"انتشلتُ 250 جثة ولن أتوقف حتى تفرغ الموصل من الجثث"، تقول سرور الحسيني (23) عاماً والتي تعمل متطوعة في حملة لانتشال جثث القتلى التي خلفتها معركة الموصل بين السابع عشر من أكتوبر 2016 والعاشر من يوليو 2017.
في الشطر الأيمن من مدينة الموصل، يُمكنك أن تُشاهد الآن جُثث عناصر تنظيم "داعش" الذي كُنت تسمع عنه، أو جُثث مدنيين قُتلوا أثناء المعارك على يد التنظيم والقوات المُحررة نتيجة الضربات العسكرية غير الدقيقة على المناطق المأهولة بهم.
وعلى الرغم من مرور أكثر من ثمانية أشهر على تحرير المدينة، إلا أن المئات من الجُثث مازالت داخل المنازل المهدمة وبعض تلك التي ما تزال قائمة، وعلى الطُرقات أيضاً. تعود الجُثث للمدنيين ولعناصر تنظيم "داعش" الذين قتلتهم القوات الأمنية العراقية وطيران التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية.
سرور الحسيني مع طاقم المتطوعين أثناء انشال إحدى الجثث - الصور مقدمة من المتطوعين أنفسهم
يقول السُكان في مدينة الموصل، إن الجهود الحكومية المتعلقة بعملية انتشال الجثث، غائبة، ولا خطة موضوعة لتخليصهم (السُكان) مما يعانوه منذ أشهر. على هذا الأساس، اضطرت سرور الحُسيني التي تعمل ممرضة في الموصل، إلى تشكيل فريق تطوعي اسمه (السرور) لإطلاق حملة رفع الجُثث من أزقة وشوراع المدينة، وتحديداً في الساحل الأيمن الذي شهد معاركاً ضارية خلفت ورائها آلاف الجثث من المدنيين وقتلى "داعش".
تقول سرور الحسيني لـ "VICE عربية": "فكرت في انتشال هذه الجثث بسبب الأمراض والأوبئة التي ستنتج عنها في فصل الصيف والتي ستؤذي محافظة بأكملها". تُضيف: "واجهتنا مواقف صعبة كثيرة، خاصة تلك التي نرى فيها جثث أطفال ونساء متفحمة. من اللحظات المؤلمة أيضاً هي تلك التي تتفسخ فيها الجثث بأيدينا عندما نحملها".
سرور الحسيني مع طاقم المتطوعين أثناء انشال إحدى الجثث - الصور مقدمة من المتطوعين أنفسهم
خاطرت سرور وفريقها بأنفسهم وهو يبحثون عن الجُثث في أماكن غير آمنة لا من القنابل والعبوات غير المنفجرة ولا حتى من الأمراض التي يُمكن أن تُخلفها الجثث التي انتشلوا منها منذ يناير 2018 وحتى الآن أكثر من 250 جثة.
رائحة الجُثث تنتشر في أزقة الساحل الأيمن من مدينة الموصل، وتحت الركام هُناك أياد مقطوعة وأرجل بلا أجساد وملابس لُطخت بالدماء لكنها بلا جُثث. شعر فتاة يظهر من فتحة جدار ويد طفل تحت أكوام الأنقاض التي لم تُرفع حتى الآن.
سرور الحسيني مع طاقم المتطوعين أثناء انشال إحدى الجثث - الصور مقدمة من المتطوعين أنفسهم
الجثث التي تنتشلها سرور وفريقها عائدة لقتلى تنظيم "داعش"، فهي تذهب للطمر الصحي بمساعدة بلدية الموصل. تقول الحسيني عن سبب عدم إنتشال جثث المدنيين: "جثث المدنيين من واجب الدفاع المدني ووزارة الصحة، من أجل حفظ حقوقهم كشهداء، لأننا نطمر جثث داعش دون تمريرها بالطب العدلي".
المتطوعون يتعرفون على جُثث عناصر تنظيم "داعش" من خلال الأزياء التي كانوا يرتدونها، وعادة ما تُعرف بـ"الأزياء الأفغانية" نسبة إلى الملابس المعروف بها سكان أفغانستان (سروال وقميص طويل)، وفي بعض الأحيان يتم التعرف عليهم من أسلحتهم أو الشعارات التي يحملونها كالأعلام والمطبوعات.
لا يُعتمد الذقن في عملية التعرف على الجثث، فجميع سُكان الموصل كانت ذقونهم طويلة قبل وأثناء المعارك تلبية لأوامر وتعليمات تنظيم أبو بكر البغدادي.
هيثم الحمداني أحد المتطوعين
هيثم الحمداني (25) عاماً، وهو خريج دراسة متوسطة، لم يكن بعيداً عن بقية المتطوعين في مدينة الموصل الذين أخذوا على عاتقهم دوراً ليس من مسؤوليتهم لتنظيف مدينتهم من الجُثث وما يُمكن أن تُخلفه من مشاكل صحية. يقول الحمداني لـ "VICE عربية": "حتى الآن رفعنا 830 جثة منذ 15 يناير وحتى منتصف أبريل 2018. كل هذا نقوم به من أجل تنظيف مدينتنا وعدم ترك الجثث مصدراً للأمراض والأوبئة فيها".
المتطوعون الذين يحملون الجثث ويبحثون عنها ويضعونها في أكياس خاصة، هؤلاء لم يدخلوا أي دورة تدريبية على هذه المهمة، وكل ما يقومون به هو جهد خاص وآني يُساعدهم للتخلص مما يعانون. يُضيف الحمداني: "لم أحصل على أي تدريب. نحن نواجه مصاعب عدة، منها خطر انتقال الأمراض لنا كمتطوعين وكذلك المتفجرات التي مازالت بالقرب من الجثث".
يتحدث الحمداني عن وجود مصاعب ومخاطر في المهمة التطوعية التي يقوم بها وزملائه: "كثيراً ما نجد بعض الجُثث مفخخة ولم تنفجر. هذا أكثر ما يُقلقنا".
مهند البدراني - أحد المتطوعين
مهند البدراني (20) عاماً وهو في المرحلة الأخيرة من الدراسة الإعدادية، يصف جُثث عناصر تنظيم "داعش" بـ"القذرة" التي يجب أن ينتهي وجودها في المدينة وتتنظف منها. في إحدى المرات التي كان ينتشل فيها الجثث مع أصدقائه في مدينة الموصل القديمة، انفجرت بهم عبوة ناسفة. خرج البدراني وزملائه من دون إصابات، لكنه يقول عن تلك الحادثة: "أصعب ما واجهته".
لا شيء يدفع الشاب الذي يعيش العام الأول من عقده الثالث للقيام بهذه المهمة التطوعية، بيد أن الواجب الإنساني تجاه مدينة الموصل وسُكانها هو ماحفزه لمساعدة الناس في التخلص من جثث القتلى بحسب قوله. يشكو البدراني مثل آخرين يعملون في المجال التطوعي، من غياب الدور الحكومي في عملية إنتشال الجثث من مدينة الموصل، وهو ما يُصعب الدور الذي يقومون به ويؤخر عملية تنظيف المدينة من جثث القتلى.
لا ملامح لأغلب الجُثث التي تُنتشل وهو ما يُصعب على المتطوعين والمؤسسات الصحية التابعة للدولة العراقية، معرفة القتلى، خاصة مع مرور الوقت الذي تغيب فيه الملامح أكثر.
تشعر سرور الحسيني بالفخر لأنها تُنظف مدينتها من عناصر تنظيم "داعش" الذين دمروا مدينتها بحسب قولها. تختم حديثها مع "VICE عربية": "أشعر بفخر لأنني أحمي مدينتي من الأمراض. لا أعتقد أن هذه المهمة ستؤثر على أنوثتي التي ليس لها علاقة بهذا العمل. على العكس من ذلك، يجب أن تكون المرأة قوية لتتحمل أعباء الحياة خاصة بعد ما مررنا به من ظرف قاسي".
سرور ومهند أثناء انتشال بقايا الجثث
شاهد أيضا: "تل الرعب" … أخطر سباقات الكثبان الرملية في العالم
