لدي مشكلة مع برامج المواهب للأطفال، وهذه هي الأسباب
ترفيه

لدي مشكلة مع برامج المواهب للأطفال، وهذه هي الأسباب

يبدو لي أنه لا مفر حتى للأطفال من ماراثون حياتنا المعاصرة نحو لقب "الأجمل" و"الأقوى" و"الأفضل" و"الأكثر مبيعاً"
25.2.18

لعل أسعد جزء أذكره عن طفولتي كان عروض المواهب في المسرح المدرسي. أذكر بكل وضوح كل لحظة أعلن فيها أحد المدرسين أنه سيختار عدداً من الطلاب الموهوبين من كل صف ليشاركوا في عرض أو نشاط بعد انتهاء ساعات الدوام. وبمجرد أن يتم تنظيم الحدث يهرع الأهالي لحضور العرض مسلحين دوماً بكاميرات التصوير وابتسامات فخورة. في النهاية يحظى المشاركون بالكثير من التصفيق ونجمة ذهبية على الجبين، وفي أفضل الأحوال سيكون هناك هدايا تشجيعية للجميع. السعادة التي كانت تسببها هذه التجارب على بساطتها وتواضعها تجعلني لا أستطيع تقبل برامج المواهب التلفزيونية الخاصة بالأطفال بإنتاجها الضخم وأساليبها التسويقية سواء في الغرب أو بنسخها العربية. فرغم شعبيتها الواسعة والضجة التي تسببها من خلال وسائل التواصل الاجتماعية إلا أنني أجد نفسي لا أستطيع متابعة حلقة واحدة دون التفكير بمجموعة هائلة من الأسباب التي تجعلها برامج مبالغة في التقدير وذات تأثير سلبي على تجربة الأطفال المشاركين. ما الجمهور الذي قد يحتاجه طفل في العاشرة أكثر من رفاقه في الصف وأولاد الجيران أثناء اللعب في الحي؟ وأي طفولة "طبيعية" تلك التي سيعيشها مع جدول حفلات يتوجب أن يحيها طوال الصيف أو نصف مليون متابع على انستغرام؟ بالإضافة إلى رأيي بأن أي طفل مازال يملك أعوام طويلة ليَصقل موهبته ويحدد أهدافه ويصل إلى الشهرة دون أن يشعر بهذا الضغط في سن صغير، هناك أيضاً عدد من الأسباب المتعلقة بمبادئ هذا النوع من البرامج بحد ذاتها تجعلني أعارض فكرة اشتراك الأطفال فيها.

إعلان

حلبة المنافسة
في العادة، بمجرد أن يتم قبول أي طفل ليشارك بواحد من هذه البرامج ويتخطى تجربة الأداء الأولى، يخوض بعدها ثلاثة أو أربعة مراحل من المواجهة ضد أطفال آخرين فيتم إقصاء واحد أو اثنين منهم في كل مرة في رحلة البحث عن الصوت "الأحلى." يبدو لي أنه لا مفر حتى للأطفال من ماراثون حياتنا المعاصرة نحو ألقاب "الأجمل" و"الأقوى" و"الأفضل" و"الأكثر مبيعاً". لماذا نعرّض أطفالنا لهذا النوع من المنافسة المحتدمة في سن صغير كهذا؟ مجرد امتلاك طفل لم يتجاوز العاشرة من عمره لموهبة معينة، وقدرته على نشر السعادة بفعلها في محيطه الضيق أمر جدير بأن يحتفى به، أما وضعه على خشبة مسرح ليخوض منافسة ضد طفل آخر أمام ملايين المتابعين ثم إقصاؤه من المنافسة رغم كل التدريبات والاستعدادات والجهد الذي بذله لأن قواعد البرنامج تقتضي ذلك، يكاد يكون بنظري جرماً. الطفل الذي سيبدأ بالبكاء سواء أمام الشاشة أم في الكواليس لن يكون حتماً قادراً على تفهم أي من التبريرات والتفسيرات حول المعايير التي يتم اختيار الفائزين من خلالها والتي لا تمت للمواهب وأدائها بأي صلة في أغلب الأحيان.

دايماً دموع.. دايماً
على اعتباره برنامجاً للمواهب، يبدو أن الموهبة الأبرز هي قدرة فريق البرنامج على استدرار الدموع في كل مناسبة. العادة في أي من هذه البرامج تقتضي بأن يتم عرض تقرير عن جانب ما يخص حياة أو شخصية الطفل قبل أن يتقدم إلى تجربة الأداء الأولى. يبدو لي هنا أن فريق الإعداد يجد دوماً طريقه إلى أي حدث حزين في حياة هذا الطفل الشخصية ليضعه تحت المجهر في تقرير عاطفي لا يمت للمنافسة بصلة. قد يكون الطفل قد تعرض للتنمر في مدرسته، ربما والداه منفصلان منذ أعوام أو قد ودع صديق طفولته الذي سافر إلى بلد آخر، جميعها مواد دسمة لكسب التعاطف. إن لم تكن قد غرقت في دموعك بعد، إليك إذاً الورقة الأخيرة الرابحة: "الطفل السوري." إن كنت تتساءل لم يتكبد فريق البرنامج عناء السفر إلى مدينة الطفل في أقصى الشمال السوري مثلاً، ليصور ما لا يتجاوز بضع دقائق في منزله المدمر بفعل الحرب، فالجواب هو أن الطفل السوري والمأساة التي قد شهدها باتا وسيلة جديدة لزيادة المتابعين وجعلك مشدوداً كلياً إلى المسرح الذي سيظهر فيه الطفل هذه المرة مستعداً، أنيقاً بتسريحة جديدة وابتسامة عريضة في نهاية عملية الابتزاز العاطفي. ربما لا يجدر بي القول "نهاية" العملية، فإلى هذا الحد نكون قد أنهينا المرحلة الأولى فقط. ما إن يعتلي الطفل المسرح ويبدأ بالغناء ستستدير الكاميرا لتصور انطباعات عائلته ووجوههم وردود أفعالهم لتحرص ألا تفوت أي انفعال أبوي. سيتطلب الأمر أن تكون متحجر القلب كي لا تتأثر بدموع أم أو أب يشاهدون صغيرهم يغني على المسرح للمرة الأولى. الجولة الثالثة من الدموع ستكون هذه المرة حين يبدأ الطفل نفسه بالبكاء في حال قوبل بالرفض أو الإقصاء. بالطبع يجب ألا نتوقع أن يتحلى طفل في التاسعة أو العاشرة من عمره بروح رياضية تجعله يتفهم أسباب رفضه واختيار طفل آخر عوضاً عنه -على فرض أن أياً من أعضاء اللجنة أو المشاهدين يُدرك هذه الأسباب- سيشعر الجميع عندها بالذنب مدركين أن ضغط التنافس لا يناسب طفلاً في هذا السن ولكن لا بأس في هذه المرحلة فالعرض مستمر بكل الأحوال على مبدأ The show must go on.

يمكن أهلو مو أدرى بمصلحتو
في كل مرة أحاول فيها التعبير عن رفضي لفكرة مشاركة طفل في برنامج مواهب يطالعني متابع متعصب بالحجة المعتادة: "أهلو أدرى بمصلحتو" النقطة التي لا تقنعني تماماً. بالطبع عائلة الطفل هي جمهوره الأول وهم أكثر من يحبه ويهتم بشأنه في الكوكب كله، ولكن هل هم فعلاً على دراية بأبعاد وتأثير قرارهم بجعل طفلهم يشترك في برامج كهذه؟ أرغب فعلاً بأن أسأل أحدهم إذاً عن المغزى أو الهدف المرجو من تصرفهم هذا. إن موهبة أي إنسان تخصه وحده وكيفية تصرفه بها تعود إليه هو حتى وإن كان من شحمك ولحمك. فمعظمنا يختار في مرحلة معينة من حياته أن يسلك مساراً مختلفاً كلياً عن تجربة والديه وحياتهم وقراراتهم لنفسهم وله، الأمر الطبيعي والمنطقي تماماً. لذا فإن اتخاذ قرار يحدد مسار حياته المهنية في سن صغيرة أمر غير صحي كلياً فالرجوع عن آثار هذا القرار ليس سهلاً تماماً. لنواجه الأمر، إن أغلب الأهل يحملون أطفالهم على خوض تجربة مماثلة بحثاً عن نجاح لم يستطيعوا هم تحقيقه في شبابهم، أو أملاً بشهرة سريعة تسمح بالتفاخر بطفلهم الموهوب في دائرة أوسع بعد أن بدأ الجيران بالسأم والتهرب من عرض "بابا تعال غنيلو شوي لعمو."

بيبي كارداشيان
يرى البعض أن هذا النوع من البرامج قد يكون قادراً على تغيير حياة الطفل المشارك وأن وضعه تحت الأضواء في سن صغير سيساعده ليحظى بالفرص المناسبة لاستثمار وتوظيف موهبته، ولكن الشعبية الهائلة التي تنالها هذه البرامج قائمة على كونها برامج تجارية تحاول استرضاء الذوق العام باستقدامها لمشاهير محبوبين في لجنة التحكيم وتقديم محتوى يتوافق مع الرائج. إن الفرص التي ستُقدم للطفل من خلال هذا الوسط هي فرص تجارية حصراً مع شركات تُعامل هذا الطفل كأداة إعلانية. طوال فترة عرض البرنامج سنتابع تقارير مصورة خلف الكواليس عن استخدام الطفل لمنتجات معينة مقدمة له بالطبع كدعاية للشركات الراعية للبرنامج. وحتى بعد انتهاء البرنامج ومع بدء أي طفل لأولى خطواته المهنية ستتابع هذه الشركات اهتمامها به بما يناسبها دون أن تأبه فعلاً للشكل الذي ستتخذه مسيرته الفنية. هذا الأمر لا يقتصر على العالم العربي فقط بل النتائج هي ذاتها حول العالم. إن جرب أحدكم أخذ جولة في حسابات السوشيال ميديا لأي طفل كان قد فاز في موسم سابق من البرنامج، سيستنتج بسهولة أننا في كل مرة نقدم إلى تجارب الأداء طفلاً بريئاً موهوباً نسترجعه نسخة مصغرة من جيل ال "كارداشيانز" مطابقاً لكل ما هو رائج في الـ Pop culture.

أين هم الآن؟
سواء كنتُ من مؤيدي برامج المواهب أم لا، لا يمكن نكران أن الجزء الأفضل والأكثر إمتاعاً في هذه البرامج هو رؤية طفل صغير يؤدي أغنية من الزمن الجميل بكل إتقان رغم أنها صدرت قبل ولادته بأربعين عاماً أحياناً، وينجح بإعادة انتشارها وكأننا نسمعها للمرة الأولى فتجد نسختها بصوته وقد حظيت بملايين المشاهدات على "يوتيوب" مثلاً رغم أن مشاهدات الأغنية الأصلية لا تتجاوز البضعة آلاف. أما عندما يحين دور إطلاق أغنية خاصة به، لا يبدو أن أياً من هذه الكائنات الموهوبة ينجح في استقطاب ربع هذا الإهتمام ولن يتمكن أحد من تذكره سوى إن تم استضافته في برنامج حواري ما والترويج له. ذلك أن أغلب "خريجيّ" هذه البرامج يجبرون على التعاقد مع شركات إنتاج معينة من تلك التي تصبغ الأسواق باللون الموسيقي ذاته، فتحجِّم أهم صوت وموهبة في بضعة أكورات موسيقية تتكرر على النحو ذاته منذ عشر سنوات على الأقل.

يبدو أن وجود هذه البرامج جعل الكسب السريع للشهرة أمراً ليس صعب التحقيق، ولكن الثمن باهظ حتماً. صغر سن المشترك سَيجعله يقبل أي عرض يساعده على بدء حياة مهنية دون أن يمتلك فعلاً الوعي والتجربة الكافيين ليقرر بنفسه إن كانت الفرصة المعروضة تناسبه. إمتلاك أي شخص للموهبة لا يجب أن يستثنيه من خوض الرحلة البطيئة الصعبة نحو تحقيق النجاح، فخوض هذه الرحلة هو ما سيساعده على تشكيل الهوية الفنية الخاصة به. فربما يستنتج نهايةً أن النجاح الذي يبحث عنه ليس مرتبطاً بالشهرة والرواج فحسب وإنما يتعلق بصناعة عمل فني متميز وأصيل وإن لم يحظى سوى بجمهور متواضع.