سياسة

يهودٌ يُريدون استعادة جنسيتهم العراقية

رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر رحب بعودتهم قائلاً: "إذا كان ولاؤهم للعراق فأهلا بهم"
6.9.18
لافتات في مرتفعات الجولان المحتلة من اسرائيل- بغداد (العراق) - دمشق (سوريا). شترستوك

"من حقنا الحصول على جنسية بلدنا الذي هُجرنا منه. العراق بالنسبة لنا الوطن الحقيقي،" يخبرني آدوين شوكر، نائب رئيس الكونغرس اليهودي الأوروبي في بريطانيا خلال حديث مع صديق لي. شوبر الذي يستعد لتقديم طلب إلى المحكمة الإتحادية العراقية لاستعادة الجنسية لليهود العراقيين، يؤكد أن "هُناك نشطاء وحقوقيون من العراق يعملون على مساعدته في هذا الأمر."

عندما "هُجر" أو "هاجر" اليهود من العراق بين عامي 1948 – 1950 بإتجاه إسرائيل وبُلدان أخرى بعد الإعلان عن إقامة إسرائيل على أراضي فلسطين التاريخية، شرّعت الدولة العراقية قانون "إسقاط الجنسية" الذي أسقط بموجبه الجنسية عن كل اليهود العراقيين، وصادرت أملاك عدد منهم. كان اليهود يُشكلون نسبة 2% من المجتمع العراقي في عام 1947، لكن هذه النسبة انخفضت بشكل سريع خلال عامين ونصف العام تقريباً، ولم يبق منهم أحد. "في بغداد ليس هناك سوى ستة أشخاص يهود، وهؤلاء لا يعرف بهم سوى عدد قليل من العراقيين،" يقول لي مصدر عراقي فضل عدم الكشف عن أسمه لـ Vice عربية.

إعلان

بعد الاجتياح الأمريكي للعراق وسقوط نظام صدام حسين عام 2003، شُرع قانون الجنسية العراقية (2006) والذي أعاد الجنسية لكل من أسقطت عنهم الجنسية في فترة حُكم البعث، لكنه لم يشمل اليهود. وتنص الفقرة الأولى من المادة 18 من القانون: "لكل عراقي أسقطت عنه الجنسية العراقية لأسباب سياسية أو عنصرية أو طائفية ان يستردها بتقديم طلب بذلك وفي حالة وفاته يحق لأولاده الذين فقدوا الجنسية العراقية تبعا لوالدهم أو والدتهم أن يتقدموا بطلب لاسترداد الجنسية العراقية." لكن الفقرة الثانية من المادة القانونية نصت على أن "لا يستفيد من حكم البند (أولا) من هذه المادة العراقي الذي زالت عنه الجنسية بموجب أحكام القانون رقم (1) لسنة 1950 والقانون رقم (12) لسنة 1951" في الإشارة إلى اليهود.

آدوين شوكر -الصورة من موقعه

"أن الجنسية العراقية حق لنا ولا يُمكن أن يستمر هذا الانتهاك بحقنا،" يؤكد شوكر: "نحن عراقيون وجذورنا في هذا البلد وهناك أعداد كبيرة من اليهود العراقيين الذين يرغبون بالعودة لوطنهم وإستعادة جنسيتهم." ويُعتبر شوكر، 63 عاماً، أول يهودي عراقي زار مدينة الموصل بعد تحريرها من "داعش" ورغم أنه غادر العراق وهو طفل عام 1971 إلا أنه زار العراق أكثر من مرة بعد عام 2003.

وكان لليهود وضع جيد في العراق قبل نكبة فلسطين عام 1948، واحتلوا مناصب حكومية هامة في الدولة ومنهم حسقيل ساسون الذي كان أول وزير مالية في تاريخ الدولة العراقية في العشرينات من القرن الماضي، ويرتبط اسمه بمثل عراقي على الشخص المُدبر إقتصادياً ونصه: "لا تحسقلها" في إشارة إلى التدبير الاقتصادي الذي كان يتمتع به ساسون في تلك الفترة.

في يونيو 2018 فاجأ زعيم التيار الصدري، رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر الجميع بترحيبه بعودة اليهود، وأبدى موقفاً إيجابياً من حملات إعادتهم للعراق، وقال حينها: "إذا كان ولاؤهم للعراق فأهلا بهم." كما يدعم توجه عودة اليهود وإستعادتهم جنسيتهم، السكرتير العام للحزب الشيوعي العراقي والنائب في البرلمان الحالي، رائد فهمي، لكنه يشير في حديث سابق الى أن طرح الموضوع في هذا الوقت غير مناسب: "الدولة العراقية لديها التزامات أمام هؤلاء، لذا يجب أن يدرس الموضوع من جميع الجوانب بشكل جيد. من حيث المبدأ والقيم العالية، نحن مع إعطاء الحقوق لأي مواطن عراقي بما فيهم اليهود، لكن توقيت المطالبة بإعادة الجنسية العراقية لهم هو غير مناسب، يبد أنه من الجيد أن يكون هناك حوار مجتمعي حول هذا الموضوع والتوصل الى نتائج عقلانية بعيدا عن التشدد."

الزعيم الشيعي مقتدى الصدر -شترستوك

سعد سلوم، الباحث في شؤون الأقليات ورئيس مؤسسة مسارات للتنمية الثقافية الإعلامية يختلف مع فهمي، ويرى في حديث مع VICE عربية أن استعادة الجنسية لليهود هو حق: "المطالبة بإستعادة الجنسية العراقية لليهود العراقيين حق مشروع، لكن هذا الحق لا يُمكن إستعادته ما لم يكن جهد حقيقي للضغط على الحكومة العراقية. أمام الرأي العام العراقي والناشطين في الدفاع عن حقوق الإنسان، مهمة الدفع باتجاه الضغط على الحكومة من أجل الإستجابة لهذا المطلب." أما الخبير القانوني طارق حرب فيخبرني "أن عدم منح اليهود العراقيين جنسيتهم، غير دستوري، لأن الدستور لم يستثن اليهود وإنما القانون الذي خالف الدستور" ويُضيف: "من غير المعقول أن تُعاد الجنسية لأشخاص عاشوا سنوات قليلة في العراق بينما من عاش فيه مئات السنين لم يتمكن من استعادتها."

وكانت وزارة الخارجية الإسرائيلية بدأت في عام 2012 بإطلاق حملة تركز على معاناة يهود وصفتهم "باللاجئين من دول عربية أجبروا على مغادرتها." ومن أهداف الحملة التي أطلق عليها "أنا لاجئ يهودي" "المساواة" بينهم وبين اللاجئين الفلسطينيين الذين طردوا من أراضيهم، إضافة إلى السعي للحصول على تعويضات عن ممتلكاتهم في البلدان التي ولدوا فيها. ويرى البعض أن حل قضية اليهود العرب مرتبط بحل قضية اللاجئين الفلسطينيين وحق العودة، فيما يرفض البعض الآخر هذا الربط والذي وصفه صائب عريقات عضو اللجنة التنفيذية في منظمة التحرير الفلسطينية بأنه "جزء من الالاعيب الاسرائيلية."

كومة اقليم كردستان أنشئت قبل سنوات ممثلية لليهود في دائرة الأوقاف والشؤون الدينية، وبحسب إحصاءات تقريبية، فإن 400 عائلة يهودية تعيش هناك

ورغم أن المساعي قد تكون كبيرة لإستعادة اليهود لجنسيتهم العراقية، لكنها تواجه بعقبات وصعوبات أكبر، واحدة منها القبول الشعبي لعودة اليهود العراقيين للعراق أو استعادة جنسيتهم، "فعدد كبير كبير من الناس لا يُفرقون بين اليهودي والإسرائيلي والصهيوني، وفي حال دُعم هذا الطرح سياسياً من المرجح أن يُواجه برفض وغضب شعبي،" كما يؤكد الباحث الاجتماعي سعيد كريم والذي يضيف: "عمد النظام البعثي إلى زرع فكرة برأس العراقيين، خاصة الأطفال والشباب منهم، مفادها أن اليهود أعداء العراق ولم يوضح لهم الفرق بين اليهود وبين من يقتل أو يُشارك في عمليات الاستيطان والاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية." كريم يرى أنه من الصعب تحقيق عودة اليهود إلى البلاد لعدة أسباب: "وجود ظل وجود قانون يمنعهم، ورجال دين يُحرضون ضدهم، وكذلك الظرف الأمني العام. جميعها تشكل عوائق أمام عودتهم."

يبدو أن حنين اليهود العراقيين لبلدهم الأصلي لم ينتهِ رغم مرور سبعين عاماً على (هجرتهم – تهجيرهم) منه، فهم يبعثون برسائل فيديوية إلى العراقيين يتحدثون فيها عن ذكرياتهم أو يغنون أغان عراقية ويتحدثون باللهجة العراقية، وهذا مؤشر على أنهم مازالوا يحلمون بالعودة إلى البلاد أو إستعادة الجنسية على الأقل. ولا يزال هناك خلاف حول ما حدث لليهود العراقيين والعرب بعد إعلان قيام إسرائيل. الفرضية الأولى تفترض "تهجير" اليهود من قبل القوى العربية القومية خوفاً من أن يتحولوا الى "حصان طروادة لاسرائيل" فضلا عمّا رافقها من أفكار برغماتية لبعض الساسة في الحكومة العراقية (بالاخص نوري السعيد) لتقويض اسرائيل من الداخل من خلال هجرة أعداد كبيرة من يهود الدول العربية كفيلة بتحطيم اقتصاد دولة ناشئة. في حين تشير الفرضية الأخرى إلى النشاط الذي قام به الحركات الصهيونية السرية ومنها تفجيرات المعابد اليهودية كعملية مقصودة لتسريع عملية الهجرة.

في إقليم كردستان العراق يبدو أن تم إيجاد تسوية، فحكومة الإقليم أنشئت قبل سنوات ممثلية لليهود في دائرة الأوقاف والشؤون الدينية، وبحسب إحصاءات تقريبية، فإن 400 عائلة يهودية تعيش في كردستان.