لماذا يقبل السعوديون اليوم الوظائف التي كانوا يرفضونها من قبل؟

رسوم أنس عوض

مجتمع

لماذا يقبل السعوديون اليوم الوظائف التي كانوا يرفضونها من قبل؟

لم يعد غريبا أن تجد طالباً في كلية الطب يعمل كسائق لشركة أوبر، ولا أن تفتح بابك لطلبية مأكولات سريعة فتجد مُوصِّل الطلب سعودياً
15.11.17

يوسف حسن، شاب سعودي يبلغ من العمر 21 عاما، متوسط الطول عريض المنكبين، يلبس قميصا أبيضا يحمل شعار المطعم الذي يعمل فيه، ويُغطيّ شعره بكيس بلاستيكي بينما يحضر ساندويتشات الشاورما للزبائن. يبدو يوسف جادّا ومتحفزاً لاستلام الطلبات وتحضيرها بسرعة يتطلّبها العمل في مطاعم المأكولات السريعة، لكنه يحافظ على ابتسامة صغيرة على أطراف شفتيه. يوسف طالب جامعي يدرس في بريطانيا اضطر للانتظار حتى الفصل الدراسي الأكاديمي القادم من أجل تغيير تخصصه، فأراد خوض تجربة جديدة، وهكذا اختار أن يعمل كمُحضّر طلبيات ونادل في أحد المطاعم بالمدينة المنورة.

إعلان

يوسف هو واحد من العديد من الشباب السعوديين الذين قرّروا تحدّي نظرة المجتمع والعمل بوظائف غير تقليدية لتحقيق بعض طموحاتهم التي ليست بالضرورة ذات طابع مادي، إلا أنها حقَّقتْ لهم ما لم تُحقّقه الأعمال التقليدية. لم يتردد يوسف في العمل كنادل، لأن دافعه الأساسي كان "تحمّل مسؤوليته المادية وجمع رسوم دراسته الجامعية في بريطانيا للسنة القادمة." كانت تجربة العمل في البداية صعبة بالنسبة ليوسف ولكن وعلى الرغم من الإرهاق حيث يتطلب العمل الوقوف على قدميه لثمان ساعات تقريباً، بالإضافة إلى التقيّد بمواعيد العمل وتعلّم قيمة الالتزام التي تقتضي الكثير من ضبط النفس، إلا أن يوسف يقول أنه تعلمَّ أن يستقبل الزبائن بابتسامة: "دربّتُ نفسي وحتى عضلاتي على تحمّل الألم الجسديّ من أجل التركيز في العمل ومقابلة الزبائن بوجه بشوش بغض النظر عن مزاجي العام. تعبي ومزاجي ليس مشكلتهم، هم يتوقّعون مني خدمة مميزة ومهمتي أن ألبّي توقعاتهم."

أما عن موقف زبائن المطعم منه حينما كانوا يعلمون أنه سعودي الجنسية، فيشير يوسف إلى أنّه كان "مثار إعجاب الأغلبية، فقد كانوا يُقدّرون عدم استكباري على العمل لأنه عمل شريف في النهاية." مع ذلك، لا يخفي يوسف أنه يرى "نظرات استغراب وتعجّب في وجوه الناس" لأنهم كما يقول غير متعوّدين على "رؤية نادل من بلدهم يأخذ طلباتهم." لكنه يظلّ متفائلا أن "هذا الأمر سيتغيّر بالتعوّد ومرور الزمن."

وقد أطلقت السعودية منتصف عام 2011 عدداً من البرامج الرامية لإصلاح سوق العمل ورفع نسبة السعوديين العاملين في القطاع الخاص. فيما دعمت الحكومة عددا من المشاريع لتوسيع الدور الذي تلعبه كليات ومعاهد التدريب التقني والفني ضمن محاولتها لتقليص نسبة البطالة بين الشباب، والتي وصلت إلى 12 بالمئة للذكور و34.5 بالمئة للإناث للربع الرابع لعام 2016، فيما ارتفعت النسبة إلى 57.5 بالمئة للحاصلين على بكالوريوس أو ليسانس على حسب نشرة سوق العمل التي أعلنت عنها الهيئة العامة للإحصاء. أدى ضغط البطالة إلى تغيير خارطة سوق العمل واختلف توزيع العاملين على القطاعات، فصار السعوديين يتوجّهون توجّها جديدا ويَقبلون بوظائف غير تقليدية لم يكونوا يعملون بها من قبل. فلم يعد غريباً على سبيل المثال أن تجد النادل في المطعم أو المقهى سعوديا، ولا أن تجد طالبا في كلية الطب يضع معطفه إلى جانبه وهو يتكسّب من سيارته الخاصة من خلال عمله كسائق لشركة كريم أو أوبر، ولا أن تفتح بابك لطلبية مأكولات سريعة فتجد مُوصِّل الطلب سعودياً.

الناس لا تملك إلا الانتقاد فقط

ع. ع. والذي يبلغ من العمر 42 عاماً وهو خريّج جامعيّ (قسم قانون) ولديه عمله المكتبي الخاص، كان يطمح أن يصبح طياراً مدنياً، إلا أنه قرر العمل كسائق في شركة أوبر قبل شهر. وبالرغم من تردّده في العمل كسائق خوفا من النظرة الاجتماعية، إلا أن ما دفعه للعمل هو رغبته في "التعرف على أماكن جديدة وأنماط شخصيات مختلفة، بالإضافة إلى تكوين بعض العلاقات الاجتماعية الجديدة." وقد وجد ع.ع في عمله وسيلة "لشغل وقت فراغه بشكل إيجابي" وخبرة عملية يمكنه الاستفادة منها في مشاريعه المستقبلية. وعلى الرغم من أنه لم يُواجه أي معارضة لعمله من قبل أهله أو أصدقاءه، إلا أنه يُفضِّل ألا يَعلم عن عمله إلا أقرب الناس، لقناعته بأن "الناس لا تملك إلا الانتقاد فقط" وهذا ما يجعله يقصر الأمر على "الأشخاص المشجعين له" تجربة العمل كسائق أوبر أتاحت لـ ع.ع التعرّف على الأحياء المختلفة وطبيعة سكانها، من خلال التردّد على مناطق معينة ومشاكل وملاحظات الزبائن التي يشاركونها خلال الرحلة، مما أفاده في تكوين فكرة عن الخدمات المتوفرة وغير المتوفرة بكل منطقة، ومعرفة المناطق التي بحاجة إلى مقاهي ومطاعم. يقول:"هذه المعلومات يدفع المستثمر عليها مبالغ كبيرة لما يسمى بدراسة جدوى."

رسوم أنس عواد

أما عن تقبّل الزبائن له كسائق سعودي، فيؤكد ع.ع أن ردة الفعل عادة ما تكون إيجابية بل أن كونه سعودياً كان "عامل مُريح للزبائن ويساعد على فتح حوار معهم" ويضيف: "لا تكن سجين كلمتين: الانتظار والمساعدة؛ انتظار قبول أحدهم أو مساعدة آخر. الآخرون عادة يلحقون بك ويتوددّون لك بعد نجاحك."

تجربة ز.م. 28 عاماً كانت مختلفة قليلاً، فقد وجد في البداية صعوبة في التعامل مع النظرة المجتمعية السلبية عندما قرر العمل كمُوصِّل طلبيات بسبب "نظرة المجتمع وعدم وجود ضمان وظيفي" لمثل هذه الوظائف، كما يقول. وعن ردة فعل الزبائن عندما يستقبلون طلباتهم منه فيقول: "كانوا يُبدون استغرابهم ويسألونني: ليش ماتشوف لك شغلة ثانية؟" والبعض الآخر كان يسأله:"ما عندك وظيفة غيرها؟" لكن معاملته الطيبة لهم جعلتْهم يتقبّلون الأمر بعد فترة. بدأ ز.م العمل في توصيل الطلبيات باستخدام سيارته التي كانت قديمة وغير مريحة، مما جعل تجربة القيادة والتوصيل غير آمنة وغير ممتعة، لكنه استطاع شراء سيارة جديدة بالتقسيط مما سّهل ظروف عمله قليلا. ويقول ز.م أنه على الرغم من الدخل السيء في بداية العمل إلا أنه يرى مزايا كثيرة له، منها عدم وجود أوقات عمل ثابتة، الشيء الذي يعطيه حرية أكبر في حياته الخاصة. هذا عدا أنه لا يخضع لتحكّم رئيس في العمل لأنه يعمل لحسابه فهو رئيس نفسه. هذا العمل ساعده على اكتشاف إمكانياته وبناء علاقات اجتماعية بالإضافة إلى زيادة دخله، الأمر الذي شجّعه على التوسّع في العمل من فرد إلى مؤسسة، والتخطيط مع مجموعة من الشباب على عمل مشروع خاص في نطاق التجارة الإلكترونية.

أتمنى من شبابنا أن يقبلوا بمثل هذه الوظائف، لأنها أفضل بمليون مرة من الجلوس في المنزل بدون إنتاجية

عمل يوسف كنادل بشكل مؤقت لتحقيق هدف وَضَعه لنفسه وهو الدراسة والعمل في مجال الإعلام وتحديدا الإعلام الفني الذي هو شغوف به. أما ع.ع. فقد ترك وظيفته المكتبيّة وعمل كسائق في أوبر لتحقيق طموحاته و البدء بمشروعه الخاص. كذلك ز.م. عمل كمُوصِّل طلبيات لزيادة دخله وهاهو يُخطِّط لتنفيذ مشروع أكبر لتوصيل الطلبيات. اختلفتْ أعمار هؤلاء الشباب ووظائفهم ودوافعهم، لكن ما يجمعهم هو أنهم لم ينتظروا وصول الوظائف التقليدية إلى بابهم، لكنهم تسلّحهم بالشجاعة الكافية لمواجهة النظرة الاجتماعية. "أغلب الشباب لم يُزرَع فيهم أن العمل الشريف وكسب الرزق من عرق الجبين لا يُنقِص من مكانة الشخص الاجتماعية، بل على العكس، هو في الواقع يكسب احترام نفسه قبل احترام الآخرين،" يقول يوسف، ثم يُضيف مُوجِّها كلمته إلى الشباب السعوديين: "أتمنى من شبابنا أن يقبلوا بمثل هذه الوظائف، لأنها أفضل بمليون مرة من الجلوس في المنزل بدون إنتاجية."

@HebaAlbeity