"أعترف إني نوعًا ما فاشلة في قدرتي وصبري في الاستماع، لكن البنت الموهبة اللي اسمها لبنى الخميس خلتني اسمع لها بلا ملل، برنامجها بودكاست أبجورة رائع،" هكذا تعبّر فرح، مستمعة من الرياض، عبر تويتر عن انجذابها للمحتوى الصوتيّ التي تقدّمه الإعلاميّة السعوديّة لبنى الخميس أونلاين. "أبجورة" الذي انطلق منتصف 2017 هو واحد من البرامج الشبابيّة التي برزت مؤخّرًا لتعكس نموًّا ملحوظًا في إنتاج واستهلاك البودكاست عربيًّا.
حصلت الكاتبة لبنى الخميس (27 عامًا) التي تقدم بودكاست "ابجورة" على "جائزة الإعلام الجديد" من وزارة الثقافة والإعلام السعوديّة الشهر الماضي لمدى تأثير وعمق "أبجورة." وهو اليوم من أكثر البرامج استماعًا في الخليج، فقد تخطّى عدد مستمعين بعض حلقاته الستين ألفًا. تسعى الخميس إلى نقل أفكار ملهمة لجمهورها عبر حلقات لا تتخطّى العشرة دقائق، تروي فيها قراءات وتجارب، مثل حماسة التجارب الأولى، تترافق مع مونتاج صوتيّ لعناصر تحفّز مخيّلة المستمعين. "بودكاست أبجورة هو خطوة لطالما حلمت بها، خصوصاً بعد إدماني على الاستماع لهذه المنصة، لكني أدركت بأن المحتوى العربي فقير وشحيح للغاية في هذا المنصة الصاعدة عالميًّا،" تقول لبنى: "وبدلاً من ندب الواقع قررت أن أكون التغيير الذي أريد أن أراه في العالم. هدفي هو إثراء المحتوى العربي والخليجي والمنافسة به عالميًّا، فالشباب العربي لا تنقصه الموهبة أو الاحترافية أو حسن الأداء ليقدم منتجًا صوتيًّا أو مرئيًّا يفتخر به عالميًّا."
لفظة "بودكاست" (podcast) هي دمج لكلمتي pod (نسبة لأجهزة آيبود) و broadcast (أي البث). ابتكرها الصحافيّ البريطانيّ بين هامرسلي في مقال له سنة 2004 للتعبير عن "ظاهرة تحميل البرامج الصوتيّة والاستماع إليها رقميًّا." لكنّ مفهوم "البودكاست العربي" اقتصر طويلاً على بعض المنصّات الصوتيّة ذات الطابع التعليميّ أو الإخباريّ. إلّا أنّ بعض صنّاع المحتوى الشباب اتّجهوا في العامين الماضييْن لصناعة محتوى صوتيّ ناطق بالعربيّة أو يعبّر عن الشارع العربي بلغات أجنبيّة. يحتضن ساوندكلاود أكثر من 100 برنامج بودكاست عربيّ، وهي تتنوّع في مواضيعها بين المجتمع والتوعية والترفيه والسياسة والتقنية والفن والأدب والرياضة والأعمال أيضًا، إضافة إلى غيرها التي تصدر حلقاتها حصرًا على آيتيونز أو توزّعه مصوّرًا على مواقع التواصل الاجتماعيّ مثل فيسبوك.
وعلى الرغم من أنّ المحتوى الصوتيّ ما زال "جديدًا" على المنطقة، كما يشير رمزي تسدل (34 عامًا)، الشريك التنفيذي لشبكة صوت للبرامج الإذاعيّة تحت الطلب ومركزه الأردن، الا أن أهميته والطلب عليه في ارتفاع في العالم العربي. "تزداد أهمية البودكاست كوسيط مع التراجع الكبير للراديو. لدينا نسبة كبيرة من الأميّين في العالم العربي الذين يعتمدون على المحتوى الصوتي". يشار إلى أن معدل الأمية في الدول العربية بلغ نسبة 27٪ في عام 2017 فيما بلغ عدد الأميين في الوطن العربي في العام الماضي حوالي 54 مليون.
لم نجد ما يعبّر عن هويّتنا فقرّرنا أن نوثّقها بصدق عبر برنامجنا الحواريّ الذي نتناول فيه مواضيع مختلفة مثل الفنّ والثقافة والموسيقى والموضة وهواجسنا اليوميّة كشباب.. الدكّان كان ملتقانا منذ الصغر مع أبناء الحي، و"بودكاست دكّان" اليوم هو ملتقانا مع العالم
وتنتج "صوت" مجموعة من البرامج الصوتيّة عالية الجودة بفريق لا يتجاوز الستّة أشخاص، أكثرها انتشارًا هو "عيب" وهو يحقّق أكثر من ألفي استماع للحلقة وتقدّمه بان برقاوي. يسرد "عيب" قصص أشخاص تأثّرت حياتهم بسبب قوالب المجتمع الجندريّة، وآخر إصدارات "صوت" هو "الدين والدولة" الذي يطرح جدل العلمانيّة في العالم العربي، وبودكاست "رزان" الذي يوثّق سيرة سوريا خلال العقد ونصف الماضيين عبر سيرة الناشطة والمحامية رزان زيتونة. كما تدعم "صوت" برامج بودكاست أخرى من المنطقة، فتدرج حوالي أربعين برنامجًا على موقعها لمن يرغب بالاستماع، من بينها بودكاست "دكان" الشبابي من دبي.
يقول عُمر توم (28 عامًا)، المؤسس الشريك لبودكاست "دكّان" الذي انطلق رسميًّا مطلع 2016، أنّ البرنامج يعبّر عن شباب جيله الذي يعرّف بنفسه كشباب "الجيل الثالث" (third culture kids). نشأ توم في الإمارات لأبويْن سودانيّين، أمّا ريم حميد (34 عامًا)، التي تشاركه تقديم البودكاست، فهي كنديّة من أب عراقيّ وأمّ فيليبينيّة، وتقيم كذلك في دبي. "نشعر أنّنا ننتمي إلى لا مكان وإلى كلّ مكان،" يقول عُمر: "نحن البدويّون الجدد (neo-bedouins) نعيش صراعًا ثقافيًّا، لم نجد ما يعبّر عن هويّتنا فقرّرنا أن نوثّقها بصدق عبر برنامجنا الحواريّ الذي نتناول فيه مواضيع مختلفة مثل الفنّ والثقافة والموسيقى والموضة وهواجسنا اليوميّة كشباب. الدكّان كان ملتقانا منذ الصغر مع أبناء الحي، و"بودكاست دكّان" اليوم هو ملتقانا مع العالم."
قد تبدو ظاهرة رواج البودكاست في المنطقة "موضة عكسيّة" إذا قسنا أنّ الإذاعة سبقت التلفزيون. فرواج الفيديو الرقميّ في بعض الدول العربيّة قد وصل أوجه، فالسعوديّة مثلًا هي من أكثر الدول إنتاجًا واستهلاكًا لمحتوى يوتيوب عالميًّا. "يبدو العالم العربي كمن استفاق فجأة وهرول متأخرًا على موعد ما، وكأنّ الأمر أتى نتيجة لحالة إشباع من المنصات المتوافرة وملل منها،" تعلّق الإعلاميّة في راديو مونت كارلو ريتا خوري (51 عامًا) التي لديها خبرة تزيد عن عشرين عامًا في الراديو على اهتمام العرب المفاجئ في البودكاست. لكن خوري ترى في هذا التوجه "بادرة إيجابية وحقل تجارب يعزّز أهمية الصوت."
أمّا عُمر، فيرى أنّ رواج المحتوى الصوتي ينسجم مع عادات استهلاك المستخدم العربي رقميًّا، فيوتيوب يستدعي تركيزًا بصريًّا وسمعيًّا من المشاهد وفترة الانتباه (attention span) من المتلقّي أصحبت أقلّ اليوم. أمّا البودكاست فيمكن استهلاكه "بسلبيّة" (passively) بينما ينجز المستمع أعمالًا أخرى. يضيف توم: "يتيح ذلك لصنّاع المحتوى مساحة لمناقشة مواضيع بعمق أكبر، ويمكن أن يستفيدوا من مدّة نقاش أطول، وسرعة في إنتاج الحلقة مقارنة بالفيديو." نصف جمهور "دكّان" يأتي من داخل الإمارات، أمّا المستمعون الدائمون فيتوزّعون على دول أخرى في طليعتها الولايات المتّحدة (11%) والسعوديّة (10%) والأردن (6%)، كما يشير عُمر. أما جمهور "صوت" بحسب رمزي فيشمل الجنسيْن وهو بالدرجة الأولى من السعوديّة ومصر ثمّ الأردن وفلسطين ويصل خارج البقعة العربيّة إلى أميركا وألمانيا وبريطانيا. وبحسب "غوغل تريندس" الذي يوثّق رواج بحث المستخدمين عن مواضيع معيّنة، فأكثر الدول بحثًا عن كلمة "بودكاست" بالعربيّة خلال السنة الماضية هي السعوديّة والجزائر والكويت.
لا يكفي أن تملك التجربة لترويها والمعلومة لتشاركها، عليك أن تعرف كيف تحافظ عليّ كمتلقٍ يصغي باهتمام وتثير فضولي وتفاجئني وتكسب ثقتي بفضل ما يحلو لي أن أسمّيه: كاريزما البودكاست
الطلب على البودكاست موجود، ولكن استدامة هذه البرامج الصوتيّة العربيّة المجانيّة من ناحية الإنتاج والوصول غير واضحة. تعمل الخميس على خطّة لاستقطاب رعاة لأبجورة، في حين يرفض "دكّان" حاليًّا الإعلانات، لانها قد تزعج المستمعين، وفريق البرنامج لا يريد أن يخضع للمعلنين وشروطهم: "نريد أن نعبّر عن رأينا الصادق عن منتجات معيّنة، فارتأينا أنّ مصدر الدخل الأفضل هو مساعدة العلامات التجاريّة على إنتاج برامج صوتيّة على منصّاتها الخاصّة،" يقول عُمر. تلجأ "صوت" كذلك إلى الوسيلة عينها، فهي تتعاون مع جهات أخرى لإنتاج محتوى صوتيّ، كما أنّها تتلقّى تمويلًا جزئيًّا من المؤسّسة الأوروبيّة للديمقراطيّة.
ومع صعود الصوت كصيغة جذّابة، يبقى المحتوى بالنسبة لخوري هو المفتاح لاستمراريّة منصّات البودكاست. تقول ريتا: "نحتاج إلى إعادة تأهيل ثقافة الاستماع وتأهيل من يرغب في إنتاج محتوى يتمتع بكافة شروط الجذب، لا يكفي أن تملك التجربة لترويها والمعلومة لتشاركها، عليك أن تعرف كيف تحافظ عليّ كمتلقٍ يصغي باهتمام وتثير فضولي وتفاجئني وتكسب ثقتي بفضل ما يحلو لي أن أسمّيه: كاريزما البودكاست."
@RD