يأتي رمضان كل عام محاطًا بهالة من الـ”ياااه، وحشتنا يا شهر الصوم،” و”أهلًا رمضان،” مع هستيريا جماعية قوامها التظاهر بالمثالية والادعاء، ووسط هذه الأجواء أنزوي في قوقعة كارهي رمضان دون تحفظ. أكره شهر رمضان، وهو اعتراف يجلب عليَّ الشتائم والسخط، لأن مجتمعاتنا اللطيفة لا تتقبل.. لا، ليس الرأي المختلف، بل المشاعر المختلفة نفسها. الكل يريدك أن تحب وتكره على مزاجه، وإلا فأنت “كافر” يجب أن يُضرب بالأحذية. تعال لأخبرك كيف أرى شهر رمضان من وجهة نظري، يُمكننا مناقشة حبك المشتعل له لاحقًا.
شهر العصبية
الدين أمر جميل، وشعائر الدين الهادفة لضبط الأعصاب والتحلي بالأخلاق شيء أجمل، ولكن الأمر يختلف في رمضان. مع الحر والتعب والإرهاق والجوع والعطش، يتحول البشر إلى وحوش تنتظر من يدوس ألغامها. الموظفون الحكوميون يعرقلون إنجاز أوراقي، والبائعون ينفعلون لأتفه الأسباب، سائق السيارة يسب الدين ويلعن أجداد من يضايقونه. مناخ مقيت من التوتر والانزعاج صنعه أشخاص لا يكفون عن ترديد “اللهم إني صائم” ثم يواصلون سخافاتهم متحججين بتعبهم وإرهاقهم. بتصوموا ليه وأنتم مش قد الصيام؟
Videos by VICE
غلاء بلا مبرر
رمضان يعني عزومات وسهرات، وموائد ضخمة يُدعى إليها الأهل والمعارف والجيران، وكل هذا يقتضي إنفاقًا مجنونًا على الطعام والشراب والتسالي والحلوى، وتخزين عشرات الأصناف التي ربما لن تؤكل، وغالبًا ستُلقى في القمامة إذا طُبخت لأن أحدًا لن يأكل هذا كله. نتيجة كل هذا “العك” ارتفاع مرعب في أسعار السلع الغذائية، ومهما كان الأمر مؤذيًا فلن يفهم أحد كلامك عن ترشيد الموارد، وتوجيه الطعام الفائض للمحتاج لأن “رمضان بييجي مرة واحدة في السنة، كل سنة وأنت طيب.” حاول ألَّا تصاب بالضغط وميزانيتك تطير في لمح البصر.
غير محجبة، إذن تستحقين
تحت بند التحرش تأتي معاملتي كامرأة غير محجبة في بلد مريض بـ”مظاهر التدين” فإذا أخذنا في الاعتبار أن هناك عُرفًا غامضًا يقضي بارتداء المسلمة “العاصية” الحجابَ في رمضان مؤقتًا، فهذا يضيق دائرة “تصنيفي” ويجعلني مستحقة لمعاملة خاصة للغاية تعرفها كثير من المصريات: “ما تلبسوا حجاب وتحترموا نفسكم/عايزين تفطرونا يا ****”.. عبارات متكررة من رجال أتقياء يتظاهرون بالورع. لا تتوقف المضايقات عند الرجال فحسب، فالنساء أيضًا يعذبن بعضهن، وكم من مرة ركبت المواصلات لتدفعني الصائمات بخشونة وقسوة، أو يحرصن على عدم جلوس أي فتاة غير محجبة على المقاعد، لأنها بالتأكيد “مسيحية فاطرة” لا تستحق الشفقة، أو “مسلمة عاصية” تستحق التهذيب حتى ترتدع وتتحجب وتحترم نفسها.
إزعاج بلا حدود
تبدأ المعاناة بالشياطين الصغار الذين يلعبون الكرة في الشارع طوال ساعات الليل خلال شهر رمضان، ويفجِّرون الصواريخ وجميع أنواع المفرقعات المرعبة، وتتحول حياتك إلى معزوفة لارتطام الكرة بالجدران ثم “بووووم” مرعبة يركضون بعدها في الأرجاء. تفرمل السيارات قبل أن تدهسهم، ويشتمهم العابرون، ويطردهم كبار السن المتعبون الراغبون في الراحة، ورغم هذا لا يذهبون أبدًا. هل تعنفهم؟ كان غيرك أشطر. هل ترشهم بالماء؟ أستغفر الله العظيم، هؤلاء أحباب الله يا متوحش يا قاسي القلب.
بعد الأطفال تأتي ميكروفونات المساجد. إذا لم يسعدك الحظ بالعيش في منطقة راقية في مصر تخضع للقانون، فسوف تعاني من تداخل أصوات المؤذنين، وستعاني أيضًا من كثرة الجوامع والزوايا ذات العدد الهائل من الميكروفونات في شوارع ضيقة جدًّا ومتلاصقة، ليتحول وقت الأذان إلى صراخ صاخب، وإذا حاولت ترديد الأذان لتنتهي بالدعاء فسوف يختلط عليك الأمر وتنسى ما كنت تقول وتفقد المؤذن الذي تردد خلفه.
موسم الجوع الإجباري
أنا لا أصوم، ولكن لسبب ما يعتقد البعض أن عليَّ مشاركتهم المعاناة حتى لا أجرح مشاعرهم. “مشاعر المسلمين” هذه كلمة فضفاضة للغاية، وتتسع لكل ما يكرهه المتسلطون أو لا يجرؤون على فعله، وأنا لا أفهم ماذا يجرح مشاعري في ألا يفعل الآخرون ما أفعل. لو أنني أصوم إرضاءً لإلهي ولمعتقداتي الخاصة، فماذا يضيرني في أن يكون العالم كله عكسي؟ يشبه الأمر أن تخلع ملابسك في الشتاء بمحض إرادتك ثم تغضب لأن الآخرين اختاروا الدفء. يطالبني البعض أحيانًا بتفسير لماذا لا أصوم، لكنني لا أقدم إجابات، وأرفض تمامًا تفسير اختياراتي الشخصية. صُم بمحض إرادتك وعلى مسؤوليتك الشخصية، واترك الآخرين يفعلون ما يريدون ما داموا لا يجبرونك على ما ترفض، كما تفعل أنت.
لجان الافطار بالإكراه
قلت سابقًا إنني لا أصوم، ومع هذا أقع ضحية للجان الإفطار الإجبارية في الشوارع، فإذا تصادف وكنت بالخارج وقت الأذان، وجدت العشرات يستوقفونني بالإكراه لمنحي البلح والتمر الهندي والماء، ويرفضون تمامًا انصرافي دون تناولها حتى لو أقسمت لهم إني غير صائمة، وإذا كنت في سيارة يلقونها عليَّ إلقاءً فتنفجر الأكياس في وجهي وتتلوث ملابسي وشعري وكل ما أحمله. الحماس لفعل الخير جميل، والتعقل أجمل، لكن الحماقة أعيت من يداويها.
يمكنني أن أحكي عن رمضان عشرات المواقف البائسة التي اضطهدت فيها لمجرد أنني لا أشبه الصورة العامة. نحن مجتمعات مصابة بفوبيا عميقة من المُختلِف، وفي رمضان تكون فرصة “توحيد” الصورة بحيث يظهر الجميع نسخةً مكررة، ليستريح المرتعبون من الاختلاف. في هذه الأجواء يكون المختلف واضحآً، لهذا يزدريه الجميع، ويخلقون جوًّا مسمومًا يفسد الشهر ذا الطابع الروحاني، ثم يستغربون من يقول إنه يكره رمضان.
قبل عامين كنت عائدة من عملي متعبة وجائعة ويقتلني العطش، وخلال ركوبي الميكروباص منعني رجل ملتحٍ بمنتهى الغلظة من الركوب، ودفع الباب في وجهي ليبعدني، ونادى شابًّا ليركب بدلًا مني، والسبب كما قال بخشونة: “أنا مش هاقعد جنبك.” حياتي في رمضان تكرار لهذا الموقف بوقاحة أقل قليلًا أو أشد قليلًا، فلماذا أحب تلك المناسبة التي تجعل كثيرون يسفرون عن وجههم المتعصب دون حياء؟ يقول البعض “هذا ليس ذنب رمضان” ولكنهم يغفلون أن “رمضان” هذا ليس كيانًا ملموساً، هو فترة من الزمن ترافقها سلوكيات اجتماعية سيئة، لي كامل الحق في انتقادها. ربما يكون رمضان شهر الكرم والخير والروحانيات.. ، لكنه حتمًا ليس شهر الاحترام وتقبل الآخر.
More
From VICE
-

Medios y Media/Getty Images -

Jim Dyson/Getty Images -

Andy Willsher/Redferns/Getty Images -

Eminem at the 2024 MTV Video Music Awards held at UBS Arena September 11, 2024 in in Elmont, New York. (Photo by Christopher Polk/Billboard via Getty Images)