ثورة مصر

عبد الرحمن منصور: 25 يناير حلم لم يتحقق بعد

ساهم منصور في إدارة صفحة فيسبوك ساعدت على إطلاق حراك أسقط رأس السلطة في مصر
25.1.19
Maydan

عبد الرحمن منصور (يسار) - التقطت الصورة بواسطة ديمة عصفور وميدان التحرير خلال أحداث الثورة (يسار) - شترستوك

في منتصف عام 2010 وقعت حادثة كانت تبدو تقليدية في تلك الفترة، شاب مصري في منتصف العشرينيات من عمره توفي داخل أحد مقار الاحتجاز بمدينة الإسكندرية، عقب توقيفه على يد عناصر من الشرطة السرية. قالت الرواية الرسمية إن الشاب احتجز على خلفية تعاطيه المخدرات، وأن سبب وفاته ابتلاعه لفافة بانجو (مادة مخدرة) كانت بحوزته. كاد الخبر أن يذهب مثل غير في طي النسيان، لولا تسريب صور لجثة الشاب تظهر تعرضه لإصابات، أرجعتها عائلته لتعرضه للتعذيب خلال احتجازه، وهو ما أدى إلى وفاته بعد ذلك.

إعلان

ظهرت صفحة على فيسبوك باسم "كلنا خالد سعيد" دعت المصريين للخروج في وقفات صامتة للتنديد بممارسات الشرطة المصرية، والمطالبة بمحاكمة المسؤولين عن قتل الشاب السكندري، وهي الدعوات التي استجاب لها مئات الشباب في أنحاء مصر كافة، ومع نهايات العام نفسه دعت الصفحة التي تخطى أعضاءها مئات الآلاف آنذاك، إلى الخروج في مظاهرات حاشدة بالتزامن مع عيد الشرطة، ومن ثم التجمع في ميدان التحرير بوسط القاهرة حتى يتم الاستجابة لمطالبهم، وهو ما حدث في يوم 25 يناير 2011.

VICE عربية التقت بالشاب الذي أدار صفحة كلنا خالد سعيد، عبد الرحمن منصور (31 عامًا)، برفقة زميله وائل غنيم، المدير الإقليمي لتسويق منتجات شركة جوجل في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا سابقًا. تحدثنا مع عبد الرحمن عن الصفحة الشهيرة التي وصل عدد أعضائها الآن إلى نحو 3.5 مليون شخص - رغم توقف نشاطها منذ منتصف عام 2013 - عن الثورة، ومسار ما بعد 25 يناير.

VICE عربية: بعد 8 سنوات على ثورة يناير، كيف ترى ما حدث في مصر منذ بدايات 2011 حتى الآن؟
عبد الرحمن: ما حدث في مصر في 25 يناير 2011 كان ثورة شعبية، ثورة بدأها الشباب الغاضبين وانضم بعد أيام من بداية التظاهرات ملايين المصريين من مواطنين غير مسيسين من كل الطبقات والمناطق، بالإضافة إلى حركات سياسية وأحزاب وشخصيات عامة. في السنوات التالية اختلف المسار كثيراً عن الحلم الذي شارك به المصريون، وانتهينا إلى وضع أسوأ إلى حد أن البعض يترحم على أيام مبارك. بالتأكيد كان لأخطائنا ونقص خبراتنا كشباب دور في ذلك، لكن لا أرى هناك ضرورة للمبالغة في جلد الذات، فقد كانت القوى المهيمنة من الجيش والتيار الإسلامي ذات دور أكثر فاعلية بكثير بحكم امتلاكها الأدوات. بشكل عام، أرى أننا نعيش مراحل متكررة بثورات عديدة استغرقت تفاعلاتها في بعض الحالات عشرات السنوات. مراحل الثورة الفرنسية شهدت عودة الملكية ومرحلة دكتاتورية بونابارت، وصانعوها أنفسهم لم يشهدوا مرحلة الجمهورية الديمقراطية، لكن في النهاية لم يغير ذلك من عظمة الثورة الفرنسية، وكونها أنهت مرحلة تاريخية قبلها.

هل كنت تتوقع أن تتحول الدعوة التي نشرتها صفحة كلنا خالد سعيد إلى ثورة درجة أن تطيح برأس السلطة في مصر؟
توقعت أن أرى ثورة في مصر، كتبت عن ذلك في مدونتي قبل ثلاث سنوات من 2011، تخيلت مشهد يجتمع فيه المصريين في ميدان التحرير لإسقاط الرئيس، تحدثت عنها قبل ذلك مع أصدقاء في تجمعات سياسية وثقافية. وبالطبع كان الكثير من السياسيين والمثقفين يقرأون أن هناك مستقبلاً لحالة الاحتقان السياسي التي بدأت منذ 2005 تقريبًا، مع تصاعد الحديث حول مشروع التوريث جمال مبارك، نجل الرئيس السابق حسني مبارك. كانت شرعية الرئيس منتهية قبل سنوات طويلة وكان العالم العالم العربي يموج بالغضب. لكني لم أتخيل أن تتحول هذه الدعوة حين نشرناها إلى هذه الثورة التي حلمت بها.. فوجئت كما فوجىء الجميع.. كما لم أتخيل اللحظة بتفاصيلها. الحدث كان عابرا للخيال، عابرا للقيادات الفردية.. كان حدث الناس.

إعلان

هل ضايقك تسليط الضوء إعلاميًا على غنيم باعتباره مؤسس الصفحة وأحد رموز الثورة؟
إجابة اليوم لا، وأنا ووائل أصدقاء أعزاء وعلاقتنا جيدة جدًا. ربما كانت مشاعري مختلفة قبل سنوات أو في 2011، لكني مؤمن أن كلها أقدار، لربما كنت في وضع وائل وقت اختطافه من قبل جهاز أمن الدولة في بداية الثورة، ولكنت قتلت مثلًا.

هل كان لك أي نشاط سياسي قبل تأسيس الصفحة؟
نعم، نشأت في أسرة لطالما حرص فيها الوالد والوالدة على تشجيعي أن أكون فاعلاً ونشيطا في مجتمعي، تربيت بين مصر والسعودية وبينهما وأثناء الانتفاضة الفلسطينية واحتلال العراق نما وعيي.. كنت ألقي الشعر في المدرسة أحيانًا، أتذكر أن مدير أحد المدارس التي درست فيها قرر بعد أن ألقيت قصيدة أناكف فيها الحكام العرب وقت احتلال العراق أن أتوقف عن الاشتراك في الطابور الصباحي لأنني تعديت الخطوط الحمراء. مررت كما معظم الناشطين سياسياً من جيلي بمرحلة عمل طلاب الإخوان بالجامعات قبل أن أفارقهم في 2008 وكذلك انضممت إلى حركة كفاية وشاركت في اجتماعات شباب من أجل التغيير. تعرضت للاعتقال مرتين لفترة قصيرة وقت مظاهرات مساندة القضاة في 2006 ومرة أخرى وقت انتخابات المحليات في 2008. انتقل بعدها نشاطي السياسي للمجال الرقمي مع بداية بروز وسائل التواصل الاجتماعي.

لماذا اختارت صفحة كلنا خالد سعيد تاريخ 25 يناير لإطلاق دعوات التظاهرات؟
كان اليوم هو ذكرى عيد الشرطة، وكانت الصفحة تُركز في نشاطها على قضية الشهيد خالد سعيد الذي قتل على يد الشرطة وتطوراتها والقضايا الشبيهة بها، بدأنا بوقفات صامتة وكانت الفكرة أن نجتذب غير المُسيسين لقضية تمسهم، وبنشاط آمن نسبيًا. وانتهينا بتظاهرة 25 يناير التي كانت مناسبة لإعلان رفض التعذيب موجهة بشكل رئيسي ضد حبيب العادلي وزير الداخلية إلا أن ثورة تونس غيرت مجرى التظاهرة التي انتهت بدعوة لثورة لإسقاط مبارك.

1548335904166-12122

عبد الرحمن منصور (يمين) خلال إدارته صفحة كلنا خالد سعيد (يسار) عام 2010

كيف شعرت عندما سمعت عن سقوط أول شهيد في الثورة؟
كنت حينها مجندًا في الجيش المصري أقضي خدمتي الإلزامية بأحد معسكرات للقوات المسلحة في عزبة الهجانة (شرق القاهرة)، حدث هرج ومرج بين الجنود خاصة مجندي محافظة السويس حين سمعنا عن استشهاد مواطنين بالمحافظة. وبعدها انقطع التواصل بين المعسكر والبلد إلا من محطات الراديو الحكومية التي كانت حريصة على بث الأغاني الوطنية معظم اليوم. لم نعرف أي أخبار تفصيلية حتى نهاية يوم جمعة الغضب 28 يناير، حينها بدأت الأخبار تصل وأصبحت قناة الجزيرة هي القناة الرسمية لكافيتيريات المعسكر. زارني أصدقاء مقربين صباح جمعة الغضب وقالوا لي أن اليوم سيكون فارقًا وكبيرًا في - حدث الثورة- اندهشت، لم أستطع أن أتخيل أي مشهد لأحداث الثورة حتى خرجت في أول إجازة منتصف شهر فبراير وشاهدت صور الشهداء لأول مرة. شباب مثلي شاركوا في الحلم وماتوا لأجله، كان يمكن أن أكون مكانهم. وقتها بكيت كثيرًا.

هل ترى نفسك مسؤلًا عن سقوط الضحايا باعتبارك أحد أصحاب دعوة التظاهر؟
بالطبع لا، لا أملك أي سلطة على أحد، كما أننا لم نخدع أحداً، وكل المصريين كانوا يعرفون حقيقة سلوك الأجهزة الأمنية. وبعد سقوط الشهداء استمر الملايين في النزول حتى بعد اتضاح المخاطر بشكل عملي. المسؤول عن سقوط الشهداء هو الدولة وأجهزتها الأمنية التي تصدت للتظاهرات وقتلت الناس بالرصاص الحي. الوزير حبيب العادلي ومن نفذ أوامره وبالتأكيد المسؤول الأول كان رئيس الجمهورية حينها حسني مبارك.

إعلان

لماذا ظلت شخصيتك غير معروفة لفترة طويلة باعتبارك أحد مؤسسي الصفحة، هل كان قرارك؟
لم يكن قرارا شخصيًا، كنت ملتزما بالقوانين العسكرية حيث كنت جنديًا لدى القوات المسلحة، ولا يمكنني التحدث أو المشاركة في أي عمل أو نشاط سياسي طيلة فترة تجنيدي التي انتهت في 1 مارس 2012. كما أن الكشف عن شخصيتي أثناء وجودي بالجيش تسبب بالمزيد من التضييق عليّ، تم نقلي من وحدتي إلى مكان به أعمال أكثر، وأصبحت إجازاتي قليلة جدًا.

كيف تنظر إلى الاتهامات الإعلامية للثورة بأنها كانت مؤامرة لإشاعة الفوضى في مصر؟
إشاعة الفوضى، وتدمير الاقتصاد، وتعطيل عجلة الإنتاج.. كلها اتهامات سهلة تتعمد الحكومات المستبدة إطلاقها، اتهامات تتبنى صيغة شعاراتية تخيف المتلقي وترسل له إشارات سلبية تتعلق بأمنه وحياته الشخصية. لكن كلها لا تصمد أمام نقاش تفاصيلها، فكيف يدعون أن 800 عنصر من حزب الله وحماس اقتحموا الحدود وهم من فتحوا الحدود وقتلوا المتظاهرين بالتحرير كما قال مبارك، دون أن تتصدى لهم كل الأجهزة الأمنية؟ وكيف لم يرهم أي شخص بعينيه في التحرير؟ ولو كانوا فتحوا سجن وادي النطرون الذي به معتقليهم، فمن فتح باقي سجون الجمهورية؟ ومن قتل اللواء البطران في سجن القطا؟ الفوضى كانت خطة الداخلية، وهم بعدها من انسحبوا من كافة مهامهم كحماية المنشآت الحكومية وإدارة المرور. على جانب آخر فإن الناس اليوم قد سأموا هذا الجدل، وانحيازاتهم تعمد بشكل رئيسي على أوضاعهم المعيشية، خاصة أن الرئيس الحالي يحكم منذ نحو 5 سنوات فلا يمكن تعليق النتائج على شماعة الثورة. بل بالعكس أرى الثورة كانت صرخة اعتراض مصرية وعربية على كل الفوضى السابقة لها بفعل الحكومات العربية، كانت الثورة تهدف لإعادة حق القرار للشعوب، وتعزيز الاستقلال الوطني، لكن النتائج كانت مرتبطة إلى حد كبير برد فعل مؤسسات الأنظمة القديمة، يمكن أن نشاهد نموذجًا إيجابيًا في تونس؛ فنتائج الثورة هناك لا يمكن وصفها بالفوضى رغم ما يعتريها من أوجه النقص والقصور. استغلال المرحلة الانتقالية لإحداث توافق وطني هو المهمة الأول لتجنب الانقسامات بكل أنواعها، وهو ما فعلته تونس، بينما أفشله غيرها بدعم الطائفية والتعصب.

إعلان

كيف ترى مستقبل الثورة المصرية أو "الربيع العربي"؟
أرى أن العالم العربي لن يكون له مستقبل أفضل، بدون أن تتحقق مطالب الانتفاضات العربية. وفي سبيل ذلك تحاول المجتمعات العربية بكل طريقة، تارة بالصمت وتارة بالغضب، مرة بالاحتجاج ومرة بالانتخابات ومرة بالانضمام لمؤسسات الدولة. انظر حولك، تظاهرات لم تتوقف في السودان منذ أسابيع تطالب برحيل عمر البشير الذي ساهم نظامه في إفقار وتدمير البلد، تظاهرات احتجاجية في المغرب العربي والأردن . في كل بقعة في العالم العربي هناك احتجاج.

لو عاد بك الزمن إلى ما قبل 2011، هل قد تلغي دعوة التظاهر التي ساهمت في إطلاقها لتجنب ما حدث حتى الآن؟
بالتأكيد لا. لا يمكن ممارسة الحكمة بأثر رجعي، القرارات يتم اتخاذها بناء على المعطيات وقتها، وبوضوح كان لدينا نظام يحكم منذ ثلاثين عامًا. نظام لا يملك لا شرعية إنجاز ولا شرعية تاريخية أو سياسية أو انتخابية، بل إنه مازال سببًا رئيسيًا بتراكم جرائمه وفساده وفشله في أوضاعنا الحالية، من يحكمنا هم رجاله ومؤسساته لا غيرهم.

هل تتمنى الانتقام ممن تعتبرهم أعداء الثورة؟
حلمي ليس الانتقام بل وطن يشملنا جميعاً بلا استثناء، ويمكننا جميعاً أن نتفق على طريقة لإدارة خلافاتنا. مصر تضمن الملايين من مؤيدي الإسلاميين بالمعنى الواسع كإخوان أو غيرهم، ومن خصومهم أيضًا، الملايين من مؤيدي الحكم العسكري ومن خصومه كذلك، يجب أن تدرك كل الأطراف سواء ككتل شعبية أو كقيادات أنه لا يكن إلغاء وجود الآخر مهما حدث. وللأسف كل الأطراف تستخدم أحداثاً أليمة بشكل عاطفي للمزيد من تعزيز التفاف كل طرف حول مظلوميته، يركز شباب الثورة على من سقطوا بها، ويركز الجيش على من سقطوا أثناء حرب الإرهاب في سيناء، ويركز الإخوان على من سقطوا في فض اعتصام رابعة. وأنا بشكل ما يمكنني الرؤية من الزوايا الثلاث، فبالإضافة للجانب الثوري أنا كنت مجندًا في الجيش المصري بالإسماعيلية، وأعرف جيداً معنى حياة الجندي في المعسكر وعودة جثمان زميله شهيداً من الجبهة ضد أعداء الوطن، كما أني ذهبت إلى مسجد الإيمان بعد فض رابعة وشاهدت الجثث وبكيت، وأحد أقاربي كان على وشك أن يُقتل هناك وعانى نفسيًا لفترة طويلة بعدها وكنت قريباً من ذلك. وبالتأكيد هناك أنماط من العدالة الانتقالية مطلوبة، وبالشراكة مع أسر الضحايا، لكن في المقابل الغرق في دوامة الانغلاق على الماضي ليس الحل، وهنا بشكل رئيسي الدور المطلوب يبدأ من السلطة التي تملك الخيارات الفعلية.

إعلان

هل ترى أن فيسبوك فقد فاعليته كوسيلة للحشد والضغط للتعبير عن المصالح؟
نعم ولا.. نعم تغير فيسبوك ومنصات التواصل الاجتماعي كما تغيرت السياسة في الدول العربية، ولعل كثيرون ينسون أن وسائل التواصل الاجتماعي قبل 2011 لم تكن أصلاً رائجة شعبيًا كما هو حالها الآن، كانت تضم شباب الطبقة الوسطى بشكل رئيسي، كما كان الوجود السياسي بها محدوداً.. بعد الثورات العربية تحولت هذه المنصات من أماكن تضم مجموعات مبادرة صغيرة وفعالة إلى مكان يمثل الشارع الذي تمشي فيه في مصر مثلا. كل شيء أصبح هنا.. الخلافات السياسية والاجتماعية والثقافية بكل أشكالها الجذرية من أقصى اليمين لأقصى اليسار، وأيضاً اكتشفت الحكومات العربية أهميتها، فضخت فيها أموالًا وإمكانيات هائلة، وهكذا أفسدتها اللجان الإلكترونية كما نسميها في مصر أو ما يطلق عليه في الخليج الذباب الإلكتروني، أيضًا الخلافات المبالغ بها والتشبيح الإلكتروني.. وكذلك الأدوات الأمنية كالقوانين التي صدرت مؤخرًا في مصر، البلاغات والرقابة، كلها أمور سممت الأجواء ولا تزال. لكن في المقابل أعتقد أن الواقع هو صاحب الدور الأكبر سواء في مدى فاعلية فيسبوك سابقاً كأداه للحشد أو في تراجعه حاليًا، ملايين المصريين ممن شاركوا بالثورة بالتأكيد لم يشاهدوا صفحتنا وقتها ولا نزلوا استجابة لها، وفي المقابل حين أصبح اليوم المواطن العربي في مصر وغيرها يخاف من مجرد تنظيم وقفة احتجاجية محلية لأسباب غير سياسية، فإن هذا ليس بسبب تراجع فاعلية فيسبوك.

كيف تغيرت أدوات الاحتجاج؟
ابتعد الناس عن الإنترنت كوسيلة لتنظيم احتجاجات على الأرض، لكن الإنترنت لا يزال الساحة الأهم في إبداء الرأي والرأي الآخر، بدأ الكثيرون بالعودة لمجتمعاتهم المحلية ولتخصصاتهم حينا. ركز الناس في مبادرات واضحة في التعليم والصناعة والتجارة، هذا نوع مهم من الاحتجاج. لا يواجه النظام المستبد بل يفكك أدواته القديمة والمستقرة. هاجر الآلاف لأوروبا وأمريكا وآسيا للدراسة أ،و بحثًا عن العمل. هذه تجربة احتجاجية حدثت في بلدان مرت بالظروف التي تمر بها دولنا الآن. سيعود هؤلاء يومًا، حتى لو لم يعودوا جميعهم بالتأكيد، لكن سيساهم الكثيرين ممن هجروا البلدان العربية في نهضته حين تتحين الفرصة. أيضًا تقوم مجموعات كثيرة في الوطن العربي برعاية السجناء وذويهم، هذا جانب هام في المقاومة، المحامين يلعبون دورًا هامًا في مواجهة، الإعلام المستقل أصبح له أهمية كبرى في ظل هيمنة الحكومات على منصات وتلفزيونات ومواقع، وشاهدنا تجارب تنهض بأقل الإمكانيات، وتوفر مواقع التواصل لها منصة لوصول أخبارها وأفكارها إلى الملايين. كل هذه المجموعات، الوظائف والحركات الصامتة هي احتجاج بحد ذاته.

1548336005573-WhatsApp-Image-2019-01-24-at-100719-AM

عبد الرحمن في نيويورك

تعيش حاليًا خارج مصر، متى غادرت البلاد وهل السبب في ذلك تعرضك لأي مضايقات؟
غادرت مصر بعد أيام قليلة من فض ميدان رابعة. جهاز الأمن الوطني بدأ بالسؤال عني في مكان سكني، تم توقيفي في المطار ولم يُسمح لي بالسفر، ثم كررت المحاولة وتمكنت من الخروج في المرة الثانية. كنت محظوظًا بسفري، لكن لازمني إحساس الذنب كون كثيرا من أصدقائي سجناء لا أستطيع مساعدتهم. قراري بالسفر كان سابقًا على الأحداث، وتاريخه جاء بالصدفة. كنت قد عزمت السفر للولايات المتحدة لاستكمال دراستي نهاية عام 2012 بدأت الترتيبات ولحسن أو لسوء الحظ استخرجت تأشيرة السفر في أغسطس وسافرت في الشهر ذاته. كانت لحظات صعبة حين قطعت تذكرة السفر وحين أيقنت بصعوبة العودة، ولكن كما نقول في مصر: كل تأخيرة وفيها خيرة. وبصراحة لم أكن أريد أن يتم سجني، جربت الاعتقال سابقًا وكانت تجربة مريرة، وأيضًا لم أجد أن بيدي أي أدوات لأساهم بها بشكل فاعل، خاصة بعد أن أوقفنا صفحة كلنا خالد سعيد، بعد أن تجاوزت الأحداث مشروعها وفاعليتها.

هل تفكر في العودة إلى مصر؟
بالتأكيد، لا مفر من ذلك. لدي حلم لم يتحقق بعد، وأتمنى ألا تنتهي رحلتي في هذه الحياة قبل أن أراه وأعيشه أنا ومن خرج وآمن بثورة 25 يناير.

أي حلم؟
أن أرى وطني حرا في قراره، ويعيش أهله في كرامة في ظل نظام ديمقراطي يكفل الرعاية الصحية والتعليم والوظيفة لمواطنيه.. حلم بسيط، ليس لمصر فحسب، بل لكل دول العالم التي لا تزال تعيش تحت حكم الديكتاتوريات أو الجيوش.

متى يمكن أن تفكر في ذلك؟
لا أستطيع أن أحدد تاريخًا واضحًا، حين تتحين الفرصة لذلك حيث يكون هناك مساحة لمواطنين بآرائي - التي لا يحبها الرئيس مثلًا - أن يبشروا بأفكارهم ويدعوا الناس لها دون أن يتعرضوا للاعتقال. وأن تكون هناك مساحة وفرصة لمنافسة الرئيس الحالي على منصبه دون أن يتعرض أحدهم للاعتقال أو الخطف أو الإخفاء القسري. وأن يكون الضامن في ذلك دستور لا يجعل مدد الرئاسة مفتوحة ولا يكرس للدكتاتورية.

ماذا تقول للشباب المصري في ذكري الثورة التي اشتهرت بـ"ثورة الشباب"؟
أقول لهم شكرًا.. لقد فعلناها مرة، أطحنا بواحد من أقدم وأكبر دكتاتوريي العالم العربي، كنا شجعان ومبتكرين وحالمين والأهم كنا لا نزال شبابًا وشابات في مقتبل العمر. لم يكن أحد حتى قبل الثورة بيوم واحد يتخيل ما حدث، بل كان بعضنا بلغ قمة اليأس، فلنتذكر ذلك دائمًا، يمكن أن تفاجئنا الأيام في أي لحظة. أقول أيضًا أننا خسرنا جولة أو ربما جولتين، لكن لم نخسر المواجهة بعد، أفكارنا وحركتنا ألهمت دول كثير حول العالم، في حركات سياسية وحملات انتخابات وانتفاضات لم تتوقف في كل مكان، الحلم لم ينته بعد، نعم، نحن مهزومون، مكتئبون. الكثير منا عاطلين عن العمل، أو مهجرين ولاجئين، لكننا لا نزال قادرين على أن نكمل هذا المشوار الطويل. سنتذكر هذه الأيام الصعبة حين يقود جيلنا أو حتى جيل تالٍ لنا أوطاننا في انتخابات شعبية وحكم رشيد. هذه التجربة الصعبة عاشتها قبلنا أجيال شابة في دول عديدة، تشيلي والأوروجواي والبرازيل وأوروبا الشرقية، لكنهم نجحوا في النهاية.. سننجح أيضًا، وسنحقق حلمنا الكبير.