شعر

pixabay

مجتمع

إلى كل الأمهات والجدات والعمات والخالات والحموات، هذه إجابة وافية على سؤال: " أنتِ ناكشة شعرك ليه؟"

ليس بالضرورة أن تشبهي نيكول كيدمان، مالها ساشا لين؟ ما هي زي القمر.
1.8.19

تحدق السيدة المسنة في إحدى الشابات التي تصفف شعرها على طريقة "الكيرلي"، أو الشعر المجعد، ثم تتساءل: هو أنت متضايقة من حاجة؟
- ليه؟
- أمال ناكشة شعرك ليه؟
- لا مش ناكشاه… أنا عاملة شعري كيرلي.

تطرِق السيدة برهة ثم تنظر إلى الفتاة مرة أخرى:
- طب ما تكويه..
- لا أنا عاملاه كيرلي
- همممم… هو البروتين غلي فعلاً!
- لا أنا مش عايزة أعمل بروتين.. أنا عاملاه كيرلي.

تُشيح السيدة بوجهها ثم تعيد النظر إلى الفتاة وتحدق فيها مرة أخرى، ثم تقول:

إعلان

- طب ما تتحجبي.
- لا أنا مش محتاسة في شعري يا (ماما/ خالتو/ عمتو/ طنط) أنا عاملاه كيرلي.
- طب ضفريه.. أو أعمليه ديل حصان.. أو.. أو.. أو كحكة
- حاضر.. حاعمله كحكة

تشعر الفتاة بإحباط شديد، وتكتب منشورًا بصفحتها على فيسبوك، تعبر فيه عن غضبها ممن يتعاملون معها بوصفها "ناكشة شعرها"، خاصة أن هذه الفتاة تُمضي وقتًا طويلًا، وجهدا، وفي بعض الأحيان تُنفق نصف دخلها، لتصفف شعرها على طريقة الكيرلي، ثم تأتي المامات والطنطات ليتساءلن: أنت ناكشة شعرك ليه؟ طب ما تضفريه!

تضفره؟!

الضفائر جميلة بالفعل، خاصة الضفائر الإفريقية المتعددة، إلا أنها تأخذ وقتًا طويلاً، لكنني لا أظن أن المامات والطنطات سيروق لهن الضفائر الأفريقية. ذلك لأن المامات والطنطات يغيب عنهن حقيقة هامة، أن سكان مصر وشمال أفريقيا أفارقة، آه والله، حتى كل منتخباتنا بتلعب في كأس الأمم الإفريقية، وعمرو دياب يقول: "بالحب اتجمعنا، والدنيا حتسمعنا، والليلة أول أعيادنا، آدي طريق أجدادنا، وآدي السمر ولادنا، وآدي القاهرة وآدي بلدنا.. أفريقيااااااااااااا.. نقولها تاني؟!"

حسنا، سنقولها تاني بطريقة أخرى..

في كتابه "جلد أسود أقنعة بيضاء"، يشرح الطبيب النفسي والكاتب المارتنيكي، فرانتز فانون، نفسية الشعوب الواقعة أو التي وقعت في يوم من الأيام، تحت الاحتلال، أو الاستعباد، خاصة من الأفارقة الذين وقعوا تحت سطوة الرجل الأبيض. يتحدث ألا فرانتز فانون أولًا عن طبيعة الاستعمار والاستعباد، المستعمٍر والمستعبٍد لا يكتفي بإحلال قواته العسكرية في البلاد التي يستعمرها، أو وضع أولئك البشر الذين سرقهم من بيئتهم واستعبدهم في الأغلال. لابد له كذلك أن يستعمرهم ذهنيًا وثقافيًا ووجدانيًا، حتى يتمكن من إشعارهم بالدونية، ويعلق قلوب ضحاياه به، فيشعرون بأنه مثلهم الأعلى، وهدف حياتهم، حتى يتمكن من السيطرة عليهم واستغلالهم.

هذا حديث عن أهل أفريقيا السوداء وتاريخهم الحافل بالآلام والصراعات والنضال، والذي لا يختلف كثيرًا عن تاريخ مفزع، مليء بالآلام والنضال والصراعات لدول العالم العربي، وخاصة مصر وشمال أفريقيا، حيث قام الاستعمار بسلب الأخيرة أبسط حقوقها الثقافية، وحرمها من التحدث بلغتها بشكل يسهل على أخوتها العرب من دول أخرى فهمه

هو ليس دومًا ذلك العسكري الذي يحمل سلاحًا ويقتل، أحيانًا ما يكون رجلًا أو امرأة غاية في الطيبة واللطف، يقوم بالأعمال الخيرية، يعطي دروسًا لمحو الأمية، يمنح الفقراء من المستعبَدين والمستعمَرين الطعام والملابس والمأوى والأغطية في ليالي الشتاء الباردة، فتكون له اليد الطولى عليهم، ويمثل بالنسبة لهم الذات العليا التي يرغبون في التشبه بها أو الاقتراب منها.

يد تحمل السلاح، ويد تحمل وردة وطعامًا، نصف وجه مرعب، ونصف آخر مبتسم في حنان.

إعلان

يتغلغل المستعمر والمستعبد في خلايا ضحاياه، حتى يحتل عقولهم، ونفوسهم، وأرواحهم، ولغتهم، وعاداتهم، وتقاليدهم، يحتل القيم المطلقة التي تؤمن بها الإنسانية، فيصبح هو الحق، والخير، والجمال. وموضوعنا في هذا المبحث: الجمال. وللحق والخير حديث آخر.

سأصبح مسخا كي أشبه سيدي
قلنا أن الحق والخير والجمال هم قيم مطلقة، والتعريف الدقيق لكل قيمة منهم يختلف من بيئة إلى أخرى، ومن ثقافة إلى أخرى. في مذكراته، ذكر مالكوم إكس، المناضل الأفريقي الأمريكي الشهير الشهيد، أنه كان يفخر على أترابه بأن بين عروقه دماء بيضاء جعلت عيناه خضروان، وأنه كان يدهن شعره بلون فاتح ليكون أقرب للتشبه بسيده.. كان ذلك قبل أن يقرأ ويعرف أن هذه الدماء البيضاء دخلت إلى عروقه عقب اغتصاب جده الأكبر الأبيض لجدته السوداء، حين علم ذلك، أعاد حساباته. يعترف في مذكراته أنه كان في يوم من الأيام "زنجي المنزل". ويشرح في أحد الفيديوهات الفرق بين "زنجي المنزل وزنجي الحقل"، وكيف أن زنجي المنزل يدين بالولاء لسيده الأبيض، يأكل فتاته ويحمد ربه، يلبس ملابسه القديمة ويشعر بالأناقة، أما زنجي الحقل، فبداخله ثورة عارمة تتمنى احتراق منزل سيده الذي يذله.

ملحوظة: كلمة زنجي كانت مقبولة بعض الشيء في فترة الستينيات، إلا أنها لم تعد مقبولة الآن، فلا ينطقها أحدكم في معرض حديثه وكأنه يتحدث بكلام عادي، هذا تعبير من بقايا ثقافة الاستعباد، استخدمه مالكوم إكس لإنه كان مقبول في حينها.

الشاهد من حديث مالكوم إكس وفرانتز فانون، والإثنان من أصول أفريقية، أنهما يعترفان بإنهما ظلا لفترة طويلة محتلين ذهنيًا، يؤمنون، كما يؤمن الكثير من بني جلدتهم، بأن الحق والخير والجمال، هم حكر على الرجل الأبيض، ومن علامات ذلك، أنهم كانوا يحاولون التشبه ظاهريًا بالرجل الأبيض، فسكان المارتنيك سعيدون بأنهم يتمتعون ببشرة لونها أفتح قليلا من بقية الأفارقة، ومالكوم إكس يصبغ شعره بألوان فاتحة، ويفتخر بعينيه الخضراوتين، لأن الجمال هو أن تشبه الرجل الأبيض، وكلما كنت أشبه به، كلما دل ذلك على أنك جميل.

إعلان

هذا حديث عن أهل أفريقيا السوداء وتاريخهم الحافل بالآلام والصراعات والنضال، والذي لا يختلف كثيرًا عن تاريخ مفزع، مليء بالآلام والنضال والصراعات لدول العالم العربي، وخاصة مصر وشمال أفريقيا، حيث قام الاستعمار بسلب الأخيرة أبسط حقوقها الثقافية، وحرمها من التحدث بلغتها بشكل يسهل على أخوتها العرب من دول أخرى فهمه. يغضب سكان شمال أفريقيا من سخرية بقية العرب من لهجتهم المطعمة كثيرا باللغة الفرنسية، ولهم كل الحق في هذه الغضبة، فالخطأ ليس خطأهم، ولا داعي للسخرية أو الاستهزاء، هم شعوب كافحت وتكافح من أجل الحفاظ على هويتهم وثقافتهم وحريتهم واستقلال بلادهم، وقدموا من التضحيات والشهداء مالا يحصى، فيا أخوة العروبة، مافيش داعي للظرف واللطف بتاعكم ده. الأمر ليس مزحة، فهو محفوف بالدماء.

الجدير بالذكر، أن الدكتور فرانتز فانون كان قد انتدبه الاحتلال الفرنسي كطبيب في إحدى المصحات النفسية بالجزائر أثناء حرب التحرير، ليتمكن من علاج الجنود الفرنسيين من الصدمات النفسية التي يمرون بها على إثر اقترافهم للجرائم الشنيعة بحق أهل الجزائر. أي أن فرانتز فانون كان مطلوب منه أن يعالج الجنود الفرنسيين ليتمكنوا من اقتراف مزيد من القتل دون أن يشعروا بالذنب، ويعالج الضحايا الجزائريين ليتمكنوا من قبول الاحتلال دون الشعور بالغضب، فما كان من فانون إلا أن ترك العمل في المستشفى وانضم إلى المقاومة الجزائرية وحمل السلاح والقلم للدفاع عن الجزائر، ومات هناك في سن السادسة والثلاثين، ويعتبره الجزائريون بطلاً شعبيًا.

كان فانون يحمل الجنسية الفرنسية، لكنه شعر بأن الجزائريين هم الأقرب له. إذ يحكي في كتابه "معذبو الأرض" كيف استمع إلى شكوى المرضى الجزائريين، وشكوى المرضى من الجنود الفرنسيين، ووجد أن المرضى الجزائريين هم من عبروا بصدق عن آلامه الشخصية كمواطن من جزر المارتنيك ومن أصول أفريقية.

مازال الرجل الأبيض في الوعي الجمعي العام يمثل الحق والخير والجمال. وقد تنبه الأفارقة الأمريكيون تحديدًا إلى هذه المعركة، وهم يخوضونها منذ ستينيات القرن الماضي، ويتعمدون فرض معايير جمال أفريقية عبر نجومهم في الغناء والتمثيل، مازالوا حتى الآن يصرون على: "إحنا لونا كده، وشعرنا كده، ولون عينينا كده، وإحنا حلوين. اللي مش عاجبه يوزن بره".

النضال الأفريقي
كل ده ماله بالكيرلي طيب؟
لا له.. وله كتير.
على مدى قرون تعرضت القارة الإفريقية، بشمالها ووسطها وجنوبها، إلى غزوات في أغلبها كان يتزعمها الرجل الأبيض، وكان على القارة أن تقاوم، قاومت بالسلاح وتمكنت من طرد جيوش الاحتلال، وقاوم سكان الأمريكتين وتمكنوا من الفكاك من أسر العبودية، لكن ظل عليهم أن يقاوموا الاحتلال الذهني. فمازال، وحتى وقت قريب، بل وحتى يومنا، هذا الاحتلال الذهني يُسيطر على ضحايا الاحتلال السابقين. وهذا تحديدًا ما يدفع الأمهات والجدات والطنطات للتساؤل: أنت ناكشة شعرك ليه؟

مازال الرجل الأبيض في الوعي الجمعي العام يمثل الحق والخير والجمال. وقد تنبه الأفارقة الأمريكيون تحديدًا إلى هذه المعركة، وهم يخوضونها منذ ستينيات القرن الماضي، ويتعمدون فرض معايير جمال أفريقية عبر نجومهم في الغناء والتمثيل، مازالوا حتى الآن يصرون على: "إحنا لونا كده، وشعرنا كده، ولون عينينا كده، وإحنا حلوين. اللي مش عاجبه يوزن بره".

إعلان

وعلى الرغم من أن كفاحهم الثقافي لتغيير صورة الجمال الذهنية يعود لما يقرب من خمسين عامًا، إلا أن الصراع مازال دائرًا بين أولئك الأفارقة الذين يحاولون التقرب إلى الرجل الأبيض عبر المساحيق والكي، والأفارقة الذين يفتخرون بملامحهم. ويبدو أن مؤخرًا بدأ الفريق الأخير في تحقيق انتصاراته.

طب حضرتك، لا.. احنا اسمنا "ملونين"، واستعبدنا، وعندنا العقد دي، بس ما بنقولش ع النت. نحن في هذه المنطقة من العالم تعرضنا لسلسلة من الغزوات التي طمست ثقافتنا وهويتنا، والأهم، أهدرت اعتزازنا بأنفسنا، حتى أننا نتنكر لهويتنا الأصلية: احنا مش سود.. احنا بيض.. حتى عندنا ياسمين صبري.. أهي بيضا أهي. واحنا ماحدش استعبدنا. ونسينا مثلاً أن السكان الأصليين في كثير من بلادنا، عملوا بالسخرة لزراعة أراضيهم لصالح المحتلين. ونسينا مثلا عقدة "التركي": شكله حلو.. تركي كده.

مازال العالم العربي في منطقة بعيدة بعض الشيء
كالعادة، يركض الناس ونحن مازلنا نتثاءب. أذكر في ذات المرات أنني قمت بترجمة بعض فصول من كتاب "جلد أسود أقنعة بيضاء" للكاتب فرانتز فانون، على مدونتي، جبهة التهييس الشعبية. قمت بالترجمة باللهجة العامية حتى يصل لأقل الناس تفكيرًا، ويبدو أن هذا كان خطأ، لإن أقل الناس تفكيرًا قرأوا ما ترجمته وقالوا لي: طب واحنا مالنا؟ إحنا لا سود، ولا استعبدنا، ولا عندنا العقد اللي هو بيتكلم عليها دي!

يا حومتي!!!!

أول طريق العلاج أن تعي أنك مريض، ونحن لم نبدأ تلك الخطوة بعد.

طب حضرتك، لا.. احنا اسمنا "ملونين"، واستعبدنا، وعندنا العقد دي، بس ما بنقولش ع النت. نحن في هذه المنطقة من العالم تعرضنا لسلسلة من الغزوات التي طمست ثقافتنا وهويتنا، والأهم، أهدرت اعتزازنا بأنفسنا، حتى أننا نتنكر لهويتنا الأصلية: احنا مش سود.. احنا بيض.. حتى عندنا ياسمين صبري.. أهي بيضا أهي. واحنا ماحدش استعبدنا. ونسينا مثلا أن السكان الأصليين في كثير من بلادنا، عملوا بالسخرة لزراعة أراضيهم لصالح المحتلين. ونسينا مثلا عقدة "التركي": شكله حلو.. تركي كده.

إعلان

بل إننا في مصر، لدينا في الأرياف تعبير "مملوك" حين نصف شخصًا بالجمال: شكله مملوك، والأعجب أن هذا الشخص الذي يوصف بـ"المملوك" لا يغضب من الوصف، بل يشعر بالفخر، فرحان إنه مملوك يا ناس!

ومازل بعض الناس لدينا يتفاخرون بجدهم: الباشا التركي، علمًا بأنه، تاريخيًا، ذاك الباشا التركي لم يكن شيئا في بلاده الأصلية، وربما كان لا يقرأ أو يكتب، وربما ارتكب جريمة وهرب من بلاده، وجاء إلى بلادنا، ليتقرب من الوالي التركي أيضًا، ويتزلف له، ويعمل في يده سوطًا على السكان الأصليين، وحين يتأكد الوالي التركي من ولائه، يقوم بانتزاع أراضي الفلاحين المصريين منهم، ويقطعها ذاك "الصايع"، سوري يعني، أنا مش قصدي أشتمه، بس هو صايع فعلًا، ويمنحه لقب باشا، فيتحول من هارب ضائع في بلاده، إلى سيد صاحب أملاك في بلادنا، ويخلف عيال بيض، وأحفاده يبقوا مبسوطين قوي: جدنا باشا تركي!

وأحب أن أفاجئ حضرتك… بالنسبة لأنك مقتنع إنك أبيض، ده ماما اللي قالت لك كده، سافر كده بلاد بره وشوف حيقولوا عليك إيه؟

1558512513949-Screen-Shot-2019-05-22-at-120701-PM

شترستوك

عاداتنا وتقاليدنا الأصيلة
من العادات والتقاليد الأصيلة في بلادنا أن تنظر الجدة إلى طفلة حديثة الولادة وتقول: "يا ساتر.. مالها سمرا كده؟"
من العادات والتقاليد الأصيلة أن يمزح الناس مع طفلة شعرها مجعد: "إيه يا كارتة سلك المواعين ده؟"
من أغاني الجدات الجميلة: "يا سودا يا كودا يا حق الهباب".
من العادات والتقاليد المتأصلة أن يسخر الناس من النحيفات: "أنت مالك عاملة زي ملة السرير كده؟"

كل هذه العادات الجميلة الأصيلة تدفع بالفتيات حين يشببن عن الطوق بدهن وجوههن بالمساحيق حتى تبدو بشرتهن بيضاء، وقبل ظهور العدسات اللاصقة الملونة، كان الفتيات يضعن الكحل والماسكرا باللون الأزرق والأخضر كي يبدون من بعيد خضراوات العينين أو زرقاواتها. ثم تذهب إلى مصفف الشعر (الكوافير) لـ"يكوي" لها شعرها بالمكواة.

إعلان

اهدأ قليلاً، واصمت برهة، وتأمل الكلمة: يكوي شعرها بالمكواة! يا إلهي. قديما كن يضعن كريمًا مكون من مواد كيماوية بها بوتاس ومواد كاوية لفرد شعورهن، حتى يبدو ناعمًا. والآن يذهبن لمصفف الشعر ليضعن على رؤوسهن البريئة مواد كيماوية أخرى، مثل الكرياتين والبروتين.

يقوم مصفف الشعر بوضع المادة، ثم يشرع في تجفيف الشعر بالمجفف، ثم يبدأ في فرد الشعر - أو بالأحرى شده - بالمكواة الكهربائية، فينتج عن ذلك بخارًا كثيفًا ذو رائحة نفاذة، تتسبب في سعال الفتاة، وسعال مصفف الشعر، وسعال الزبائن، ودموع المذكورين جميعًا.

كل هذا العناء لتُغيّر من طبيعة شعرها التي خلقها الله، وتحوله من شعر أفريقي، بديهي، لأنها تنتمي إلى قارة أفريقيا، ومنتخب بلادها يلعب في كأس الأمم الإفريقية، وهي تشجعه بحماس، إلى شعر أوروبي.

وطبعا مش حتنسى بعد البروتين تصبغه باللون الأصفر أو الأحمر أو البني، أو "هاي لايتس" طيب حتى.. بس هي سمرا! لا ندهن وشنا بقى بكريم أساس أفتح تلات درجات، ونحط عدسات لاصقة رمادي، بلاش أخضر عشان عايزين حاجة سيمبل كده. وكده تماااااام… ولا نيكول كيدمان في زمانها.

كيرلي وأفتخر واللي مش عاجبه ينتحر
لكنك عربية أفريقية، وشعرك مجعد، وبشرتك سمراء خمرية، وعيونك سوداء، وأنت جميلة. نعم أنت جميلة، حتى العربيات اللاتي ينتمين إلى القارة الأسيوية، خمريات وشعورهن مموجة إن لم تكن مجعدة. وخلق الله جميل، وخلقك دليل على أنك تنتمين إلى السكان الأصليين لهذه المنطقة، والسكان الأصليون أناس طيبون، وولاد أصول، يكفي أنهم لم يحتلوا أحدًا، ولم ينتهكوا أحدًا، ولم يعتدوا على أحد.

ليس بالضرورة أن تشبهي نيكول كيدمان، مالها ساشا لين؟ ما هي زي القمر.

هذه المفاهيم الجمالية المحتلة بقيم الرجل الأبيض هي مرض، شخصها علماء النفس المتخصصون بوصفها مرض نفسي، ولا أحد يريد أن يمرض، وإن كان مريضًا فعليه أن يشرع في علاج نفسه. ولا بأس من تأخر الجدات والأمهات والطنطات والحموات عن مسار تطور العالم، وتقبله لقيم جمالية أكثر ديمقراطية فرضها عليه الواقع الاقتصادي أولا، ونضال "معذبو الأرض" قبل كل شيء.

كان الرجل الأبيض يمتلك اقتصاد العالم فكان يفرض شروطه، وكانت شروطه مفعمة بالعنصرية، والذكورية، والتحجر، والقسوة، وتسببت في أمراض نفسية جماعية لشعوب كاملة. لكن العالم يتغير، ومقاليد الاقتصاد لم تعد حكرًا على أحد، وكما أن العالم لم يعد بمقدوره استعباد المرأة لأنها أصبحت عنصرًا فاعلًا في الاقتصاد، فهو الآن لا يستطيع أن يضطهد الملونين والأفارقة لأنهم عناصر فاعلة، وكما حدث في يوم أن غزا الرجل الأبيض بلادهم، واستعبد أبناءهم، فهم الآن يغزون بلاده دون سلاح أو قتل أو اقتراف جرائم، بالعمل والنجاح فقط، ويثبتون أنفسهم في شتى المجالات، وأصبح بمقدورهم فرض شروطهم، الأكثر رحمة، ومحبة، وقبولًا للطبيعة.

لذلك، لم يعد من الحتمي أن تسعلي وتدمعي وأنت تحرقين شعرك لدى مصفف الشعر، ولم تعودي مضطرة لـ"التضبيش" والدخول في عامود بسبب اهتزاز الرؤية التي تسببها لك العدسات الملونة، وارحمي بشرتك، لست بحاجة لكل هذه المساحيق.

أنت جميلة بقدر نضال أجيال متتابعه كافحت وقدمت التضحيات كي تهدي لك وردة وتقول لك: يا حلوة.

ومعلش يا طنط.. احنا مش ناكشين شعرنا.