رأي

هكذا خذل كاظم الساهر ولعي الطفولي به

اعتقدت بكل براءة أنه يغني "سَلمتك مظلة" بدلاً من "سَلمتك بيد الله"
10.12.18
كاظم الساهر

شترستوك/أمير ضو

مما لا شك فيه أن أغلبنا، إن لم نقل كلنا، يحكمنا وله ما بنجم ما، في السينما في المسرح في الغناء في الرياضة وغيرها. ويحدث أن يتحول هذا الوله إلى ما يشبه العلاقة مع هذا النجم، علما أنها علاقة لا تقع تحت طائلة العلاقات المألوفة كالصداقة أو الأخوة أو الحب، هي علاقة فوق التسميات ولكنها قائمة على كل الأحوال ووحدهم المصابون بداء الوله يدركونها. والحقيقة أنني من بين هؤلاء المصابين بهذا الوله. فقد كنت طفلة صغيرة عندما استمعت للمرة الأولى لـ "قيصر الأغنية العربية" كاظم الساهر وهو يغني أغنيته الشهيرة "سلمتك بيد الله" التي اعتقدت بكل براءة انه يقول "سَلمتك مظلة." ومنذ تلك اللحظة لم أخرج من مظلة أغاني الفنان العراقي كاظم الساهر. همت في البداية بالأغنية التي أصبحت النشيد الأقرب إلى قلبي لأشهر طويلة ثم انتقلت إلى صاحبها.

كنت في البداية أسعى لإيجاد أغانيه والاستمتاع بها كطفلة لا تفهم جيداً معنى الكلمات ولكنها تنتشي بإيقاعها، شيئا فشيئاً كبرت وكبر فهمي لكلمات هذه الأغاني وبت أبحث أكثر في سجل الساهر الحافل بروائع الأغاني خاصة أغاني البدايات التي ساهمت إلى حد كبير في نجاحه عربياً وحتى عالمياً على غرار (ليلى، لا يا صديقي، باب الجار، ابعد عني يابن الناس، عبرت الشط، بعد الحب، سلامتك من الآه، يا العزيز). دَربتني أغاني القيصر في عُمر مبكر على الحب الحقيقي على صدق العواطف على نبذ الكذب والخيانة ورفعة النفس ورقي الروح، وقدسية المرأة.

أذكر وأنا الفتاة التي تعودت لعب دور الشخص الأمين على أسرار الأصدقاء والزملاء والنصوح والمعالج أحياناً والمتكتمة على كل تفاصيلي الخاصة أن أجعل من أغاني القيصر فضائي الذي يشاطرني حكاياتي التي وددت دائماً أن تبقى مدفونة في داخلي. وعليه كانت مثلا "ها حبيبي" رفيقة أيام الحب الأولى ما كنت أفرغ في لقاء غرامي حتى أجدني مدفوعة نحوها أستمع إليها بصوت عالي احتفالاً بفرحة قلبي وتخليدا للحظة جميلة، وكانت "حبيبتي والمطر" رفيقة الشتاء كنت ولازلت احتفل بالمطر بهذه الأغنية. في البداية، كنت أكتفي بأن أخلد ليلاً إلى فراشي وعلى وقع المطر والشتاء أستمع إليها لمرات متتالية، ثم وجدت أن هذا لا يرضي جنوني فصرت أستغل مساءات المطر اللذيذة لأضع السماعات بأذني طبعاً بعد أن أضغط زر الأغنية بهاتفي الجوال، وأجوب الشارع فيكون للمطر والشتاء والمساء لون آخر- لون قوس قزح.

وأذكر، شأني شأن الجميع، أنني مررت بأوقات صعبة وحزينة ولطبعي الكتوم لم ينتبه حتى أصدقائي المقربين إلى حزني الذي كنت أتقن تغليفه بالابتسامة ولكن أغنية "معلم على الصدمات" كانت حسبي دائي ودوائي في ذات الوقت، فكمية الشجن التي بها تعيد ترتيب أحزاني حينا ولكن ذلك الشجن كان يعري ألمي ويضعني وجها لوجه معه ويخيرني بين أن أهزمه أو يهزمني - وكنت أهزمه. أما "ليلى" فهي رفيقة الحب والفرح والحزن والجنون هي عنوان أشياء كثيرة بالنسبة لي لا موعد محدد يأخذني إليها فكل الأوقات مشدودة إليها. والحقيقة أن قائمة أغاني القيصر التي رتبت وفقها مزاجي وأفراحي وآلامي طويلة ويطول شرحها.

وجدتني أنا الإعلامية التي تقبل إخضاع كل شيء مهما كان مقدسا للنقد والقراءة، أستشيط غضباً إذا قرأت أو سمعت ناقداً أو صحفياً أو فناناً ينتقد كاظم الساهر

كنت في كل هذه الفترة مأخوذة إلى حد كبير بالساهر حتى أنني لا أسمح للمقربين مني بانتقاده، أمامي على الأقل، وأشن هجوماً كبيراً إذا ما تجرؤوا على هذه الفعلة، بل وجدتني أنا الإعلامية التي تقبل إخضاع كل شيء مهما كان مقدسا للنقد والقراءة، أستشيط غضباً إذا قرأت أو سمعت ناقداً أو صحفياً أو فناناً ينتقد كاظم الساهر. لم يخطر ببالي للحظة أنني سأقوم بهذا الدور، لم أتوقع أن يدفعني القيصر، الذي أهيم به، لانتقاده.

كان ذلك بعد حفله الأخير في مهرجان قرطاج الدولي في 31 يوليو الماضي الذي أبدع فيه القيصر وأمتع وسحر محبيه ولكنه خيب أمالهم أيضاً. لست أدري إذا كان الأمر يتعلق بجمهور قرطاج فقط أو بكل جماهيره، فقد دأب كاظم الساهر في حفلاته على هذا المسرح العريق أن لا يضع برنامجاً واضحاً لأغانيه وأن يغني حسب إملاءات الجمهور ورغباته، وقد كان وفياً لعادته هذه المرة أيضاً ولكنه كان انتقائياً. قد يقول البعض أن الساهر وفي حضرة الآلاف من الجماهير لا بد أن يكون انتقائياً لأنه لن يستطيع تلبية طلبات الجميع، وهذا أمر بديهي، لكن يبدو أن انتقائية القيصر هذه المرة كانت مدروسة إلى حد أنه تعمد غض الطرف عن أغاني البدايات وانحسر تفاعله في دائرة أغاني الجديدة وبعض قصائد نزار قباني، رغم وعي الساهر أن غالبية هذا الجمهور مرتبط بشدة بأغاني البدايات التي صنعت مجده.

إعلان

كانت اللافتات والأصوات التي تنادي بـ"ليلى ويا العزيز والمستبدة ووو" لا تحصى، لكن القيصر صم أذنيه بل إنه ومع إصرار الجمهور على أغنية "ليلى" خاصة قال ضاحكاً "ليلى نامت." كيف استطاع الساهر أن يطرد "ليلى" بتلك البساطة وأنا التي كنت أردد بثقة لصديقتي قبل الحفل إن القيصر يعرف جيداً ماذا تعني هذه الأغنية بالنسبة لجمهور قرطاج لهذا لن يتجرأ على رفض أدائها، ولكنه فعلها وتجرأ على ركلها باكراً. لم يسبق أن وقف القيصر على هذا المسرح دون أن يغني ليلى التي تحولت إلى عادة ثابتة بالنسبة إلى هذا الجمهور الذي يرتب موعده معه بتوقع سماع عناوين مختلفة إلا ليلى فلا نقاش فيها فهي الطبق المفضل.

ماذا كان يريد القيصر أن يقول بأن "ليلى نامت"؟ هل هو إعلان عن تخليه عن الأغاني التي صنعت ربيعه وقدمته في أبهى حلة؟ هل أصبحت أغاني البدايات تثقل كاهله إلى حد أنه لم يعد مستعداً لإدراجها في حفلاته؟ هل أن أغنية "دلوعتي" بكل بساطتها ومستواها الفني المتواضع الذي لا يرتقي إلى قيمته وقيمة الشاعر كريم العراقي باتت في نظر القيصر أحق بأن تؤدى أمام الآلاف من ليلى وأخواتها؟ كاظم الساهر بإحالته "ليلى" للنوم أذنب ذنبين الأول أنه خيب انتظار آلاف المحبين الذين صرخوا حتى بحت أصواتهم، وكنت بينهم، من أجل سماعها مباشرة وهم معذورين في ذلك لأن للقيصر سحر على المسرح لا يضاهيه فيه أي فنان آخر برأيي. والثاني أن الساهر تنكر للأغنية التي أدخلته لتاريخ الموسيقى العالمية، فقبل 16 سنة احتلت هذه الملحمة الفنية المركز الأول عربياً والسادس عالمياً في استفتاء هيئة الإذاعة البريطانية BBC لأفضل أغنية في القرن العشرين وهو انجاز ربما لم يسبقه إليه أي فنان عربي.

ويبدو أن الفنان العراقي الكبير قد سقط في هذا المطب سهواً، ونسي أنه كان يقف على ركح المسرح الذي كان ومازال حاضنته منذ بداية التسعينات، وأمام الجمهور الذي ظل وفياً له منذ تلك الفترة حتى اليوم لأنه مازال مأخوذاً بروائعه بالأساس. ربما نسي أن هذه الآلاف التي تحجز لحفله قبل أسابيع إنما تفعل ذلك مدفوعة بحنينها لأغاني البدايات. احسب أن كاظم الساهر أكثر نضجاً ووعيًا وإدراكاً بأن الموسيقى الجميلة كلمة ولحناً تعيش زمنا طويلاً وتمنح أصحابها الخلود وأن الأغاني التجارية، برأيي الذي يحتمل الخطأ والصواب، مهما انتشرت ومهما علا شأنها، فهي محض ظاهرة عابرة ستأخذ حيزاً ضيقاً من الوقت ثم تندثر وتنسى دون أن تترك أي عبير وراءها.

في السنوات الأخيرة أدرج الساهر بعض الأغاني التي لا ترتقي إلى المستوى الفني التي عهدها جمهوره، ولكن وجود سجل من الأغاني الساحرة كان يخفف الأمر

أستطيع القول، والأمر يعنيني أنا العاشقة للقيصر، أن الساهر في السنوات الأخيرة أدرج بعض الأغاني التي لا ترتقي إلى المستوى الفني التي عهدها جمهوره، ولكن وجود سجل من الأغاني الساحرة كان يخفف الأمر ويمنحه هامشاً لمجارات نسق الأغاني "التجارية الهابطة" وجعله خارج دائرة نقد محبيه الذين أدرجوها عن غير قناعة وتحت طائلة الوله به في خانة التنويع وعدم التكرار. ولكن أن يضع أيقوناته الفنية على الرف فإنه حتماً قد فتح أبواب الانتقاد على مصراعيها. وإذا كان سجل البدايات، الذي بات ثقيلاً عليه، قد شكل دائما درعاً صلبا وجواز سفر لقلوب عشاقه الذين لا يحصوا، فإن التنكر له ومحاولة ركنه جانبا من أجل "دلوعتي" وأخواتها سيفقده الكثير.

لن أجادل أحقية القيصر في التنويع والتجديد وأن يختار الصورة التي يريدها لنفسه، لن أجادل أحقيته في التغيير وخوض تجارب فنية جديدة تحاكي العصر بمتغيراته ونسقه السريع والمُتغير والمتجدد، لكن باسم ذلك الوله الطفولي، أسمح لنفسي أن أقول للساهر إن المسيرة الفنية التي نحتها طيلة السنوات الماضية بكل زخمها وجمالها وعبقها، تحتم عليه الحفاظ على ذائقة فنية تليق به، تليق بقيصر الأغنية العربية.