رأي

لماذا لم أعد أرى عادل إمام مضحكاً؟

هل ما قدمه إمام على الشاشة هو محاولة لإضحاك المشاهد عن طريق استخدام جسد المرأة والسخرية منه، أم أنه محاكاة ساخرة لهذا الواقع؟
30.9.18

عادل إمام في مسلسل "عفاريت عدلي علام"

تعليقات قد يرددها عدد كبير من المصريين والعرب، لأنها جاءت على لسان واحد من أشهر الكوميديانات في العالم العربي، عادل إمام. خلال الأيام الماضية، أثارت بعض تصرفات الممثل عادل إمام في مهرجان الجونة السينمائي موجة من التعليقات، حيث وصفها بعض رواد التواصل الاجتماعي بأنها خفة ظل الزعيم المعهودة، في حين رأها آخرين تحرشاً بالفنانات اللاتي من الصعب أن يعترضن على أفعال أحد أبرز الوجوه السينمائية العربية لعقود (زعيم بقا).

إعلان

الموضوع بالنسبة لي أكبر من خفة ظل، فأنا لا أجد الكوميدي الأشهر مصرياً وعربياً مضحكاً أصلاً. لن أكذب وأقول إن عادل إمام لم يضحكني يوماً، لا، بل أنني كنت أضحك من تعليقاته التي قد تتصف بالعنصرية أو السخرية من المرأة، فأنا لم أكن مغردًا خارج سرب الثقافة المصرية وكوميدياها التي تحتوي على قدر كبير من العنصرية والتمييز الجنسي. إلا أنني بمرور الوقت أدركتُ أن ما أضحكني منذ عقدين صار الآن مثيراً للاشمئزاز.

قد تكون الكوميديا أكثر إضحاكاً عندما تتعرض للمُمنوعات الثلاثة -ليس فقط في العالم العربي- الجنس والدين والسياسة، لكن ما يثير العجب عندما تصبح السخرية من النساء هي ما يركز عليه الكثير من كُتاب السينما في مصر -والعالم. يسخرون من شكل وجسد النساء إذا كُن سمينات، فتصبح المرأة بالنسبة للممثل عُرضة لسخرية لا تنتهي، أو السخرية من نساء غير جميلات وفق معايير الجمال الأبيض، فالسمراء تصبح كالليل (المهبب)، أو أن يتم السخرية من كل النساء فيقول الممثل "إنت فاكرنا نسوان؟" أو "استرجل، هتعيط زي الستات" مثل هذه العبارات التي جعلت السخرية من المرأة شيء طبيعي في سينما يصنعها الذكور في كل العالم منذ نشأتها.

عادل إمام ليس الوحيد الذي روج لهذه الثقافة في أفلامه، ولكنه النجم الأبرز في اللمس، ذلك الذي لا يُضحك، اللمس الذي يثير الغثيان على الشاشة، ولعل أرشيفه في سينما الثمانينات والتسعينات يدلل على ذلك. على ناحية أخرى قد واجهت سينما إمام تيارًا مضادًا في بداية الألفية قدمه النجوم الشباب بسينماهم النظيفة التي ابتعدت عن أي نوع من اللمس. وكأننا بين خيارين لا ثالث لهما، إما أن نشاهد سينما اللمس المصطنع المقزز، أو سينما التطهر من اللمس بشتى أشكاله.

برأيي أن ما وضع عادل إمام في هذه المكانة الكبيرة ليس كونه خفيف الظل، بل لنجاحه في صناعة صورة ذهنية لدى الجمهور أنه الممثل الذي يمكنه إضحاكك، حتى لو أن تعبيرات وجهه لم تتغير لمدة أكثر من 40 عاماً

والسؤال هنا: هل ما قدمه إمام على الشاشة هو محاولة لإضحاك المشاهد عن طريق استخدام جسد المرأة والسخرية منه؟ أم أنه حاول القول إن هذا هو الواقع الذي نعيشه والفيلم هو محاكاة ساخرة لهذا الواقع؟ برأيي أن "حنفي الأبهة" عرف جيداً من أين تؤكل الكتف؟ فإمام كان أكثر وعياً وحنكة في التعامل مع السوق، قدم ما يريده المشاهد، فيلم فيه قدر من الكوميديا الذكورية، مع توليفة أكشن ساذجة مثيرة للضحك، يستطيع من خلالها البطل الوحيد أن يضرب كل مَنْ في الفيلم بقبضة مثل قبضة روكي بالبوا، فمرزوق في فيلم سلام يا صاحبي "موتهم كلهم لوحده حتى وهو متصاب في دراعه، لدرجة إنه علق رجل أطول منه وشنقه في السقف، تخيل أأأأأجدع!"

ما وضع عادل إمام في هذه المكانة الكبيرة ليس كونه ممثلاً خفيف الظل، بل لنجاحه في صناعة صورة ذهنية لدى الجمهور أنه الممثل الذي يمكنه إضحاكك حتى لو أن تعبيرات وجهه لم تتغير لمدة أكثر من 40 عاماً. شاهد تعبيراته في "مدرسة المشاغبين"، أو مسلسل "دموع في عيون وقحة"، ثم شاهد تعبيراته في "حنفي الأبهة" أو "سلام يا صاحبي" ثم شاهد "التجربة الدنماركية" أو "السفارة في العمارة" ثم انتقل لأحد مسلسلاته التي قدمها في السنوات الست الأخيرة. نفس الحركات، الحاجب المرفوع قليلًا، مع العين التي أصابها التعجب، مع حكة بسيطة على أنفه، أو تعبيره الأشهر الذي ينتهي كثيرًا بكلمة "إيه يا جدع؟" وبالطبع لمسة هنا أو هناك على جسد امرأة في الفيلم، حتى يُضحِك قطاعـًا من الجمهور، نساؤه ورجاله.

لا شك أن هناك "عبقرية" في بقاء عادل إمام الذي ظهر على الشاشة منذ ستينات القرن الماضي، متصدراً، فلم يخفت نجمه لقرابة ستة عقود، مما جعله نموذجاً فريدًا في القدرة على البقاء كل هذه المدة في دائرة النجومية. فالزعيم- كما يلقبه كثير من النقاد والجمهور- مازال قادرًا على التواجد وسط كبار الشاشة رغم اقترابه من حاجز الثمانين عاماً، ولا زال بعض المشاهدين يعتبرونه زعيم الكوميديا في العالم العربي (رغم أنه لم يسهم في تقديم أي كوميديا مختلفة لقرابة العقدين). اعتمد إمام تقريباً على كاتب واحد في معظم أعماله منذ بداية الألفية، يوسف معاطي، مما وضعهما في مساحة إبداع محدودة للغاية تعتمد بالأساس على سمعة وصيت الزعيم وليس قدراته التمثيلية، فلم يقدم لنا أداءً مختلفاً للممثل المخضرم الخبير في أي من أعماله. ربما كان هناك مشهد مختلف في فيلم عمارة يعقوبيان. وهو دور ليس كوميدي تماماً.

لم أجد في إمام يوماً ممثلًا كوميديًا فذًا يستطيع أن يقتلني ضحكاً بقدراته الجسدية مثلًا، فقلما وُجد ممثل مصري فعل ذلك، على عكس كوميديانات عالميين أولهم تشارلي تشابلن ومن بعده روان أتكنسون وجيم كاري. كذلك كوميديا الموقف ليست من نقاط قوة عادل إمام، فهو ليس بارعاً فيها، مثل نجيب الريحاني الذي اعتمدت كوميدياه على الموقف، كما أن عادل إمام لم يكن يوماً النجم الذي يتحلى بخفة ظل فطرية كالتي تحلى بها محمود عبد العزيز أو سعيد صالح أو سمير غانم مثلًا، هذا برأيي طبعاً.

إمام الذي قدم أكثر من 150 فيلماً ومسرحية ومسلسل، لم يسهم سوى بفيلم واحد -ليس كوميدياً - في الاستفتاء الذي أُجري عام 1996، لاختيار أفضل مئة فيلم مصري بمناسبة مرور مئة عام على نشأة السينما، فيلم اللعب مع الكبار، إخراج شريف عرفة وتأليف وحيد حامد. وفي حين أن الكوميديا كان لها نصيب جيد في هذه القائمة -مما يعني أن كوميديا عادل إمام ليست هي الأفضل- من خلال أفلام غزل البنات، وأم العروسة، ومراتي مدير عام، وخرج ولم يعد، وبين السما والأرض، سلامة في خير، الأيدي الناعمة، سي عمر، والزوجة رقم 13، لم تكن كوميديا عادل إمام موجودة في القائمة.

الكثير مما قدمه عادل إمام في أفلامه، يمكن تسميته بـ "أفلام اللمس والتقفيش" التي جعلت من التحرش أمرًا عادياً وطبيعياً ومثيرًا للضحك، رغم أنه لم يكن شيئاً عادياً قبل ذلك

أرى أن موهبة سعيد صالح وسمير غانم تفوق بمراحل موهبة عادل إمام ككوميديان. فغانم وصالح، اللذان ينتميان لنفس جيل عادل إمام، كلاهما صنع كوميديا تنفرج على إثرها الوجوه حتى اليوم، منذ مرسي ابن الزناتي انهزم يا منز لغاية إنتي أخدتي من اللي تحت الحوض يا لينا؟ إلا أن إمام عرف كيف يصنع الاستمرارية التي لم يحققها زميلاه. مفهوم تماماً، أن سطوة ونفوذ إمام كبيرة في الساحة الفنية المصرية، فالأكثر ترجيحاً أنه يختار فريق العمل بداية من مخرجه، وليس العكس، فمن الصعب تخيل عادل إمام يقوم بعمل اختبار أداء مثلًا، فشرعية الرجل التي تجاوزت النصف قرن، لن تجعل منه محل تساؤل، حتى لو أنه يقدم نفس الشيء منذ عقود. وهذا تحديدًا ما قد يجعل الأمر في غاية الصعوبة على أي امرأة تعرضت للمسة من الزعيم أن يتم إعتبارها شيء غير مقبول. مثلاً لا يمكن نسيان مشهدها في مسرحية الواد سيد الشغال بعد أن جلس على قدميها وظل يقبلها هي ومشيرة إسماعيل حتى تحولت المسرحية إلى "مَبوسة" كما نقول في مصر. لماذا توافق الممثلة على تقديم مشهد كهذا؟ هل لأنه عادل إمام الذي لا يمكن رفضه أو رفض طلباته؟ ولا أكل عيش؟

كثيرًا ما تخيلتُ هذا الموقف الذي تتلقى فيه إحدى الفنانات مكالمة هاتفية من مكتب الزعيم ليخبرها: إنتي مترشحة لدور مع الزعيم؟ ماذا سيكون رد فعل الفنانة الشهيرة أو الصاعدة؟ هل سترفض؟ هل ستوافق؟ هل كل الفنانات في الوسط السينمائي يعشقن الزعيم ويتمنين العمل معه؟ الواقع يشير إلى أن كل نجمات الثمانينات والتسعينات تقريباً مثلن مع عادل إمام، من أول السندريلا، انتهاءً بيسرا، لماذا؟ هل لأن نجومية إمام سترفع من قدرهن؟ لبلبة مثلًا، قدمت واحدًا من أهم أدوارها على الإطلاق مع أحمد زكي في "فيلم ضد الحكومة" أداء درامي جدًا، في حين أن أعمالها الكثيرة مع الزعيم قد لا نتذكرها.

الأمر يعود لحرية كل شخص في اختيار ما يفعل طالما أن الأمر لا يتخطى مساحات الآخرين الخاصة، لكن هل كان لهؤلاء الممثلات حرية الاختيار أو الرفض عندما حاول عادل إمام أن يلمسهن؟ لن أتحدث هنا عن عادل إمام الذي يستطيع إن يلطم أي شخص على وجهه في أفلامه، على سبيل الدعابة، وكأنه يمارس إحدى هواياته في إهانة الأخرين من أجل خلق ضحكة زائفة بصفعة على وجه ممثلين ليسوا زعماءً مثله.

دعوني أقول بشكل فيه قدر كبير من التعميم، أن كثيرًا مما قدمه عادل إمام في أفلامه، يمكن تسميته بـ "أفلام اللمس والتقفيش" التي جعلت من التحرش أمرًا عادياً وطبيعياً ومثيرًا للضحك، رغم أنه لم يكن شيئـًا عادياً أو معتادًا قبل ذلك في السينما المصرية، ويمكنكم مشاهدة أفلام من فترات متنوعة لملاحظة ذلك. وإذا افترضنا أن ما يقدمه عادل إمام هو سينما فقط، وليس له أي إيحاءات جنسية أو اجتماعية تتعلق بسطوة الذكور على الإناث، هل حدث العكس؟ هل وجدنا بطلة فيلم تمارس نفس الأفعال مع ممثل زميل في نفس المرحلة الزمنية، هل فعلت نبيلة عبيد أو نادية الجندي في أوج مجديهما الفني في فترة الثمانينات والتسعينات؟ هل لو فعلت ممثلة ذلك مع ممثل سيضحك مَنْ في السينما؟ أم سيعتبرونه إهانة لرجولتهم؟

حملة أنا أيضاً التي اجتاحت الولايات المتحدة ومن بعده العالم للحديث عن التحرش بالنساء في الوسط الفني الهوليوودي خاصة، والمجال العام بعد ذلك، لم تحظ بنفس المساحة في الوسط الفني المصري أو العربي، هل بسبب الخوف من الحديث عن حوادث كهذه حال وقوعها؟ أم أن الممثلين المصريين/ العرب الذكور يمتلكون من الشهامة واحترام المرأة ما يكفي لعدم فعل أي شيء مشين مثل هذا؟ لا أنكر أنني ما زلتُ أشاهد أفلاماً لعادل إمام، ولا أنكر أنني أحب له فيلمين على وجه التحديد، في ظني هما أفضل ما قدم على مستوى الأداء، "حتى لا يطير الدخان" (1984) والنمر والأنثى (1987)، ويمكن أن أضيف أيضـًا الإرهاب والكباب (1992)، أداءات غاب فيها عادل إمام الكوميديان الذي يريد أن يرى في الابتذال فناً، فظهرت شخصيات درامية جعلت منه ممثلًا يستحق المشاهدة والإشادة.

سيرة إمام إن ظلت بعد وفاته، لن تكون في نفس مقام ما قدمه رفاق آخرون عاصروه، فإذا نظرنا لمجمل أعمال إمام الفنية وأثرها على المشاهد، أزعم أن قليلاً منها سوف يبقى في الذاكرة المصرية أو العربية، ربما سنتذكر دوماً هذه المشاهد الفقيرة فنياً عندما استغل جسد المرأة، لكن حينها لن نضحك.