مرأة

فحص العذرية بالمغرب إجراء يشرعه المجتمع وتتجاهله السلطة

يمثل الإهانة الأشد للمرأة وانتهاك صريح لحقوق الإنسان
28.11.18
عذرية المغرب

"لا يمكن أن أنسى ذلك اليوم الذي أجبرتني فيه والدتي على اصطحابها إلى أحد العيادات الطبية للقيام بكشف العذرية قبل أيام من موعد زواجي رغم اعتراضي المتواصل على هذه الخطوة. كان غضبها يشتد كلما تمسكت بالرفض وتعتبر موقفي هذا دليلاً على أنني وقعت في "الخطيئة" ولهذا وجدتني أذهب معها مكرهة. بعد انتظار بدا لي معادلاً لسنوات وجدتني في مواجهة الطبيب، حاول تهدئتي وإقناعي بأن المسألة بسيطة وأنني لن أتوجع. لم يكن يفهم أن ألمي الحقيقي كان يكمن في وقوفي أمامه دون إرادتي ليفحص أكثر الأشياء خصوصية بالنسبة لي كفتاة. تمددت فوق سرير أشبه بطاولة وطلب مني نزع ملابسي الداخلية بدا لي وكأنه يطلب مني أن أرمي نفسي من ارتفاع شاهق. بعد محاولات أقنعتني مساعدته بذلك ولكن لم أستطع الارتخاء حتى أن الطبيب كاد يفقد صوابه من شدة تصلب جسدي الذي بدا رافضاً تماماً. وبعد محاولات وتطمينات تراخيت قليلاً عندها بدأ الكشف يدوياً، ونظرا لأنني لم أستطع الارتخاء فإن إصبع الطبيب التي كانت تقوم بمهمة الكشف وجدت صعوبة في الولوج لتبين عذريتي من عدمها وهو ما آلمني بشدة، عدا إحساس الإهانة الذي كان يعتريني وأنا بين يدي هذا الغريب يقلب أكثر أعضائي حساسية لا لشيء إلا لأثبت لأمي قبل الآخرين أن هذا العضو اللعين مازالا "عفيفا". ولهذا عندما لملمت نفسي بعد هذا الفحص الكريه ومنحني الطبيب الشهادة رميتها بين يدي أمي لم أستطع النظر إليها." هكذا روت لنا إيمان، 31 عاماً، موظفة، حكايتها مع فحص العذرية الذي وصفته بأنه "الإهانة الأشد للمرأة."

فيما تتجه أغلب الدول العربية للتخلي عن إجراء فحوص "كشف العذرية" على النساء قبل الزواج، يتشبث المجتمع المغربي بالقيام هذه الخطوة إيمانا منهم بأن مفهوم العذرية يبقى دائماً مرادفا للشرف. وكشف العذرية هو فحص تخضع له المرأة قبل الزواج للتأكد من كونها بكراً أم لا وذلك عن طريق فحص غشاء البكارة. ويقوم بهذا الفحص طبيب عام أو طبيب مختص في أمراض النساء والولادة.

ورغم عدم اشتراط وثيقة "كشف العذرية" ضمن وثائق الزواج قانونياً، إلا أن أغلب العائلات المغربية تتمسك بهذا الإجراء كوثيقة أساسية لإتمام مراسم عقد الزواج رغم انتهاكه لحرمة المرأة وتكريسه للعقلية الذكورية في المجتمع. وتتخذ السلطات المغربية موقف المراقب لهذه الظاهرة دون أن تستجيب للنداءات الدولية والداخلية لمنع هذا الإجراء، متذرعة بكونها لا تشترط قانونياً تقديم هذه الوثيقة، ولكن دون أن تطرح في الآن ذاته قوانين أو إجراءات ردعية لمنعها.

إعلان

وتستعد الجمعية المغربية للعلوم الجنسية لتقديم مشروع قانون يقضي بمنع إجراء هذا الفحص، لكونه خطوة مهينة للمرأة وتنتهك حقوقها. وجاء ذلك على لسان رئيس الجمعية المغربية للعلوم الجنسية، والاستاذ بكلية الطب رشيد بوطيب الذي صرح منذ فترة بأن الأطباء سيتقدمون بمشروع قانون إلى وزارة الصحة لإلغاء شهادة العذرية واعتمادها فقط في حالات الطب الشرعي وقضايا الاغتصاب الجنسية. ولكن من غير المرجح أن تتجاوب الحكومة المغربية مع هذه الخطوة نظرا لتمسك نسبة كبيرة من المجتمع المغربي وبما في ذلك المرأة نفسها بإجراء هذا الفحص والتعاطي معه على أنه دليلاً دامغاً على شرف الفتاة المقبلة على الزواج ويجدون نوعاً من الرضا الفخر في التشهير به خاصة أمام عائلة الزوج.

بعيداً عن بشاعة هذه الفحوص وعدم أخلاقيتها، فإن ربط بين غشاء البكارة والعذرية لا يمت للواقع بصلة. فكما أوضح بوطيب في لقاء مع طلبة كلية الطب في المغرب مؤخراً، أن وجود غشاء البكارة لدى الفتاة من عدمه لا يدل على أنها لم تمارس الجنس ويضيف: "من جهة، الغشاء يمكن أن يكون محصناً ولا يتعرض لأي نزيف في أول علاقة جنسية. ومن جهة ثانية فمن الثابت علمياً، أن الغشاء لدى الفتاة يمكن أن يكون مفتوحاً منذ ولادتها، وهذا لا علاقة له بممارستها علاقة جنسية."

هذه المعركة ليست مع السلطة فقط لفرض قانون يمنع هذا الإجراء بقدر ما هو صراع مع عقلية المجتمع وهذا يحتاج وقتاً طويلاً وجيلاً برؤية مختلفة للمرأة ولجسدها

هناء، 34 عاماً، ممثلة سينمائية، تعرب عن رفضها الكبير لإجراء هذا الفحص المهين للمرأة رغم أنها خاضت تجربة الفحص بشكل اختياري سعياً منها لمعرفة نفسها وليس لإثبات عذريتها، وتقول: "لم يجبرني أحد على إجراء فحص العذرية ولكن ومن منطلق معرفتي بأن هناك فتيات يولدن بدون غشاء بكارة وأخريات لديهن بغشاء سميك أو رقيق. ونظراً لمحدودية الثقافة الجنسية داخل المجتمع أردت أن أعرف طبيعة عذريتي حتى أتجنب حدوث أي مشاكل مع زوجي مستقبلاً. وحسنا فعلت لأن غشائي كان مطاطياً ومعرفتي بالأمر جنبتني أي صدام لأنني أعرف جيداً أن الغشاءين المطاطي والسميك يتسببان في مشاكل كبيرة للمرأة بسبب جهل الرجل للأمر."

ولشرح الفرق بينهما: الغشاء المطاطي يتمدد أثناء الاتصال الجنسي مع ولوج العضو الذكري ويبقى سليماً تماماً ولا يتمزق لذا لا يعقب الاتصال الجنسي أي نزول للدم، ولا يتم فض غشاء البكارة المطاطي حتى مع تكرار الاتصال الجنسي. ولهذا في حال عدم توفر الثقافة الجنسية عند الرجل يتوقع أن الفتاة قد فقدت عذريتها نظراً لإرتباط فض البكارة بنزول الدم. أما الغشاء السميك فلا يوجد به فتحة لنزول الدم وبالتالي لا يتمزق بسهولة بل ولا يسمح بالجماع. ونظراً لعدم وجود فتحة بهذا الغشاء، فعادة يتم تشخيصه في سن مبكرة لعدم نزول دم الحيض. وعلاج هذه الحالة هو إجراء عملية جراحية بسيطة للفتاة يقوم الجراح بعمل فتحة صغيرة بالغشاء لتسمح بمرور الدم.

إعلان

ورغم قيامها بالفحص تتمسك هناء بضرورة سن قانون يمنع الإستمرار في القيام بهذا الإجراء وأن ينظر إلى المسألة كحرية شخصية تعالج بين الزوجين وتضيف: "أغلب الشباب المغربي لا يزال يعطي لنفسه الحق في الدخول في علاقات كاملة مع أكثر من امرأة خارج إطار الزواج، ولكن عندما يفكر في الزواج يسمح لنفسه باشتراط الارتباط بفتاة دون سوابق جنسية أو ما يعبر عنها الفتاة "العفيفة" التي لم تلمس من غيره، ولا يتردد في طلب كشف العذرية حتى يشبع هذه النزعة الذكورية."

وترى هناء أن منع إجراء فحص العذرية لا بد أن يتم تنصيصه قانونياً شأنه شأن بقية الحقوق التي تناضل المرأة المغربية من أجل تحصيلها. ولكنها لا تتوقع أن يتم هذا الأمر قريباً وبسهولة لأن المجتمع يشرعن هذا الإجراء، بل إن المرأة نفسها تقبل على القيام بفحص العذرية إيماناً منها بأنها شهادة عفة وتضيف: "هذه المعركة ليست مع السلطة فقط لفرض قانون يمنع هذا الإجراء بقدر ما هو صراع مع عقلية المجتمع وهذا يحتاج وقتاً طويلاً وجيلاً برؤية مختلفة للمرأة ولجسدها."

اختبار العذرية انتهاك صريح لحقوق الإنسان

وتتمسك الناشطات المغربيات بالمطالبة بإلغاء فحص العذرية لما يتسبب فيه من إهانة للمرأة انتهاك لجسد المرأة عبر ممارسات ثبت طبياً أنها غير صحية والحد من حريتها لا سيما وأن الكثيرات يخضن الاختبار مُكرهات. وعدم حصر قيمتها الاجتماعية بمدى استطاعتها الحفاظ على غشاء البكارة. وشددن على ضرورة سن قانون يلزم الأطباء بعدم تقديم شهادة العذرية للمغربيات المقبلات على الزواج باستثناء القضايا المتعلقة بالاغتصاب. وقد طالب مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية المغرب بحظر "اختبار العذرية" للفتيات المقبلات على الزواج. وقال التقرير المشترك الذي صدر عن المنظمتين مؤخراً إن "الفحص الطبي الذي يقوم به الأطباء لمعرفة ما إذا كانت الفتاة قامت باتصال جنسي مهبلي، يشكل صدمة نفسية لها، كما أنه ليس له أي أساس علمي أو طبي. كما أن اختبار العذرية انتهاك صريح لحقوق الإنسان، ويمكن أن يؤدي إلى نتائج وخيمة على صحة جسم المرأة."

ولكن حسب تقارير مغربية وتصريحات حقوقيين مغربيين فإن منع أو إلغاء شهادة العذرية بمقتضى نص قانوني يواجه رفضاً شعبياً لاسيما داخل الأوساط المحافظة التي تذهب إلى حد اتهام الجهات الحقوقية التي تدفع باتجاه إلغاء الفحص بمحاولة "إفساد الأسر المغربية ونشر الرذيلة والتشجيع على انتشار العلاقات الجنسية للمرأة خارج إطار الزواج."

إعلان

عائشة، 29 عاماً، موظفة، هي واحدة من الرافضات لمنع هذه الفحوص وتشدد على تمسكها بإجراء فحص العذرية باعتباره شهادة عفة الفتاة أمام عائلتها وعائلة زوجها، وتقول: "يحز في نفسي كثير عندما أسمع سيدات مدافعات عن المرأة تطالبن بوقف العمل بفحص العذرية رغم أنها شهادة تحمي المرأة من شكوك الرجل وعائلته وتكهنات المجتمع وتبعث الفخر لدى عائلتها التي نجحت في تربيتها تربية سليمة."

وتضيف: "عندما حددت والدتي موعداً مع الطبيب كنت على أهبة الاستعداد لذلك، كنت أريد أن أثبت لعائلة زوجي التي أبدت رغبة محتشمة في القيام بالفحص بأنني كنت خياراً صائباً لابنهم. لم أشعر بالخجل من قيامي بهذه الخطوة. كنت فخورة بنفسي وأنا استلم الشهادة من الطبيب. اتصلت بخطيبي وأخبرته بأن الشهادة جاهزة، والحقيقة تعمدت فعل ذلك لأنني أعلم أنه سيخبر والدته التي كان يهمني جداً أن تعرف حتى لا أرى منها ما يزعجني، ويكون في يدي دائماً ما يؤكد لها أنني حسنة التربية."

بشكل عام، لا يتمزق غشاء "البكارة" بشكل نهائي إلا بعد الولادة

البروفيسور خالد فتحي، أستاذ أمراض النساء والولادة بكلية الطب بالرباط، يشير في مقابلة معنا الى أن فحص العذرية غير شائع بالمغرب كما يوحي النقاش المحتدم بعد تقرير الأمم المتحدة، وأن هذا الفحص يطلب أكثر في المناطق الريفية. ويضيف أن شهادة العذرية ليست من وثائق الزواج. "ما يطلب هو شهادة الخلو من الأمراض المعدية وبالتالي ليس في القانون المغربي ما يجعل هذه الشهادة شرطا من شروط صحة العقد،" ويضيف: "من خلال تجربتي كطبيب مختص لا يطلب مني هذا الفحص كثيراً وغالباً يكون لإرضاء والدة العروسة بينما الخطيب لا يلح. وأحياناً أخرى يأتي الخطيبان لاستصدار الشهادة وهما قد شرعا في العلاقة الجنسية منذ الخطوبة، وهذا فقط لذر الرماد على العيون."

وأوضح البروفسور فتحي أنه عادة ما يقوم بفحص العذرية طبيب عام أو طبيب مختص في أمراض النساء والولادة. ولكن على هذا الطبيب أن يكون قادراً على معرفة غشاء البكارة وطريقة الفحص الصحيحة ويضيف: "ليس كل طبيب يستطيع حسم عذرية المرأة من عدم عذريتها. بشكل عام لا يتمزق هذا غشاء "البكارة" بشكل نهائي إلا بعد الولادة." وفي حين يرى فتحي أن المغرب لا يحتاج لقانون منع فحص العذرية معتبراً أنها حرية شخصية، اعتبر بوطيب أن قيام الأطباء بتقديم شهادة العذرية للفتاة يتناقض أولاً مع احترام مبادئ الطب الأساسية المتمثلة في السرية بين الطبيب والمريض.

وتختلف الدول العربية في التعاطي مع إجراء هذا الفحص، ففي الأردن أصدرت دار الإفتاء فتوى عام 2009، بتحريم إجراء كشف العذرية ضمن إجراءات الزواج، لكونه إجراء يتضمن إذلالاً للمرأة. وفي مارس 2016 أدخلت الجزائر تعديلات على قانون الأسرة، ألغت بمقتضاه إلزامية تقديم النساء المقبلات على الزواج لشهادة العذرية، واقتصار فحص العذرية على المغتصبات.

"رغم مرور ثلاث سنوات على زواجي لم أستطع أن أنسى تفاصيل ذلك اليوم ولم أصل بعد لقدرة على أن أسامح والدتي على تلك المرارة التي أحسستها آنذاك واحتقاري لجسدي الذي يحدث أن لا أملك القدرة على تسييره كما أريد وأن أتركه رهن مزاج تقاليد مهينة،" تقول إيمان بالنهاية مشددة على ضرورة إقرار قانون يمنع القيام بهذا الكشف مرة وللأبد.