رأي

ملاحظات شخصية على برنامج "مجموعة إنسان"

لا تقل لي الجمهور عاوز كده؟ أتظنون أنّنا فعلاً نكترث للخلافات بين الفنانين؟
غوى أبي حيدر
Beirut, LB
4.6.19
cerine

سيرين عبد النور/يوتيوب/MBC

"حقيقة خلاف اليسا مع نانسي"… "ماذا قالت سيرين عن خلافها مع نادين نجيم؟"… هذه كانت عناوين المواقع الالكترونية الشهر الماضي، والسبب؟ برنامج اسمه "مجموعة إنسان" من تقديم المذيع علي العلياني على شاشة MBC. بحسب صفحة البرنامج على يوتيوب، يستضيف البرنامج شخصيات معروفة من عالم الفن والإعلام لـ "يتعدى خطوط مساحتهم الشخصية ليعرف أكثر عن حياتهم ومكنونات قلوبهم."

لقد شاهدت معظم حلقات "مجموعة إنسان" لأنّني أعمل في مجال الإعلام وعليّ أن أكون مطّلعة بأخبار الفن (وليس بالضرورة لأنه أعجبني) وشعرت أنه في كل الحلقات كان الجو كأننا أمام جلسة تحقيق، فالمذيع يجلس بوجه الضيف بعيداً عنه مع شاشة يعرض عليها ما يحتاج إليه من محتوى ويبدأ بالاسئلة المخيفة في ستوديو رسمي جداً وبتصميم بعيد عن القلب. تبدأ تبريرات الضيوف وشرحهم رغبةً منهم بإظهار أجمل صورة لهم ولإظهار طيبة نواياهم وهنا تتحول الجلسة إلى مستنقع من التبريرات والشروحات والكثير الكثير من الطاقة السلبية.

إعلان

أنا أعي تماماً أنّ البرنامج يهدف إلى الكشف عن الوجه الحقيقي للشخصيات وتبريء نواياهم والتي تساهم الصحافة في أغلب الأحيان في عرضها بشكل سلبي، ونعي أنّ الضيوف وافقوا على هذا وتحضروا لهذا النوع من الأسئلة، لكن بالفعل سئمنا من هذا الجو على البرامج العربية. المشكلة اليوم هو أنّنا لا يمكن أن نخاطب شخصية معروفة من دون أن نمس بأمور فارغة لا قيمة لها، مثلاً خلاف قديم بين سيرين عبد النور ونادين نجيم؟ وسؤال سياسي غريب للمغني الأردني عمر العبداللات عن علاقته بقطر ورفضه الغناء فيها بسبب "دعمها للإرهاب" (وهو ما نفاه المغني)؟ وسؤال الممثل قصي خولي عن رأيه بنادين نجيم مقارنة بسلافة معمار؟ لماذا نريد أن نعرف رأيه عن ممثلتين تختلف أدوارهما بشكل كبير؟ لماذا نريد أن نضعه بهذا الموقف؟ يعيد لاحقاً المذيع ليسأل سلافة معمار عن رأيها برد قصي وهكذا.

بالإضافة إلى أسئلة المقارنة الآراء، كان على المذيع أن يسأل ضيوفه عن قرارات فنانات أخريات، ففي حلقة، يسأل الفنانة شمس الكويتية عن رأيها بزواج أنغام. ولا نعلم ما دخل شمس بزواج أنغام وعلاقتها مع أصالة، ولماذا عليها أن تعطي رأيها بهذا الصدد؟ وفي حلقة نوال الزغبي، يستفز المذيع ضيفته بعرض فيديو لأنغام من برنامج "كاربول بالعربي" والتي صرحت به أنّها تفضل أغاني إليسا على أغاني نوال الزغبي. فتدافع نوال قائلة أنّها ايضاً تفضل أغاني أليسا على أغاني أنغام. لا يسأم المذيع من هذا. يرى أنّ نوال لم تستفز، وكانت دبلوماسية بجوابها، فيعرض عليها فيديو يظهر زيارتها لأنغام في أحد البرامج لترد عليه "شو بدي قول، لازم اكرهها لأنها فضلت إليسا." وطبعاً رأي المذيع "أنا أسأل أسئلة الناس."

الذكي في مقدم البرنامج علي هو أنّه دائماً يبرر أسئلته بالجماهير والناس. فحينما نشعر أنّ الضيف يعترض، يقول "هذا سؤال الناس مو سؤالي." وهذا أسلوب ممتاز يضغط به على الضيف. لكن لا نبرر الغاية بالوسيلة طبعاً. علي مذيع ماهر جداً برأيي، يتمتع بهدوء عالي، يسمح للفنان بأن يجيب، ولا يعارض إجاباته. المشكلة هو أنّ هدوءه هذا لا يظهره كأنّه استفزازي، فيشعر الضيف أنّ السؤال عادي، فقط لأنّه يركب أسئلته بطريقة مسالمة، أي يخرج نفسه منها ويظهره وكأنّه محايد -أي أن الممثل والمشاهد ربما لن يشعر بقساوة السؤال، إلّا لاحقاً. المشكلة هي باختيارات الأسئلة، والنوايا منها، فهو لا يملك أي شائبة في الحوار أو الكلام، على العكس هو من الأذكى في التقديم والخطاب، لكن الغاية من هذا الذكاء هو ما يزعجني.

هل يكترث الناس لرأي شمس بزواج أنغام؟ أم أنه سيكترث فقط لأن السؤال أصبح مطروحاً؟

نحن نريد أن ندخل في الحياة الخاصة للمشاهير، فهو أمر يقع ضمن الترفيه، ولكن هل يكترث الناس لرأي شمس بزواج أنغام؟ أم أنه سيكترث فقط لأن السؤال أصبح مطروحاً؟ كما ستصبح الإجابة أياً كانت ترينداً وفيديو من نوع "شاهد ماذا قالت شمس"؟ أليس من الممكن أن ندخل حياة هؤلاء الفنانين بشكل إيجابي، ليس بالضرورة أكثر عمقاً (مع أن هذا لا يضر أبداً) لكن على الأقل ضمن خطاب أكثر سلاسة وبعيد عن المقارنات والخلافات. يمكن أن نخاطب الفنان من دون أن نجعل الحلقة تدور حول رأيه بفنانين آخرين. يمكن أن نتحدث عن تفاصيل أخرى، ليس مطلوباً من الفنان تبرير الشائعات مثلاً، فهي شائعات في نهاية الأمر. مثلاً، في إحدى الحلقات، يسأل المذيع نانسي عجرم عن خلافها مع إليسا لتتفاجأ نانسي وتشرح له أنّ ليس هناك أي خلاف وأنّ إليسا هنأتها بمولودتها. فحتى نانسي لا تعلم من أين جاء المذيع بهذا الخبر الغريب. وعند سؤاله عن خلافها مع أصالة، وتحديداً حينما قال لها هل تحبين "التطنيش" أجابت بكل ذكاء، أنا أحب فن أصالة وما تقدمه. أي فصلت الفضائح الإعلامية عن موهبة أصالة.

السلبية في هذه الأسئلة هنا لا تطال فقط الضيف إنّما تنتقل لفنان لم يكن جزءاً من البرنامج، فما ذنب إليسا؟ ولمَ على أصالة أن تدخل في حلقة نانسي؟ وهل فعلاً تريد نادين أن تُقارن بسلافة معمار؟ فالبرنامج بهذا السياق لم يعد "تعدٍ على حياة الضيف الخاصة" إنّما أصبح يتعدى بذلك على نجوم لم يوافقوا على هذه الحوارات التي قد تنمّي كرهاً لا سبب له. كما علينا أن نتذكر جيدً أنّ السلبية هنا ستصل للجمهور أو ما هو معروف بالـ "فانزات"… فستهرع جماهير نادين لفتح حرباً مع "فانزات" سلافة. المزيد من السلبية. نحن لسنا بحاجة إلى ذلك.

إلى كل مقدم برامج يحاول أن يكرر اسئلة مكررة وسلبية تُسخف من عقلية النجم ومن المشاهد معاً، أرجوكم، نريد إستراحة من كل هذا

ولمن سيسأل ماذا تقترحين؟ أقول لكم أن هناك برامج ترفيهية ممتعة، مثلاً انظروا الى المقدمة الأمريكية ايلين ديجنرس الرائعة بمخاطبة ضيوفها ويمكنها أن تدخل إلى حياتهم الشخصية من دون جو "التنكيد." يمكنها أن تظهر الجانب الإيجابي من الفنّان، حتى تغير نظرتنا به. فمثلاً، حاولوا أن تشاهدوا حلقات "الكارداشيان" على برنامج Ellen، ستقعون بحبهن رغم أنّهن من "أكثر الشخصيات المكروهة." والسبب ليس فقط بهنّ، بل بالمذيعة التي وجدت طريقة للحوار أكثر إيجابية وبعيدة كل البعد عن الفوقية. فهي لا تعتبر الضيف مجرم عليها أن تحقق معه، ولا تعتبره رهينة يجب أن ترمي عليها كل الضغوطات في 45 دقيقة. هذا فقط مثال. وفي مثال آخر، تمكن المقدم اللبناني هشام حداد في مقابلته الأخيرة في برنامج "لهون وبس" مع نانسي عجرم أن يدخل في تفاصيل ظريفة جداً أوقعتنا بحبها، وحققت المقابلة نجاحاً كبيراً بدون فضايح وشائعات.

في آخر الموسم الرمضاني، نشعر أنّ الساحة الفنية تصبح ساحة مصارعة. الجميع على خلاف، هذا يشعر أنه أفضل من ذاك، وهذه تشعر أنّ هذا يحكم عليها. والسؤال… لماذا؟ ما الغاية من كل هذا وما الذي سنكسبه من هذا البرنامج؟ ولا تقل لي الجمهور عاوز كده! لا يمكن أن نحكم على المواطن العربي أنّه يريد هذه البرامج حقاً. الزمن تغير، وإن كان الجمهور عاوز كده سابقاً، فهناك نسبة ولو قليلة في أنه تغير ومش عايز كده! فهذه البرامج استنفذت تماماً في السابق. أتظنون أننا فعلاً نكترث للخلافات بين الفنانين؟ نحن لا ننكر أنّنا سنرغب بمشاهدة هذه التصريحات بتلك العناونين المستفزة، لكن لن نرغبها لو لم تكن هناك ولن نطالب بها. نحن نشاهدها فقط لأنّ هناك منبر لها، ولأنّها فرضت نفسها علينا من خلال عناوين الـ Click Bait وبسبب الفضول الغريب الذي نملكه.

سياسياً، إقتصادياً، وإجتماعياً، الشاب العربي ليس سعيداً ومعظمنا يشعر بالإكتئاب. فهل نحن بحاجة إلى نشر فيروس السلبية والسطحية على الترفيه والفن أيضاً؟ لذلك، إلى كل مقدم برامج فنية يحاول أن يكرر اسئلة مكررة وسلبية تُسخف من عقلية النجم ومن المشاهد معاً، أرجوكم، نريد إستراحة من كل هذا. ابتعدوا عن المقارنات والخلافات. مش ناقصنا!