“هرمي ابني من الشباك وارمي نفسي وراه” -أمهات جدد يعانين من اكتئاب ما بعد الولادة يتحدثن عن أكثر اللحظات ظلمة

شهدت قرية ميت تمامة في محافظة الدقهلية في مصر، جريمة مروعة بعدما أقدمت سيدة مؤخرًا على محاولة الانتحار بإلقاء نفسها أمام جرار زراعي عقب ذبح أطفالها الثلاثة أصغرهم طفلة تبلغ من العمر ثلاثة أشهر. وبحسب تحقيقات النيابة فأن دوافع ارتكاب الجريمة هو “اكتئاب ما بعد الولادة” وهو ما أدلت به الأم في اعترافاتها بعد إيداعها في العناية المركزة بإحدى المستشفيات.

اكتئاب ما بعد الولادة، هو شعور بالحزن الشديد واضطرابات نفسية شائعة تظهر خلال الأيَّام الثلاثة التالية للولادة وقد تمتد إلى عدة أشهر، حيث تشعر النساء بالتعب الشديد وعدم القدرة على النوم، وفقدان الرغبة في الأكل، والشعور بالتعاسة والبكاء المتواصل وتقلب المزاج ونوبات الهلع، وقد يفقدن الاهتمام بالنشاطات اليومية وبصغارهنَّ. كما تشمل أعراض اكتئاب ما بعد الولادة عدم القدرة على رعاية الطفل أو عدم القادة على التواصل معه عاطفيًا، والشعور بالذنب حيال هذه المشاعر، الخوف من إيذاء الطفل وأفكار انتحارية.

Videos by VICE

وبحسب منظمة الصحة العالمية، يحدث اكتئاب ما بعد الولادة postpartum depression لـ 10 إلى 15 في المئة من النساء حول العالم، ولكنها ترتفع أكثر في الدول النامية. وفي حالاتٍ نادرةٍ جدًا، يحدث اضطرابٌ أكثر شدَّة يُسمَّى ذُهان ما بعد الولادة postpartum psychosis.  ويعتقد الكثيرون أن اكتئاب ما بعد الولادة ‏يحدث فقط لدى النساء، ولكنّ الأبحاث تشير إلى أن اكتئاب ما بعد الولادة يصيب ما بين 6 إلى 13% من الآباء الجدد ويحتاجون إلى المساعدة للتعافي بشكل أفضل.

من الصعب تحديد أسباب الاكتئاب بعد الولادة، ولكنَّ قد تُسهِمَ بعض هذه العوامل وتزيد من خطرهما وهم: اكتئاب كان موجودًا قبل الحمل أو خلاله؛ اكتئاب حدث في حمل سابق؛ نوبات سابقة من الحزن خلال أوقات معيَّنة من الشهر (مرتبطة بالطمث) أو عند أخذ وسائل منع الحمل الفمويَّة؛ أقارب الدرجة الأولى لديهم اكتئاب (التاريخ العائلي)؛ حالات الشِّدَّة النَّفسيَّة مثل وجود مشاكل زوجيَّة أو قلَّة الدَّعم من الشريك أو من أفراد الأسرة؛ مشاكل مرتبطة بالحمل (مثل الولادة قبل الأوان أو ولادة طفل لديه عيوب خِلقيَّة)؛ مشاكل الرضاعة الطبيعية. كما يُسهِمُ أيضًا الانخفاض المُفاجئ في مستويات هرمونات الأستروجين والبروجسترون والغُدَّة الدرقية والتي تحدث بعد الولادة، بالتزامن مع قلَّة النوم في الإصابة باكتئاب ما بعد الولادة.

تقول الدكتورة داليا فاروق، إخصائي الطب النفسي والاستشارات الأسرية وصحة المرأة، كلية الطب جامعة عين شمس في مصر، أن هناك فروق واضحة بين ما يسمى بـ”الكآبة النفاسية baby blues” واكتئاب ما بعد الولادة postpartum depression وذُهان ما بعد الولادة postpartum psychosis.

وتشير فاروق في حديثها لـ VICE عربية إلى أن نحو 50% من النساء يصيبن بالكآبة النفاسية، بعد الولادة، فتظهر أعراض مثل تقلبات مزاجية؛ الشعور بالحزن أو القلق أو الإرهاق؛ نوبات بكاء، وهي حالة لا تستدعي تدخل الطبيب وتزول في غضون أيام أو أسابيع قليلة.

أما إذا اشتدت حدة الأعراض لتشمل الحزن الشديد، فقدان الشهية؛ مشاكل النوم ومحاولات لإيذاء نفسها أو ايذاء الصغير “فهي إشارات واضحة على إصابة المرأة باكتئاب ما بعد الولادة ويستلزم ذهابها للطبيب. وفيما يتعلق بالذهان بعد الولادة، تشير فاروق إلى إنه قليل الحدوث ولكنه خطر، حيث تصل فيه المريضة لحالة حرجة بسبب الهلاوس. وتضيف: “تصاب بالذهان حوالي 4 أمهات جدد من بين كل 1،000 ولادة. حيث يبدأ عادًة في أول أسبوعين بعد الولادة ويتطلب التدخل الطبي، بالإضافة إلى اضطراب ثنائي القطب الذي من الممكن  حدوثه بعد الولادة حيث تعاني المريضة من تقلبات مزاجية بين نوبات الاكتئاب ونوبات الهوس.”

**معاناة أمهات مع اكتئاب ما بعد الولادة
**قابلت عدد من الأمهات الجدد للحديث عن تفاصيل رحلتهم مع اكتئاب ما بعد الولادة.

هديل عبد الرحمن، 32 عامًا، صيدلانية، تروي معاناتها مع الاكتئاب بعد ولادة ابنتها منذ خمسة أشهر، وتصف أول شهر بعد الولادة بأنه أسوأ وقت في حياتها كلها. وتضيف: “شيء مرعب جدًا، بييجي في وقت كل الناس فاكرة أن الأم سعيدة بمولودها الجديد، لكن الحقيقة هي بتكون في عالم تاني خالص. أقدر أقول بضمير مرتاح تمامًا إنه أول شهر من حياة بنتي كان أسوأ وقت عدّى عليا في حياتي كلها. كانت ولادتي طبيعية وسهلة، ولكن بعد مرور يومين بدأت أشعر بأوجاع مختلفة في جسمي بعد انسحاب تأثير المخدر، ثم تدهورت حالتي فالألم الجسدي كنت أستطيع تحمله، لكن المشكلة كانت في الأفكار اللي داخل دماغي. خلال أول أسبوعين بعد الولادة، كنت بخاف من بنتي جدًا ولا أريدها. فضلت أعيط وأسأل زوجي “احنا ازاي عملنا كده؟! دي كارثة، هو أنت مش خايف منها.”

تشير هديل إلى أن كل ما قرأته عن الحمل والولادة قبل إنجاب ابنتها تبخر من رأسها عندما عاشت التجربة بنفسها. وتقول: “أنا رُحت للأمومة برجلي وباختياري وفي الوقت اللي أنا عايزاه، قرأت كتب كتير عن التربية، وبحكم مهنتي، كنت عارفة كويس إيه هو اكتئاب ما بعد الولادة، ومع ذلك وقتها أنا نسيت كل حاجة في الدنيا، نسيت حتى المعلومات اللي اعرفها، كنت حاسة إنه مخي مفيش جواه حاجة غير سحابة سوداء.”

استمر وضع هديل بالتدهور لمدة شهر ونصف، وتحسنت نفسيتها بعد وصف بعض الأدوية المضادة للاكتئاب: “لولا دعم أهلي وزوجي ووقوفهم معي كنت لا أستطيع العبور من هذا النفق المظلم. أمي كانت تساعدني دائمًا وتهتم بي وتحمل عني ابنتي. أما زوجي، فقد كان يسهر كل يوم ويتعامل مع نوبات بكائي وأفكاري المشوشة بصبر. الأدوية المضادة للاكتئاب سارعت من شفائي، والحمد لله عدت لطبيعتي وعلاقتي تحسنت بابنتي بعد التعافي.”

مهندسة الديكور منى (اسم مستعار) 26 عامًا، عانت من اكتئاب بعد الولادة لمدة ٣ شهور بعد إنجابها ابنها الأول منذ سبعة شهور، وتقول: “كنت بخاف من ابني وفضلت ألوم نفسي طول الوقت. كنت بشعر بسخرية واستهزاء من الآخرين بسبب معاناتي، ولسوء حظي والدتي متوفية وزوجي لم يكن مقتنعًا إنني أعاني بالفعل من مرض نفسي، ويتعامل معي كأنني طفلة بتتدلع. فضلت حالتي تسوء لدرجة مش هنسى مرة إني كلمته في التليفون وقلت له ارجع ألحق ابنك أنا هرميه من الشباك وهرمي نفسي وراه.”

بسبب الوصمة المرتبطة بهذا الاكتئاب، والخوف من أن يتم وصمهن كأمهات سيئات، فإن أغلب النساء يكتمن ما يشعرن به. وتشير منى أنها بسبب هذه الوصمة، قررت التواصل مع طبيب نفسي أونلاين: “لم أرد أن يتم وصمي اجتماعياً، ولهذا اخترت التعامل مع طبيب نفسي أونلاين، تابع حالتي وكتب لي بعض الأدوية المضادة للاكتئاب التي لا تؤثر على الرضاعة الطبيعية. تحسنت حالتي بعد شهر ونصف، وعديت هذه المرحلة الصعبة لوحدي. من المحزن وجود فئات تقلل وتستهين من خطورة هذا الاكتئاب. لازم نعرف أن دعم الأم فرض عين على الجميع للخروج من المرحلة الصعبة دي بأقل الخسائر.”

قصة شيماء اسم مستعار لسيدة تبلغ من العمر 22 عامًا وتقيم في إحدى محافظات صعيد مصر، مختلفة عن الآخرين، فالأمر تحول لدى أسرتها من مجرد مرض نفسي إلى الدخول في عالم السحر والدجالين لعلاجها. وتقول: “أنجبت ابني الثاني منذ ثلاثة شهور، وبعد أسبوع دخلت في نوبة بكاء هستيري بدون سبب، كرهت ابني وزوجي فجأة، وكنت أصرخ زي المجنونة في البيت. أسرتي اعتقدت أنني مسحورة وكلمت أحد الدجالين المعروفين في منطقتنا ظنًا منهم إني اتعملي سحر لأنني خلفت ولد، ولكني رفضت مقابلته. ولكن زوجي أجبرني على الجلوس مع الدجال الذي بدأ يردد عبارات لا معنى لها ويقول أنني مسحورة ولازم أشرب مياه مرشوش عليها شوية تعويذات غريبة.”

مع مرور الوقت، تدهورت حالة شيماء، وامتنعت نهائيًا عن تناول الطعام أو إرضاع ابنها. وهنا قررت العائلة استشارة طبيب. وتقول: “فحصني أحد الأطباء والذي أكد لأسرتي أنني أعاني من مرض نفسي بعد الولادة وأحتاج إلى أدوية. ولكن كان رد زوجي: مرض نفسي إيه يا دكتور أنت عايز تجيب لينا الفضيحة، والناس تقول مراتي بتاخد أدوية مجانين. مرت ثلاثة شهور ولا زلت حبيسة هذا الاكتئاب. وبعد حادث انتحار السيدة التي ذبحت أطفالها، فضلت أعيط وأقول يارب ارحمني واشفيني حتى لا أفعل أي تصرف متهور.”

في حالة الاكتئاب جميعها واكتئاب ما بعد الولادة بشكل خاص، فإن الدعم الأول والأهم هو أفراد العائلة، ولهذا من المهم نشر التوعية بشكل أكبر لخطر هذا المرض. وتشدد الدكتورة فاروق على أهمية متابعة المرأة بدقة حال ظهور أي أعراض اكتئاب، وتقديم كافة الدعم لهم، وأن يتولى شخص آخر رعاية الطفل بدلًا منها، مع إعطائها قسط كاف من النوم والراحة. وتضيف: “يجب التوقف عن التعامل مع مرضى اكتئاب ما بعد الولادة كوصمة أو استخفاف وتوبيخ المرأة بعبارات أنتِ بتتدلعي، ومأفورة. عدم الاعتراف بهذا المرض، يزيد الضغط النفسي عليها ويُصعب من عملية العلاج.”

تحتاح بعض الأمهات الجدد إلى مساعدةٍ طبية أيضًا. ويُوصي الأطباء بتوليفة من العلاج النفسي ومضادَّات الاكتئاب. أما النساء اللواتي يعانين من ذهان ما بعد الولادة فقد تحتاج إلى دخول المستشفى، في وحدة خاصة تسمح ببقاء صغارهنَّ برفقتهن.

وبحسب الدكتورة فاروق، تتضمن الخطة العلاجية إعطاء المريضة مجموعة الأدوية SSRIs- وهي مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية- لمدة تتراوح من 6 شهور إلى عام، كما يتم متابعة المريضة بشكل دوري حتى بعد التعافي خوفًا من تعرضها لنوبة اكتئاب جديدة خاصة وأن مرضى الاكتئاب عرضة للإصابة به مرات أخرى. ويتم مراعاة النسب في هذه الأدوية خاصة إذا كانت تعتمد الأم المريضة على الرضاعة الطبيعية.

-اختارت منى وشيماء أسماء مستعارة بسبب خوفهم من الوصمة الاجتماعية والحكم السلبي عليهما.

Thank for your puchase!
You have successfully purchased.