مقابلة مع حنا عطالله، مؤسس مهرجان “أيام فلسطين السينمائية”

PCD 23 poster

تحت شعار “السردية الفلسطينية تجوب العالم”، قرر فريق مهرجان “أيام فلسطين السينمائية” تأجيل نسخته العاشرة التى كان من المقرر إقامتها أواخر اكتوبر الماضي بسبب الحرب التى تشنها إسرائيل على قطاع غزة، واستبدالها بفكرة بديعة لنقل القصة والصوت الفلسطيني عبر الأفلام الي ماوراء الحدود من خلال فعالية ” أيام فلسطين  السينمائية حول العالم.” وبدلًا من تنظيم المهرجان السينمائي في خمس مدن فلسطينية وهي غزة والقدس وبيت لحم ورام الله وحيفا، عُرِضَت الأفلام في ١٧١ عرضًا في ٤١ دولة حول العالم.

حنا عطالله هو صانع أفلام ومنتج ومدير فني وثقافي يعيش ما بين القدس وبرلين، حاصل على شهادة البكالوريوس في الدراسات السينمائية من المعهد العالي للسينما في أكاديمية الفنون المصرية. عطالله هو إبن الانتفاضة الأولى، وبدأ شغفه بعالم السينما بصدفة مشاهدته فيلم “عرس الجليل” لميشيل خليفي. 

Videos by VICE

يحكي عطالله عن سبب بدئه في صنع الأفلام: “شفت حالى وأصحابي وبلادي بالفيلم شعرت أنه هذا محل نقدر نحكى فيه قصصنا، هذا العالم نقدر فيه نتكلم عن الدبكة والحكم العسكرى، الأراضى، الانتهاكات، ومن هون بلش اهتمامي بالسينما وشو نقدر نحكي من خلالها لهذا العالم.” كرس عطالله مسيرته المهنية لتمكين الأصوات غير المسموعة وأسس مؤسسة “فيلم لاب فلسطين” غير الربحية في رام الله سنة ٢٠١٤، لتفعيل وتعزيز ثقافة السينما، والاستثمار في تبادل المعرفة المهنية في فلسطين، مما فتح الباب لبناء شبكة إقليمية ودولية للعاملين في مجال صناعة السينما الفلسطينية. 

ويقول عطالله إن سبب اختياره إطلاق مهرجان أيام فلسطين السينمائي في ٢ نوفمبر هو تزامنه مع ذكرى وعد بلفور المشؤوم، إضافة إلى “إرسال رسالة واضحة وقوية تتصدى للتشويه والتضليل للطرف الآخر، سواء كان الاحتلال أو المؤسسات الإعلامية الدولية الرسمية.”

في هذه المقابلة، يحدثنا عطالله عن القصة وراء مهرجان “أيام فلسطين السينمائية”، ويشرح لنا سبب اختيار عروض الأفلام لهذا العام من جميع أنحاء العالم.

Hanna Atallah.png
حنا عطالله. الصورة مقدمة منه.

VICE عربية: “آن الأوان لنروي قصصنا” هو شعار “فيلم لاب” و المهرجان منذ تأسيسه عام ٢٠١٤. كيف ترى أهمية هذا الشعار اليوم مع الحرب التى نتابع دمارها على الشاشات، وسط التضليل الإعلامي والأخبار غير دقيقة التي تبثها مؤسسات ووسائل إعلامية ومنصات دولية كبرى؟

حنا عطالله: منذ بداية تأسيسنا للمهرجان و”فيلم لاب”، كنا على يقين بأهمية استمرار سرد الرواية الفلسطينية ووصولها للعالم، وضرورة الاشتباك بها مع الطرف الآخر، لأن الرواية جزء من الحرب. فهي ليست أسلحة وقذائف فقط بل حرب على الشرعية، الحقوق، الوجود و على كل مكونات الشعب الفلسطيني. وتأكدت رؤيتنا خلال هذه الحرب بل الإبادة الجماعية التي تشهدها غزة الآن.

ما حدث خلال الأيام الأولى للحرب هو التشويه المتعمد من قِبل وسائل الإعلام الغربية والمسؤولين الرسميين للحقائق وروايتنا، مما حول المشهد في العالم وكأن القضية الفلسطينية لم تحدث إلا منذ ٧ أكتوبر، بمعالجة إعلامية مضللة، وكأن دولة غزة هاجمت دولة إسرائيل.

لقد تم كشف النقاب عن معظم حكومات العالم، وخاصة الأوروبية، مما دفعنا للتفكير في دورنا كمؤسسات عاملة في صناعة السينما ووضع السؤال حول كيفية انتشار السرد الفلسطيني حول العالم. ومن هنا جاءت فكرة إطلاق مهرجان “أيام فلسطينية سينمائية عالمية” بعد تأجيله في فلسطين بسبب الحرب.

كيف جاء التنسيق مع الشركاء الدوليين لإنجاح فكرة “أيام فلسطين السينمائية حول العالم؟”

بدأت المناقشات مع مؤسسة “أفلامنا” في بيروت خلال الأيام الأولى من الحرب، وانضم إلينا شريك آخر من مصر يمثل مؤسسة “أفلام س.” جمعتنا الفكرة ونجحنا في التنسيق مع أصدقاء وشركاء آخرين في شبكات محلية عربية ودولية،لا تقتصر تلك الروابط على العمل السينمائي فقط، بل تتسم بالالتزام بالقضايا الكبرى ودعم تحرر الشعوب وتعزيز الحريات وتحقيق العدالة. نجحنا في تنفيذ الفكرة بنقل ثمانية أفلام وثائقية وروائية من وحول فلسطين إلى ٤١ دولة حول العالم، مع إجمالي ١٧١ عرض.

أدرجنا خريطة تفاعلية بأماكن ومواقع العروض على منصات المهرجان لتسهيل وصول المشاهدين لها. وحرصنا أن يكون انطلاق الفاعلية يوم ٢ نوفمبر بالتزامن مع ذكرى وعد بلفور المشؤوم لتذكير العالم أن القضية ومأساة الشعب الفلسطيني لم تبدأ من نكبة ٤٨ ولكن من قبلها بسنوات طويلة.

BERLIN.jpg
صورة لعرض للأفلام في برلين، ألمانيا.

ما هي معايير برمجة الثمانية أفلام ؟

البرمجة كانت مُركزة لتسليط الضوء على غزة وإعطاء خلفية تاريخية بأن القصة لم تبدأ من ٧ أكتوبر، ومواجهة تشويه الرواية الفلسطينية سينمائيًا. ناقشنا قضية تعذيب الأسرى الفلسطينيين داخل السجون الإسرائيلية في فيلم ” اصطياد الأشباح” لرائد أنضوني، بينما يصور فيلم “حكاية الجواهر الثلاثة” لميشيل خليفي، حياة أطفال غزة فى الثمانينيات وهو يعكس سؤال هام عن هؤلاء الشباب اليوم. ويرصد فيلم “نادى غزة لركوب الأمواج” لمخرجين غير فلسطينين حياة الفلسطينيين في غزة رغم الحصار. هناك ثيمة مشابهة كذلك في فيلم “فرحة” لدارين سلام، و”حتى إشعار آخر” لرشيد مشهراوي، الذي تم تصويره بغزة.

BEIRUT.jpg
صورة لعرض للأفلام في بيروت، لبنان.

لكن في ظل القيود المفروضة على المحتوى الفلسطيني وتحذيرات الاتحاد الأوروبي لشركات التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي بعقوبات قانونية إذا لم تحذف أي محتوى مؤيد للفلسطينيين من منصاتها، هل واجهتم تحديات أو حظرًا لعرض أفلامكم بالخارج؟

نعم. شهدت بعض الأماكن منع لعروض الأفلام لعدم حصولهم على تصاريح العرض من الجهات المختصة. وهناك بعض الأماكن مثل ألمانيا فضلت عدم قراءة بيان الفعالية، والذي يُفتتح به عرض الأفلام، اعتراضًا منهم على بعض المصطلحات المذكورة به، وطلبوا استبدالها بأخرى. بينما شعرت أماكن أخرى بأن موضوعات بعض الأفلام غير مرغوب فيه، وربما تُسبب لهم أزمة، وفضلوا اختيار أفلام أخرى. والمنع لم يحدث في أوروبا فقط، بل شهدته عدد من الدول العربية أيضًا، وحُجبت بعض الأفلام من العرض.

وبصفة عامة، كنا واعيين بهذه الصعوبات والمحاذير، وتركنا الحرية لأماكن العرض في اختيار الأفلام المناسبة لهم، وكذلك إلقاء البيان من عدمه. هدفنا كان إنجاح العروض التضامنية وحضور الجمهور وفتح نقاش حقيقي حول الأفلام والقضية الفلسطينية.

تم إلغاء المهرجانات الموسيقية والسينمائية بالتزامن مع حرب غزة. وهذا يفتح باب النقاش حول دور الفن في الأزمات والحروب. هل الفن مجرد ترفيه؟

الموضوع شائك وحساس ويحتاج لتفكيكه بعدة أسئلة: ما هي هوية هذه المهرجانات؟ كيف يقدمون أنفسهم، ما هي رسالتهم، ومن هم جمهورهم؟ هويتنا واضحة في “أيام فلسطين السينمائية.” نحن نرفع شعار الثقافة مقاومة ومهرجان سينمائي مستقل يعالج القضايا. في الأساس، نحن لسنا مهرجان تنافسي أو يهتم بالعروض الأولى للأفلام. وبدون التشكيك في السبب الرئيسي للإلغاء هو التضامن والانتماء، لكن أعتقد أن هناك أسباب سياسية أخرى، مثل الخطر المحدق بالمنطقة ولا أحد يعرف أين سنكون غدًا. واعتذار العديد من الضيوف عن الحضور، بالإضافة إلى منتجي ومخرجي الأفلام الذين اتخذوا مواقف داعمة للطرف الآخر وسحبوا أفلامهم. وهذه كلها أسباب كثيرة يجب على منظمي المهرجانات توضيحها بشكل مناسب.

PARIS.jpg
صورة لعرض للأفلام في باريس، فرنسا.

 السينما الفلسطينية كانت سياسية منذ بدايتها. إلى أي مدى نجحت اللغة السينمائية للأفلام الفلسطينية في سرد ​​القصة وكسب الدعم للقضية عالميًا؟

بالفعل. إنها سينما سياسية، نتاج الواقع الذي نعيشه. وحتى لو حاول فيلم ما الابتعاد عن السياسة وعدم الحديث عنها على نحو مباشر، فإننا نجدها حاضرة في تفاصيل كثيرة في الفيلم؛ لأنه لا يمر يومًا لفلسطيني دون أحداث سياسية تمس حياته الشخصية. لكن يمكننا أن نقرأ السينما الفلسطينية خلال ثلاث مراحل؛ الأولى: السبعينيات مع منظمة التحرير الفلسطينية، وأنتج هذه الحقبة أفلامًا وثائقية توثق المجازر الإسرائيلية. ثم بدأت السينما الروائية في مرحلتها الثانية مع مخرجين تركوا بصمة مختلفة على مستوى السرد والصورة، مثل ميشيل خليفي، ورشيد مشهراوي، وإيليا سليمان.

وفي المرحلة الثالثة، تم إنتاج أفلام في أواخر ١٥ عامًا، وشهدت السينما تغييرًا في تقديمها لصورة الفلسطيني. لم تقدمنا أبطالًا أو ضحايًا،  بل اقتربت السينما من حياتنا الطبيعية كأشخاص يحبون ويكرهون ويعيشون حياتهم اليومية. وأصبح هناك نقد شخصي لقضايا داخلية في الأفلام، وبدأت الأسئلة حول المستقبل وأشياء أخرى. كما أن السينما الفلسطينية متنوعة بحكم صناعها. هناك مخرجون يعيشون في الشتات ولديهم رواية سينمائية مختلفة عن السينما الفلسطينية القادمة من مخرجين يعيشون في أراضي الـ ٤٨. وهناك سينما القدس والضفة الغربية وغزة. وهنا يتجلى غزارة وثراء السينما الفلسطينية. نحن لا نتحدث عن سينما واحدة أو لغة فنية واحدة، وهو ما جعلها تنافس بقوة في المسابقات الرسمية في المهرجانات العالمية الكبرى.

كيف ساهمت مؤسسة “فيلم لاب” بعد مرور ١٠ سنوات على تأسيسها في دعم صناعة السينما المستقلة في فلسطين؟

قمنا بتأسيس “فيلم لاب” من أجل تعزيز الثقافة السينمائية في فلسطين وخلق صناعة سينمائية احترافية وإبداعية من خلال مساحة دائمة لهذه الإنتاجات سواء كانت أفلام روائية أو قصيرة أو وثائقية، لأن إحدى جرائم الاحتلال هي إغلاق جميع المسارح في فلسطين منذ الثمانينات. ورغم نجاح السينما الفلسطينية عالميًا، إلا أن ٩٠٪ منها تقوم على الجهود الذاتية لصناع هذه الأفلام. نحن نفتقر إلى صناعة السينما والبنية التحتية والتمويل في فلسطين.

نحن لسنا هيئة إنتاج في “فيلم لاب”، ولكننا ندعم صناع الأفلام الشباب من خلال برامج متنوعة، ونفتح لهم مساحات للتواجد على خريطة السينما العالمية، سواء بحضور المهرجانات أو التشبيك مع أسواق الإنتاج المختلفة لتقديم مشاريعهم للمنتجين. كما نوفر للشباب والشابات فرصة الإقامة التدريبية الفنية في برلين لمدة ٣ أشهر، بالإضافة إلى المساهمة في مرحلة ما بعد الإنتاج مثل تصحيح الألوان والمونتاج.

هل يمكنك أن تخبرنا كيف تتعامل سلطات الاحتلال مع المخرجين أثناء تصوير أفلامهم؟

هناك مضايقات مستمرة لصانعي الأفلام، خاصة في المناطق الخاضعة لسلطة الاحتلال. وفي القدس بشكل خاص، هناك صعوبة بالغة في تصوير الأفلام. بمجرد أن تضع الكاميرا جانبًا، تجد الشرطة فوق رأسك. وتم اعتقال أو توقيف جزء من طواقم تصوير عدة أفلام لمخرجين مثل نجوى النجار وآن ماري جاسر ومؤيد عليان أثناء تصوير فيلم “بيت في القدس.” وبالفعل، تعرض فريق عمل المخرج إيليا أبو سليمان، أثناء تصوير فيلم “الزمن المتبقي”، لاعتداء من قبل مستوطن حمل سلاحه في اتجاههم أثناء التصوير وسألهم “لماذا أنتم هنا؟!”.”

Thank for your puchase!
You have successfully purchased.