Vice Illustration - 23 March 2021 - Alexandra Helou
صحة

كوفيد طويل الأمد: التعافي من فيروس كورونا لا يعني أنك بخير

"الشيء الذي لم يتحسن بعد هو الفول السوداني، ما زالت رائحته تشبه المجاري"
7.4.21

"فيروس عجيب وغير مفهوم." ربما كانت هذه العبارة الأكثر تكرارًا على لسان الأطباء خلال العام الماضي، بسبب طيف الأعراض الواسع الذي يحمله فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19) لمصابيه. الأعراض الأكثر شيوعًا هي الحمى وآلام الجسم والعضلات، والسعال، والإرهاق، وفقدان الشم والتذوق. بعض المصابين يختبرون واحدًا أو أكثر من هذه الأعراض، وتتراوح شدة الإصابة ما بين أعراض ضعيفة تمر بلا أثر، ومتوسطة يمكن علاجها منزليًّا، إلى عنيفة تستلزم العناية المركزة. ما لم نكن نعلمه في مثل هذا الوقت من العام الماضي، أن بعض المصابين سيكون مقدرًا لهم أن يعانوا من بعض التوابع بعد شفائهم، لفترة قد تمتد شهورًا.

إعلان

توابع الكوفيد 19، أو ما يسمى بالكوفيد طويل الأمد Long Covid هو عدد من الأعراض المرضية التي تبقى مع المتعافين من فيروس كورونا لفترة قد تصل إلى شهور بعد شفائهم، ولا يتعلق الأمر بشدة الأعراض الأساسية أو طول فترة الإصابة، فالأشخاص الذين عانوا من أعراض متوسطة، أو استمر مرضهم لأيام قليلة، معرضون أيضًا للإصابة بتوابع فيروس كورونا.

يقول الدكتور أحمد سمير سعد، مدرس التخدير بكلية طب قصر العيني، بجامعة القاهرة في مقابلة مع VICE عربية: "تزداد احتمالية التعرض للكوفيد طويل الأمد في المرضى الذين عانوا من أعراض عنيفة، وخصوصًا الالتهاب الرئوي. في كثير من الأحيان، يورث الالتهاب الرئوي المريض أعراضًا ممتدة بعد التعافي، وفي بداية الجائحة لم نكن متأكدين إذا كان الكوفيد 19 يشترك معه في نفس التأثير، أم أن من أصيبوا بالالتهاب الرئوي معرضون وحدهم لهذا، لكن بمرور الوقت بدأنا نلاحظ أن كثير من المرضى يعانون بعد شفائهم من أعراض الفيروس الحادة، حتى من أصيبوا بأعراض بسيطة."

الأعراض الأكثر تكرارًا في فترة ما بعد الكورونا تشمل التعب والإرهاق، ضيق التنفس وآلام الصدر، وانخفاض التركيز، وآلام المفاصل والعضلات، والدوخة وزيادة ضربات القلب، مع بعض مشكلات المعدة كالإسهال والغثيان، وضعف الشهية، وتغيرات حادة في حاستي الشم والتذوق، والطفح الجلدي. قد تمر توابع الكوفيد 19 سريعًا، وقد تستمر لشهورٍ طويلة، وتسبب لأصحابها معاناة لا يمكن تصورها.

شخصيًّا، مررت بتجربة الكوفيد 19 المريرة لأقع في معاناة أسوأ مع توابعه. أصبت في ذروة الموجة الأولى في مصر، وعانيت الأعراض الكلاسيكية كلها: حمى بلغت 39.5 درجة لخمسة أيام متواصلة، وتعب شديد، وكحة، وفقدان الشم والتذوق. استمرت تلك الأعراض أسبوعًا، بعدها بدأ التهاب أعصاب النصف السفلي من الجسم، آلام رهيبة في أسفل الظهر والحوض. ثم بدأ الأسبوع الثالث بطفح جلدي شديد، وانتفخت أصابعي لأضعاف حجمها، دون فعالية لجميع أدوية الحساسية. وصف أصدقائي الأطباء حالتي بأنها عجيبة، فيها جميع الأعراض الشائعة والنادرة والغريبة للفيروس. بعد شهر كامل عبرت خط النار، واعتبرت أنني نجوت وأخرجت لساني للكورونا.. لكنني… لم أكن أعلم.

كانت فترة النقاهة مفعمة بالإرهاق والأرق، وبقيت أعاني من الكحة الشديدة، وآلام الظهر والحوض، واكتئاب شديد، حتى أنني كنت أتعرف على نفسي بصعوبة في المرآة. بعد شهر خفّت حدة هذه الأعراض، وبعد أسبوعين آخرين بدأ عرض جديد.. حكة شديدة في جسمي كله، ما عدا الوجه. كانت عنيفة لدرجة أنها توقظني ليلاً، وبحلول منتصف نوفمبر (بعد خمسة أشهر من الإصابة، وأربعة من التعافي) أصبحت قنبلة موقوتة، أتشاجر طوال الوقت، وهبات مزاجي جنونية، والاكتئاب قد قضى عليَّ تمامًا، ولم أعد قادرة علي العمل أو حتى رفع رأسي عن الوسادة، وجسدي مغطى بالجروح والخدوش وأعجز عن النوم لأيام.

إعلان

بعد عدة محاولات لإيجاد علاج واعتذار الأطباء عن عدم وجود علاج قاطع "لأن الفيروس جديد ولا أحد يفهم لماذا يتصرف هكذا." وصف لي أحد الصيادلة دواءً فعالاً. فور استخدامه هدأت النار التي تسري بجلدي، ونمت لتسع ساعات متواصلة لأول مرة منذ شهور. اكتمل شفائي من الكورونا بعد تسعة أشهر بالضبط من الجنون.

اتضح أنني مصاب بهلوسات شميّة كأحد توابع إصابتي بالكوفيد 19

لست وحدي من مر بتجربة أثرت على جودة حياته بسبب توابع فيروس كورونا، يخبرني محمد، ٣٠ عاماً، مهندس، أنه أصيب بالكورونا بأعراض متوسطة، ارتفاع درجة الحرارة، وآلام الجسم، والصداع، وفقدان الشم، واستغرقت فترة الإصابة خمسة أيام، واكتمل التعافي. لكن بعد شهرين ونصف استيقظ يومًا ليجد رائحة مزعجة تنتشر في مكان العمل.

يكمل محمد: "أذكر أنني تشاجرت مع زملائي بسببها، ثم وجدت نفس الرائحة تنبعث مني. كانت مقززة للغاية تشبه رائحة المجاري، جعلتني أشمئز من نفسي وأذهب للاستحمام عدة مرات، لكنها لم تختفي مهما فعلت. كنت insecure جدًّا من فكرة أن الآخرين يشمونها مني، لكنني لم أفهم أن الخلل داخلي إلا عندما ذهبت لأمضي يومًا مع عائلتي، واستيقظت بسبب نفس الرائحة وقد بلغت درجة لا تطاق، وتشاجرت مع أمي بسبب ذلك. هنا شعرت أن الأمر غير طبيعي إطلاقًا، وذهبت للطبيب. في البداية ظننتني مصابًا بميكروب معوي يؤثر على شعوري بالروائح، لكن اتضح أنني مصاب بهلوسات شميّة olfactory hallucination -phantosmia كأحد توابع إصابتي بالكوفيد 19."

تعتبر الهلوسات الشمية من أسوأ الأعراض التي يبلغ عنها الناجون من فيروس كورونا حول العالم، كما يمتد التأثر للتذوق أيضًا، ويصف ريتشارد دوتي، رئيس قسم الشم والتذوق بجامعة بنسلفانيا هذه الحالة بأنها قد تكون أكثر إزعاجًا للمريض من فقدان الحاسة الكلي، لأنه يصبح عاجزًا عن الاستمتاع بالطعام والشراب، وينزعج من روائح غير موجودة. يشمل اضطراب حاستي الشم والتذوق شم رائحة احتراق، أو دخان، أو رائحة فاسدة، أو مقززة مثل المجاري والقمامة، وقد يبدو طعم بعض الأكلات متعفنًا.

إعلان

يكمل محمد قصته: "بدأت كورسًا علاجيًّا يعتمد على جرعات عالية جدًّا من الكورتيزون، ثم تخف تدريجيًّا، وكان يزعجني أن هذه الأعراض أثرت على رائحة أكثر ما أحب تناوله: القهوة والفول السوداني. كان من المستحيل تحمل رائحتهما أو طعمهما. انتظمت على الأدوية التي كانت لها آثار جانبية أكثر إزعاجًا، زاد وزني وعانيت من الأرق والعصبية، وكنت أتشاجر طوال الوقت مع أي شخص حتى لو قال لي صباح الخير، بجانب هذا كنت أشعر بشراهة غير عادية للأكل وللحلويات خصوصًا، حتى أنني أكلت بعض الحلوى المتبقية من مولد النبي العام الماضي والتي انتهت صلاحيتها."

تجاوز محمد الآن الخمسة أشهر من العلاج، ولم ينقطع بعد عن تناول الأدوية، واستعمال بخاخات الأنف، وقد تحسنت حالته لدرجة كبيرة، وإن بقيت بعض الآثار في أطعمة بعينها:"الشيء الذي لم يتحسن بعد هو الفول السوداني، ما زالت رائحته تشبه المجاري."

اضطرابات حواس الشم والتذوق بعد الكوفيد 19 من أقسى الأعراض، في المعتاد تعود الحاستين بعد أسبوعين في المتوسط، لكن إذا استمرت لفترة أطول، فمن الضروري اللجوء إلى طبيب متخصص في أمراض الأنف والأذن والحنجرة، لبدء الكورس العلاجي فورًا.

يضيف الدكتور سعد: "يحتاج كثير من المرضى الذين طال بهم أمد فقد حواسهم إلى تدريبات شم متخصصة يحددها الطبيب، بعضها يعتمد على زيوت عطرية معينة، وروائح بعينها يتخيل المريض رائحتها ويستدعيها. أمَّا الأشخاص الذين يعانون من شم روائح سيئة، فهذا يحدث بسبب التنشيط الخاطئ للعصب الشمّي". أمَّا عن فقدان التذوق، فيشير الدكتور سعد، أن من المهم لمريض الكورونا، أن يفهم أن الأمر متعلق بعدم القدرة على تمييز النكهات، وليس تصنيف الطعام. بمعنى أنك ستستطيع تمييز ما إذا كنت تأكل شيئًا حلوًا أم مالحًا، لكنك لن تميز المايونيز من الثومية مثلاً، كلاهما سيبدو لك شيئًا ناعمًا غير محدد.

أغرب الأعراض كان سوء تقدير المسافات. كنت أعجز عن تمييز مدى قرب أو بعد الأشياء عني

إعلان

غرابة فيروس كورونا تكمن في أن لا شكل ثابت له، وكل توابعه قد تفاجئنا. سلمى، 30 عاماً، موظفة، تفاجئت بعرض غريب بعد تعافيها من الكورونا: "عانيت من توابع الكوفيد 19 لخمسة أشهر تقريبًا بعد التعافي، كانت نوبات من ضيق التنفس، والإرهاق من أقل مجهود، ومشكلات في المعدة والجهاز الهضمي، واضطرابات في الشم والتذوق مرتبطة بفترة الدورة الشهرية. لكن أغرب الأعراض كان سوء تقدير المسافات. كنت أعجز عن تمييز مدى قرب أو بعد الأشياء عني. اصطدم بالمنضدة لأنني لا أتخيلها قريبة، ولا أستطيع تمييز هل السيارات المحيطة بعيدة أم قريبة، وأتعثر عند صعود الرصيف لأنني لا أتدارك متى أرفع قدمي ومتى أخطو. كان الأمر غريبًا ولم أستطع شرحه كما أشعر به تمامًا للطبيب، وهو لم يجد رابطًا بينه وبين الكورونا، فعزى الحالة كلها لانخفاض التركيز وتشوش الذهن."

مشكلة سلمى غير مألوفة فعلاً، لكن انخفاض التركيز وتأثر الذاكرة والشعور بالتشوش والاضطراب، أو ما يسمى brain fog الذي يمر به بعض المصابين، من الأعراض المتكررة وفقًا لدوريات طبية مختلفة، وقد وجدت دراسة على 3،700 متعافٍ من فيروس كورونا، في 56 دولة حول العالم، أن 85% منهم أبلغوا عن أعراض ضعف الذاكرة، وتشوش التفكير، وصعوبة التركيز، حتى بعد التعافي بسبعة أشهر، وأبلغ أكثر من نصف المشاركين عن مشاكل في التذكر. من الممكن  أن تجد نفسك غير قادر على أداء واجباتك اليومية، أو تتعثر في إنجاز بعض المهام مثل المذاكرة لأطفالك، أو تجد صعوبة في استرجاع المعلومات وتحليلها لاتخاذ قرار، وحتى العثور على الكلمات المناسبة لتستجمع أفكارك، وكأن عقلك يمر بنوع من الخدر.

أمَّا التوابع الأشد تأثيرًا فهي المتعلقة بالحالة النفسية في فترة ما بعد التعافي. تجربة الإصابة وحدها يمكن أن تكون محطمة للأعصاب، خصوصًا لمن أصيبوا في الموجة الأولى والرعب في أشده. في الأيام الأولى لإصابتي كنت موقنة أنني لن أنجو لأن الحمى كانت شديدة القسوة، لكن ما ساهم في انحدار نفسيتي أكثر هو الهلع الجنوني الذي طاردني به بعض الأصدقاء معبرين عن خوفهم عليَّ، حتى أن أحدهم قال لي وهو يولول: "هيحصل لي ايه لما تموتي."

قد تظهر على الناجين من الكورونا، أعراض كرب ما بعد الصدمة، ويضيف الدكتور سعد بأن "المتعافين من فيروس كورونا يمرون بمشكلات نفسية لا تقل صعوبة عن المعاناة الجسدية، بسبب انخفاض جودة الحياة في فترة ما بعد التعافي." بجانب هذه المشاعر الثقيلة، تتولد أزمات نفسية مختلفة بسبب تداعي الحواس الذي يصيب البعض، ورغم أن فقدان الشم والتذوق يبدو شيئًا خياليًّا ولا يمكن استيعابه لمن لم يجربه، فهي تجربة لا يمكن وصفها، وكفيلة بإصابة أصحابها بالجنون.

إعلان

أن تمضغ الطعام كأنها مناديل مبتلة، وتبتلع الخل والليمون وتشعر برد فعل غامض في أنسجة الحلق، لكنك لا تستشعر أي طعم، وتتحول متعة الأكل إلى تأمل لقرمشة بعض المكونات ونعومة البعض الآخر، بالطريقة المرعبة التي عرضها فيلم Perfect Sense- يدور حول جائحة غامضة تفقد البشر حواسهم بالتدريج، فيحتالون على عجزهم بطرق مختلفة ليجدوا متعة في الحياة. 

بدأ شعري يتساقط وتركيزي منخفض، ولا أستطيع المشي لمسافات كما كنت قبل المرض

من الأشخاص الذين مروا بتداعي نفسيتهم نتيجة توابع فيروس كورونا كانت رحمة، 20 عاماً، طالبة، وتحكي عن إصابتها: "أصبت بالأعراض الكلاسيكية كلها، وفقدت الشم والتذوق لمدة ثلاثة أسابيع، ثم عادت حواسي بشكل طبيعي، لكن بعد ثلاثة أسابيع استيقظت لأجد الطعام له رائحة بشعة، والطعم لا يمكن تحمله، خصوصًا الأكلات التي تحتوي على البروتين مثل اللحوم والدجاج والسمك والبيض، الأرز والمكرونة لم يكونا أفضل حالاً. عشت على البطاطا والكوسا والجزر لمدة سبعة أشهر."

تضيف رحمة أن المرض وتوابعه أثر على صحتها النفسية بشكل كبير: "بدأ شعري يتساقط، وتركيزي منخفض، ولا أستطيع المشي لمسافات كما كنت قبل المرض. العلاج لم يأت بنتيجة حاسمة حتى الآن، رغم تغيّر الأطباء، واختلاف بروتوكول العلاج، لكن بلا جدوى. الاختلاف الوحيد أنني أصبت بالتهاب في جدار المعدة بسبب الفيتامينات فتوقفت عنها. هذه أسوأ فترة في حياتي على الإطلاق."

رغم أن معرفتنا بفيروس كورونا الآن أصبحت أفضل، مقارنة بما كنا عليه قبل عام، إلا أننا ما زلنا لا ندري الكثير عن الهجوم الشامل الذي يتعرض له الجسم المصاب، ولماذا تختلف أعراض الكوفيد طويل الأمد من شخصٍ لآخر. وفي أوراق علمية جديدة جاءت توصيات بتأجيل أي عملية جراحية غير عاجلة لمدة شهرين بعد تشخيص الإصابة بالكورونا، لتفادي تعريض المريض للخطر، ويعلق الدكتور سعد: "السبب في هذا هو ارتفاع احتمالية وفاة المريض إلى نحو أربعة أضعاف النسبة الطبيعية خلال الأسابيع الستة الأولى بعد الجراحة، وبحسب الدراسة فمن الأفضل تأجيل الجراحة فترة أطول، لمن استمرت معهم أعراض الكوفيد طويل الأمد."

لقد أصبح الرعب بعيدًا الآن مع وجود اللقاحات، بل وبدأ البعض يمزح بخصوص إجراءاتنا الاحترازية المبالغ فيها في 2020 ويقارنها بما أصبحنا عليه اليوم. ولكن تركت الجائحة بصمة قاسية علينا جميعًا. لكن الزمن في صالحنا كبشر، وكل يوم يمضي يجعلنا أكثر فهمًا للمرض، وأدق في علاجه، وكل من سيصاب الآن قد يكون أسعد حظًّا ممن أصيبوا سابقًا، لأن الأطباء يزدادون معرفة بطرق العلاج.

ربما علينا بعد اكتمال التعافي أن نحتفل بالحياة، وعلى من أسعدهم الحظ بالنجاة إلى الآن مواصلة الحذر، حتى نودع جميعًا تلك الجائحة، بلا أي توابع.