إنطلق معرض الكتاب الدولي بالعاصمة السعودية الرياض يوم الأربعاء الماضي ويستمر لمدة عشرة أيام في مركز الرياض الدولي للمعارض والمؤتمرات بمشاركة أكثر من 453 دار نشر من 27 دولة بدءاً من السعودية وحتى كوريا الجنوبية، فيما تم اختيار دولة الإمارات العربية المتحدة كضيف الشرف لهذا العام. في صباح يوم الخميس، انطلقت باكراً إلى المعرض وفي بالي أمر واحد، معرفة إذا ما كانت معارض الكتاب لا تزال تجتذب الشباب السعودي في الوقت الذي أصبح العالم الإلكتروني يسيطر على تفاصيل حياتنا. وصلت إلى المعرض حوالي الساعة الحادية عشر صباحاً، في ساحة المعرض كان يتم تجهيز قرابة 20 طاولة على صف واحد، تضم مبادرات شبابية منوعة تسعى الى خدمة المجتمع وتحث على مزاولة القراءة والكتابة، تحدثت الى بعض الشباب هناك وعرفوني على تفاصيل مبادراتهم مثل مبادرة تدوير الكتاب تحت عنوان "ما كان لك سيكون لغيرك" حيث يقوم القارئ بجلب الكتب القديمة لديه والتي انتهى من قراءتها ويضعها بأرفف مخصصة لديهم قسّمت حسب نوع الكتاب بالمقابل يقوم بأخذ كتب أخرى من المتواجدة بالأرفف بدلا منها بالمجان.
كما حدثني آخرون عن مبادرة أخرى بعنوان "أيادي مضيئة" وهي مبادرة تسعى لتحويل جميع الكتب الورقية الى صوتية لمساعدة المكفوفين على القراءة، وكان هناك مبادرة الكتاب الطائر تحت عنوان "لكي لا تبقى المعرفة حبيسة الأرفف "والتي أخبرتني أحد الشابات المتطوعات هناك أن فكرة المبادرة تركز على توزيع كتب في المطارات للمسافرين لقراءتها وبعد الانتهاء منها اعطائها لأحد آخر حين وصولهم لوجهتهم وهكذا لتنتقل المعرفة بين الشعوب. ليست متأكدة من امكانية تنفيذ هذه الفكرة على أرض الواقع، ولكن المهم هو المحاولة. تركت الشباب ومبادراتهم، وتوجهت للمعرض، في اللحظة التي دخلت الصالة الرئيسية، شعرت بهدوء مريح، كنت أنا والكتب فقط، فلم يكن هناك الكثير من الزوار في ساعات الصباح الأولى مما يعني أنني سأتمكن من زيارة كافة الأروقة بسهولة والتسكع مع الكتب التي أحبها، ولكن لم تمر الساعة الأولى وبدأ الزوار بالوصول.
كنت قد واكبت ضجة مواقع التواصل الاجتماعي بكتاب يشارك في المعرض هذا العام بعنوان "توصون شي ولاش" للشاب السعودي عبد الرحمن جفين القحطاني، 20 عاماً، أو كما يطلق على نفسه "ابو جفين،" وهو أحد نجوم مواقع التواصل الاجتماعي في السعودي، فهو معروف بمشاركته مقاطع شعرية وكوميدية على حسابه على انستغرام، حيث يتابعه 2.3 مليون. هذا الكتاب وصاحبه تسبب بعاصفة من الانتقادات على وسائل التواصل الاجتماعي، البعض اعتبر الكتاب آخر مسمار دقّ في نعش الأدب العربي، وقام ناشطون بنشر مقاطع من الكتاب ساخرين من محتواه ومن سماح المعرض بتنظيم حفل توقيع له. على الجانب الآخر، هناك من رأى أنه من حق أي شخص أن ينشر كتاباً فـ "التفاهة نسبية ويختلف تقديرها من شخص لآخر ولا يمكن منع كتاب في المعرض لمجرد أن مؤلفه تافه." ويبدو أن وجهة النظر الثانية هي التي مالت الكفة لها، في طريقي لحفل التوقيع المنتظر، شاهدت كان هناك roll up بطول مترين للكتاب وعليه صورة أبو جفين في صالة المعرض المخصصة للكتاب السعوديين، وبعد خطوات رأيت تجمعاً من المراهقين يصطفون بانتظار أبو جفين. حفل توقيع الكتاب لم يجر كما تمنى الكثير من الزوار الراغبين في توقيع وصورة مع أبو جفين، فقد تبين أنه مُنع من توقيع كتابه في منصة التوقيع المخصصة في المعرض، وتم التوقيع بالنهاية في كشك دار النشر "دار تقاسيم" في المعرض. القليل من الدراما هو جزء من عالم الكتب، أليس كذلك؟
تركت أبوجفين ومعجبيه، وتوجهت الى صالة أخرى، كان هناك عدة كتب أثارت استفزازي واستفزاز القرّاء الذين تحدثت معهم والذين عبروا عن رفضهم لوجود روايات وكتب "ذات محتوى ضعيف" في معرض يحمل عنوان "الكتاب مستقبل التحول،" كتب من نوع "طريقك الى قلب زوجك" و"العلاج السحري لتحسين علاقتك الزوجية" وطريقك "للتعرف على الجنس الآخر" وغيرها من القصص الرومانسية بعناوين لا تخلو من رغبات "مدفونة" مثل "ثاني أكسيد الحنين" وعندما يحتضر الورد" و"أمرأة بلا سواحل،" ذلك بالإضافة إلى كتب تفسير الاحلام والتخلص من التجاعيد وتخسيس الوزن، ولم يخلو المعرض طبعاً من لمسة دونالد ترامب. في اللحظة التي كنت أهم بتصوير بعض هذه الكتب، استدارت احدى الزائرات ونصحتني برواية قائلة "هذه واحدة من أفضل الروايات التي قرأتها." شكرتها ونظرت للرواية التي جاءت بعنوان "امنيتي أن أقتل رجلاً."
بعيداً عن الرومانسية وهمسات السعادة، كان هناك كتابين تم منعهما من المعرض وهما رواية "ابن المجرم" لابتسام شاكوش و"نصف المسافة" لاحسان الفقيه والتي كتبت مقالة طويلة في صفحتها على فيسبوك ترفض فيها هذا القرار بوصفه"ارهاباً فكرياً." بحسب الكاتبتين، تم أخذ الموافقة لعرض الكتب في المعرض ولكنهما فوجئتا بمنع كتبهما لاحقاً لاسباب غير واضحة. وصرح المعرض على موقعه على تويتر بأن وجود قوائم الكتب على موقع المعرض لا يعني بالضرورة وجودها على أرفف المعرض.
عدت لصالة المعرض الرئيسية حيث التقيت بالأصدقاء الثلاثة محمد، عبدالله وعلي الذين لا تزيد أعمارهم عن 16 سنة، تحدثنا قليلا عن الكتب التي تعجبهم ولماذا لديهم مشكلة مع الكتب الإلكترونية. محمد يشير الى أنه جاء للبحث عن كتب تخص مجال الصحة "لا أحب الكتب الإلكترونية إطلاقاً، حاولت تجربتها ولم تعجبني. مع الكتاب الورقي أنسى كل ما حولي وأركز به وأستمتع." أما عبدالله فجاء باحثاً عن كتب في مجال التاريخ ويقول أن "الخط المطبوع يشعرني بأن الكلام حقيقي." سألتهم عن رأيهم بكتاب "أبو جفين" الجديد والضجة حوله (تشير الأرقام إلى أنه تم بيع أكثر من عشرة آلاف نسخة حتى اليوم) فقال محمد الى أنه حر بإصدار الكتاب ولكنه لن يضيّع أمواله عليه، لانه "لا يستحق القراءة ولن يضيف لي أي قيمة." وأيد ذلك عبدالله وعلي الذي قال: "أن من يشتري هذا الكتاب هو من جمهور الشخص ويشتريه لأجله فقط وليس لأجل المحتوى." وجهة نظر.
تركت الأصدقاء الثلاثة وكتبهم وتجولت في باقي القاعات، وقادتني قدماي إلى قاعة مخصصة لألعاب محاكاة الواقع الافتراضي، كان هناك الكثير من الزوار لهذه القاعة، لم أتمكن من تجربة الألعاب بسبب الدور الطويل، ولكن كان من الواضح أن العديد من الشباب جاء لتجربة هذه اللعبة أكثر من شراء الكتب. في الطريق، التقيت دانة التي جاءت للمعرض برفقة ابنها وليد. تفضّل دانة الكتب القديمة والأدب المترجم وتأخذ بتوصيات البعض وتقول أنها تلجأ في بعض الأحيان للقراءة الإلكترونية لارتفاع أسعار الكتب الورقية وعدم توفرها فبعضها يكون ممنوع من العرض، وتضيف: "ولكني أستمتع بطقوس القراءة الورقية أكثر، احتضان الكتاب ورائحة الورق وفنجان من القهوة، شعور رائع."
دانة وكتبها.
في قاعة الفنون، كان هناك مشاركة من جمعية الثقافة والفنون السعودية عرضو بها العديد من لوحات وأعمال الفنانين والفنانات السعوديين، فقد زيّنت الجدران بالعديد من رسومات الجرافيتي للرسامة نورة بن سعيدان والرسام محمد المعروف بـ big 50. أما قسم الكتب الياباني كان من أكثر الأقسام شعبية بين الزوار حيث كان هناك عدد كبير جداً من الراغبين بشراء قصص المانغا وكتب تعلم اللغة. ولم أستطع منع نفسي من طلب كتابة اسمي بالياباني، يبدو جميلاً في الصورة اليس كذلك؟
جدارية لنورة بن سعيدان
جدارية للفنان محمد big 50
اسمي -ندى- بالياباني.
بعد أكثر من خمس ساعات في المعرض، من قسم إلى آخر، تعبت وحان وقت الرحيل، خرجت من المعرض وأنا أحمل بعض الكتب التي نصحني بها زوار المعرض والبائعين، لم أشتر كتاب أبو جفين مع أنني فكرت بذلك. أهم ما في المعرض برأيي، كان جناح الكتاب المخفض في المعرض والذي يحتوي عليه من قائمة متنوعة من الكتب وبسعر رمزي هو الأقل في المعرض بقيمة 5 ريالات للكتاب، الجناج يفتقر الى التنظيم ولهذا عليك البحث عن الكتب بنفسك فقد تفاجأ بكتاب لا تتوقعه. في طريقي للخارج، شاهدت أن حصيلة الزوار من الكتب كبيرة فقد خرج أغلبهم بحقائب سفر ممتلئة بالعديد من الكتب. أمر رائع بالفعل، يبدو أن الكتب المطبوعة لا تزال مطلوبة هنا في السعودية. من قال أن العرب لا يقرأون، ولكن يبقى السؤال الأهم ماذا يقرأون.
جناح الكتاب المخفض
جميع الصور من تصوير ندى العميد.
