هوية

شاب عربي يتحدث عن العيش مع اضطراب الهوية الجندرية

آخر طبيب قمت بزيارته نظر إليّ شزراً وأخبرني بأنني لا أعاني من شيء وقال "عد لطبيبك النفسي"
15.10.19
Gender Dysphoria

رسوم: مريم علي العميرة

"أحيانا نعتقد بأننا نشبه الآخرين أو بأن تجاربهم تشبه تجاربنا، لكننا في الحقيقة مختلفين تماماً،" هكذا افتتح وليد حديثه معي بدون تكلف. وليد أو "وجد" كما يحب أن أناديه هو شاب سعودي يبلغ من العمر تسعة عشرة عاماً، يعاني من اضطراب الهوية الجندرية Gender identity disorder والذي يشمل الأشخاص الذين يعانون من حالة من عدم الرضا أو القلق حول نوع الجنس الذي ولدوا به سواء كان الجسم ذكوري أو أنثوي، بمعنى أن لديهم هوية جنسية تختلف عن الجنس المنتمين إليه وقت الولادة.

إعلان

في العادة يتم التعامل مع المضطربين في تحديد الهوية الجنسية كمرضى نفسيين، مع أن هذا اضطراب الهوية الجندرية قد تم ازالته من قائمة الأمراض العقلية والنفسية، وقامت منظمة الصحة العالمية بوضع اضطراب الهوية الجنسية تحت فصل الصحة الجنسية، بدلاً من فصل الاضطرابات العقلية، حيث أنه يرجع إلى اضطراب في الهرمونات تعرض لها الجنين قبل الولادة. بعض الذين يعانون من هذا الاضطراب يحتاجون إلى إجراء عملية التصحيح الجنسي، ولكن الكثير من الدول العربية تمنع إجراء هذا العمليات ومنها السعودية. إجراء هذه العمليات مسموحة في مصر، ولكن يعود الأمر إلى كل من الأزهر ونقابة الأطباء المصرية لإصدار تصاريح رسمية لإجراء الجراحة. في حين أصدرت السلطات الإماراتية قانونا شاملاً للمساءلة الطبية، تجيز إحدى مواده إجراء عمليات التحول الجنسي. اتفقنا على اللقاء في مقهى عائلي في جدة، وجاءت "وجد" فتاة بالغة الجمال ذات عينين واسعتين، وقبل أن أبدأ بطرح أسئلتي أبديت إعجابي بمهارتها في وضع المكياج.

VICE عربية: أخبرني عن "وجد"؟
وجد/وليد: هذا الاسم اخترته لنفسي عندما كنت في السادسة عشر من عمري، ناداني طبيبي النفسي الأول بـ "وجد" وأحببت ذلك. أنا كوجد لدي الكثير من الصديقات والأصدقاء، بارعة في وضع مساحيق التجميل، لدي مغامراتي الخاصة التي لا يعرف عنها أحد. لقاءنا هنا اليوم هو إحداها. آمل أن أتمكن من أن أكون "وجد" بشكل كامل يوماً ما. هذا ما أسعى إليه. المجتمع يرفضني كـ وليد لكنه يُحب وجد- وهو شيء لن يفهمه شخص لم يعاني مما عانيت منه.

كيف علمت أنك تعاني من "اضطراب الهوية الجندرية"؟
كنت أشعر بالاختلاف منذ الصغر، في الخامسة من عمري كانت متعتي الوحيدة هي ارتداء فساتين أختي، ووضع مساحيق التجميل الخاصة بأمي، كان والدي يبدي انزعاجه أحياناً ويجبرني على مشاركة إخوتي اللعب في الخارج، لكنني لا ألبث لأعود إلى داخل المنزل لنلعب معا "بيت بيوت" وتزور إحدانا الأخرى في زوايا الغرفة التي حولتها مخيلتنا إلى مجمع سكني. في المدرسة عانيت من التنمر والتحرش الجنسي والنبذ من أقراني في المدرسة، كنت أبكي دائماً وأكره الذهاب للمدرسة، وكان والدي يعتقد أنني أحاول جذب الانتباه. كل ما يحصل بداخلي كان وهماً بالنسبة له لدرجة أنه كان يحرض أخوتي ليخلقوا معي شجارات بلا سبب ويتعاركوا معي لعل بنيتي الأنثوية تتحول بين يوم وليلة إلى بنية ذكورية "خلوه يسترجل" كما كان يقول.

إعلان

في فترة المراهقة المظلمة قامت والدتي باصطحابي لطبيب نفسي للمرة الأولى، وقام بوصف مضادات اكتئاب لي وذلك نظراً للحالة النفسية السيئة التي كنت فيها (فقد كنت أشعر أنني مختلف وأنني أعاني من شيء ما). ثم قرر أن عليّ الخضوع لجلسات التحليل النفسي ولكن على يد طبيبة أخرى. كنت ألتقي بهذه الطبيبة أسبوعياً، وكانت تخبرني بأن عليّ أن أبدو أكثر خشونة، وأن أقوم بقص أظافري وتقصير شعري، وأن أسمح لشاربيّ بأن يطول. جزء مني حاول اتباع نصائحها ولعلني تمنيت أن أتحول إلى فتى طبيعي، لكن شيئاً لم يتغير. لم يزد اهتمامي بكرة القدم ولم أجد نفسي في أنشطة إخوتي أو أحاديث أقراني. وبعد مدة من جلسات العلاج النفسي الغير مجدية، قررت الطبيبة بأنني بحاجة إلى تدخل جراحي لتصحيح الجنس، وعندها اعتقدت أنني سأوضع في الجسد المناسب أخيراً. لكن هذا لم يحدث، فقد انقطعت زياراتي عن الطبيب لمدة ثلاثة سنوات وذلك لأن والدتي لم تكترث بمتابعة الخطة العلاجية.

كيف تعايشت مع حالتك خلال هذه السنوات؟
أعرف تماماً ما أعاني منه، وهذا مما يخفف شعوري بالضياع، لكن المشكلة بحد ذاتها لم تُحلّ بعد. كَونت مجتمع مصغر مع مرور الوقت. اصدقائي يتقبلونني بدون شروط ويحاولون الوقوف إلى جانبي ودعمي في كل المواقف، لكن لكل منا صعوباته الخاصة في حياته. والدتي وأختي تعرفان عن "وجد" وتتعاطفان معي، لكن أبي وإخوتي يجهلون ذلك تماماً.

كيف ينظر المجتمع السعودي لمن يعانون من اضطراب الهوية الجندرية؟
ينعتوننا "خكر" أو "متشبهين" يعنون أننا نتشبه بالنساء، لذلك يفضل الكثيرون ممن يعانون نفس معاناتي، الانغلاق على أنفسهم وعدم مخالطة الآخرين. أحياناً أشعر أن المجتمع يتمنى لو أننا نختفي جميعًا عن الأنظار ونبقى بين أربع جدران.

آخر المحاولات للحصول على العلاج كانت منذ فترة قصيرة.
قبل عدة أشهر فقط بدأت بالبحث عن حل لمشكلتي وأردت على أن أغير حياتي بنفسي. عدت لزيارة الطبيب الأول نفسه، واضطررت للمرور بالمراحل المختلفة والغريبة من التشخيص والتنقل بين أقسام المستشفيات الحكومية. عندما قصدت مركز السُكر لإجراء التحاليل الهرمونية، لم يكن الأمر بالوضوح الذي كنت أعتقده فقد تبيّن أن مستويات هرمونيّ الاستروجين والتستوستيرون طبيعية. انتقلت بعدها للخطوة الأهم وهي تحليل الكروموسومات والذي كنت أعقد عليه آمالا كبيرة، بدأت في الإجراءات وتم إصدار نتيجة التحليل لكنني لم أتمكن من الحصول عليها، لا أعلم لماذا ترفض المستشفى اعطائي النتيجة.

آخر طبيب قمت بزيارته نظر إليّ شزراً وأخبرني بأنني لا أعاني من شيء وقال لي "عد لطبيبك النفسي." بعد مدة طويلة من القلق والأرق والتفكير أدركت بأنني حالة عصية على الحل في هذا المكان، ذكرني هذا برواية "سجين الجسد" للكاتبة السعودية سحر بحراوي -عليكِ قراءتها. تحكي تلك الرواية عن شاب وفتاة سعوديان يعانيان من اضطراب الهوية الجنسية. أعتقد أن الرواية تعطي الآخر تصوراً متكاملاً عما نعانيه.

ما هي خطتك القادمة؟
أقوم بتحصيل تعليمي الجامعي، وأنوي الذهاب إلى مصر للقيام بعملية تصحيح الجنس أرى أنها هي الحل الأفضل. يوجد في مستشفى الأزهر قسم كامل متخصص في علاج من يعانون من نفس مشكلتي.