه للأمور وشعوره بالأشياء من حوله، وغالبًا ما يكون قصديًا.”

في كتابها عن التشويش الإدراكي والمنشور عام ٢٠١٨، تُشير خبيرة الصحة العقلية ستيفاني ساركيس بأن التشويش الإدراكي هو “تقنية اجتماعية فعّالة تهدف إلى السيطرة على شخص أو جماعة، بالتشكيك في قواهم العقلية والذي يحدث على فترة زمنية طويلة حتى لا يُلاحظه الضحايا.” وتصفّه بأنه غسيل عقلي يمارسه أشخاص عاديون، أو أشخاص مُعتلون اجتماعيًا كالنرجسيون. كما يُمارسه السياسيون وقادة الطوائف الدينية والثقافية. وبذِكر الساسة، بإمكاننا تأمل واقعنا العربي بعد ١٠ سنوات من موجات الاحتجاج في بلداننا، وكيف تحاول الحكومات اليوم محو آثارها المادية، أو خلق روايات بديلة لها في الوعي الجمعي.

هل النساء أكثر عرضة للتشويش الإدراكي؟
نعم. في المجتمعات الأبويّة يتم تكذيب النساء والتشكيك في رواياتهنّ. بل أن هناك وصمات نسائية مُخصصة لخلق حالة عامة من عدم تصديق النساء، كالاتهام بالدراما والمبالغة والعاطفيّة. يُصعّب ذلك من تجارب النساء الاجتماعية في علاقاتهنّ بأنفسهنّ وبالآخرين/الأخريات، ويتخطاها إلى الحياة العملية. فمثلًا، هناك مناصب قيادية تُمنع النساء من توليها كالقضاء، والحُجة دائمًا هي أن “النساء عاطفيات” وبالتالي التشكيك في منظورهنّ وحكمهنّ على الواقع والأدلة.

تقول كاتي أبرامسون، أن “التشويش الإدراكي ليس فعلًا مُتحيزًا ضد النساء في مضمونه، لأن الرجال أيضًا يتعرضون له. إنما يقول الواقع أن النساء أكثر عرضة له بسبب نوعهنّ الاجتماعي وبالأخص إن كنّ في مجتمعات أبويّة تتحيز دومًا ضد النساء.”

مثالٌ على ذلك هو تكذيب ضحايا العنف الجنسي، بافتراض أنهنّ فسرّن ما تعرّضن له بشكل خاطئ أو التبست لديهنّ المفاهيم، ويقع عبء إثبات العنف عليهنّ أمام القانون والمجتمع. تلك الحالة جعلت الكثيرات يُشككنّ في أنفسهنّ وفي تفسير واقعهنّ وتجاربهنّ الشخصية لسنوات وأثرت سلبًا على صحّتهنّ النفسية والجسدية.

 ما هي علامات التعرّض للتشويش الإدراكي؟
لا يوجد خطط مُحددة يتبعها المُتلاعبون بعقولنا، إنما يتشابه التكنيك إلى حدٍ كبير، ويتشابه تأثيره على الضحايا. فمثلًا، قد تجدون/نّ أن بعض تلك النقاط حدثت معكم/نّ:

شعور بعدم الراحة: شعور بأن هناك شيء غير سليم “في حاجة غلط” ولكنك لا تستطيع تحديده أو تسميته. المتلاعب شخص ذكي/ة حريصٌ ألا نجد أفعال/دلائل ضده/ضدها. تشويش الإدراك لا يحدث بين ليلة وضحاها، إنما يأخذ وقتًا في إعادة توجيه عقل الشخص الذي يتم التلاعب به. ليكون المصدر الوحيد لتأكيد المعلومات ونفيها أو التصديق على تفسير الأفعال، هو المُتلاعب نفسه/نفسها.

تذكر الأحداث بشكل مختلف عمّا يرويه الشخص أمامكم/نّ. يحاول المتلاعب/ة دائمًا رواية الأحداث لصالحه/ها. عند المواجهة باختلاف الروايات، سيكون الرد هو نقل تركيزكم/نّ إلى حدث آخر. ويستخدمونه كدليل على أن روايتهم/نّ هي الصحيحة.

الاتهام بالمبالغة في ردود الأفعال وإعطاء الأمور “أكبر من حجمها.” يتعمد المتلاعبون تصغير الأمور وتبسيطها إن كانت تعني لنا شيئًا هامًا، وتهويل أمور أخرى لإثبات أننا غير قادرين/ات على الفهم الصحيح.

الإنكار: استخدام عبارات مثل لم أقل أو أفعل هذا أبدًا. كنتُ أمزح. لا يعني ذلك شيئًا. أنت موهوم/ة. الإنكار هو وسيلة المتلاعب/ة للتشكيك في تأويلاتنا لما يحدث من حولنا.

التشكيك: التشكك في أنفسكم/نّ وفي تفسيراتكم/نّ للأمور والأحداث والذكريات. في هذه المرحلة، يكون المتلاعب/ة نجح/ت في اختراق عقل الضحية. نبدأ في الشك الفعلي حول ما يحدث وما نشعر به أو نفهمه من كلام وأفعال المتلاعب/ة.) كما يقوم بعض المتلاعبين بتغيير أماكن الأشياء أو إخفائها، فهم يجدون مُتعة في تشكيكنا بأنفسنا، ليس فقط على مستوى عقلي، إنما أيضًا على مستوى مادي.

الميل لتصديق الشخص المُتلاعب لشعوركم/نّ بأنه/أنها لا يحملون نوايا سيئة. من الصعب افتراض سوء النيّة في أشخاص لطالما وثقنا بهم/نّ. إنما إن تعرّضنا لتشويش إدراكي وسواء كان قصديًا أو لا، يُرجّح أن هؤلاء يضمرون/نّ لنا نوايا خبيثة بالفعل.

الاتهام بالهستيريا، البارانويا: الإنكار الدائم، الكذب، الشك.. جميعها أفعال تدفعنا للغضب. يستخدم المُتلاعبون نوبات الغضب تلك ضدنا. ونحنُ في جهة أخرى نُحارب لإثبات أنهم/نّ تسببوا في هذا الغضب بأفعالهم/نّ. فيتهموننا بالجنون والهستيريا.

استخدام الإضطرابات النفسية ضدكم/نّ: المتلاعب/ة يستخدمون نقاط ضعفنا لتوجيهنا إلى ما يُريدونه. عندما يوصموننا باضطراباتنا العقلية، فهم يستخدمون أكثر الأساليب حدّة. يعرفون أننا بالفعل نُسائل أنفسنا عن تأويلاتنا للواقع وأحكامنا عليه. بل أن بعض أدويتنا تتسبب لنا في نسيان الأحداث سريعًا، ويحوّلون/نّ ذلك لصالحهم/نّ.

 ماذا أفعل إن كنتُ أتعرض للتشويش الإدراكي؟
الأهم هو ثقتنا أن التشويش الإدراكي قد يحدث للجميع، وليس صحيحًا أنه يحدث للأضعف أو الأكثر هشاشة. ولنتذكر أن الشخصيات المؤذية تُمارس التشويش الإدراكي لأسباب منها السيطرة علينا والتي تُسبب لهم شعورًا جيدًا عن أنفسهم/نّ، أو لقناعتهم/نّ أنها الطريقة الوحيدة لاستمرار علاقاتهم/نّ معنا. هناك عدّة خطوات يُنصح بها في حال تعرضنا لتشويش إدراكي في علاقاتنا الاجتماعية والحميمية:

  • علينا تصديق أنفسنا والثقة في أحكامنا وتذكرنا للأحداث.
  • التدوين اليومي أو كتابة المُذكِرات يُساعد كثيرًا في فهم النمط الذي يتبّعه المتلاعبون/ات، كما يُساهم في توثيق الأحداث إن رجعنا لها مرة أخرى.
  • الشواهد والعلامات مُهمّة. إن حدث أمرٍ ما ونشعر أنه سيتم تشويش إدراكنا به لاحقًا، فمن الممكن الاستشهاد بشيء آخر حدث في نفس التوقيت. أو سؤال آخرين حضروا الموقف.
  • قد يكون تسجيل المكالمات والبريد الإلكتروني والاحتفاظ بها دليلًا، على أن يكون الدافع وراء ذلك هو المقارنة بين ما حدث وبين ما يُريد المُتلاعب/ة اقناعنا بأنه حدث.
  • عدم تصديق الأعذار أو خلقها للمتلاعب/ة. مهما تعرّض الشخص للإساءة من قبل أو في علاقات سابقة، فلن تكون مُبررًا في الأذى النفسي الذي يُسببه لنا.
  • وجود أشخاص داعمين لنا ولإدراكنا وحكمنا على الأشياء يُساعدنا في رحلة التعافي.
  • إن كان التشويش الإدراكي قويًا ويؤثر على شعورنا بقيمتنا الذاتية، فإن اللجوء لمختص/ة هو أمر ضروري.
Thank for your puchase!
You have successfully purchased.