مرأة

التفسير العلمي للمتلازمة الأبدية: مالك؟ - مفيش!

هناك عدة أسباب منطقية ونفسية واجتماعية تحول دون البوح والإفصاح
15.7.19
G from mars

مريم علي العميرة

هناك كتاب شهير جدًا، واسع الانتشار، وحقق مبيعات عالية عنوانه "الرجال من المريخ والنساء من الزهرة". بالطبع سمعنا عن هذا الكتاب، وعن مؤلفه جون جراي. الحقيقة أن هذا الكتاب، شأنه شأن أغلب الكتب التي حققت مبيعات كبيرة وأحدثت ضجة، لا يوصف إلا بعبارة إنجليزية شهيرة: overrated.. أي أنه أخذ أكبر من حجمه.

كتاب في صفحات عديدة (حوالي 307 صفحة) وفصول مديدة (13 فصلًا)، يمكن تلخيصه في جملتين: الستات بتحب تفضفض، والرجالة بتحب تخرج مع أصحابها. وقد أغفل الكتاب الظروف الاجتماعية، والبيئات الثقافية، والخلفيات الاقتصادية، ومسؤوليات كل أسرة وحجمها، وتحدث صاحب الكتاب ربما عن تجربته الشخصية. وهذا نهج غير علمي، وقد انتقده الكثير من علماء النفس لأنه لجأ إلى التنميط والتعميم.

إعلان

على أية حال، وفي كل الأحوال، هذا الكتاب سطر في مجتمع يمنح النساء حقوقًا قانونية واجتماعية تعتبرها النساء في مجتمعاتنا ضربًا من الأحلام، بل وربما تراها بعض النساء في المجتمعات العربية: عيب وحرام ويتهز لها سبع سماوات؛ لذلك، فلم يتحدث الكتاب عن شكوى رجالية منتشرة في مجتمعاتنا حول المرأة التي تسألها: مالك؟ فتجيب وهي "لاوية بوزها" على حد تعبيرهم: مافيش. ربما تتجرأ بعض النساء المتعلمات العاملات المنتميات للطبقة الوسطى العليا، وتضيف عبارة أخرى: لو مهتم كنت عرفت لوحدك.

لم يغط الكتاب هذه النقطة تحديدًا، ببساطة لإن هذا مسلك لا تسلكه المرأة الغربية، وهذا لا يعود إلى أن المرأة الغربية مرحة ونغشة ولطيفة بينما المرأة الشرقية كئيبة ونكدية وملتوية. أو ربما الأمر كذلك، إلا أن هناك ظروفا محيطة، ثقافية، واجتماعية، بل وقانونية، تدفع بالمرأة الشرقية إلى الالتواء في التعامل، مما يؤدي بالضرورة إلى:

- مالك؟

- مفيش..

لماذا لا تراجع نفسك؟

مما لا شك فيه أن التعامل مع شخص ملتو أمر خانق بدرجة كبيرة، ويضع الإنسان في حيرة من أمره، كما أن التعامل مع شخص يختلق مشكلة ويتشاجر عليها، لأنه متضايق من شيء آخر لا يريد الإفصاح عنه، سلوك تدميري، يدمر العلاقات، ويدمر الطرف الآخر، ويصيبه بالهوس، أو اللا مبالاة، وفي كل الأحوال يضعه تحت ضغط عصبي.

لذلك، فإن الشكوى التي يلخصها الرجل العربي في عبارة ساخرة: "مالك؟/ مفيش".. "لو مهتم كنت عرفت لوحدك"، تحمل في طياتها كثيرًا من الألم والتوتر والشعور بالعجز والحيرة. وبعد محاولات مضنية - أغلبها في الاتجاه الخطأ - يبدأ جل الرجال في التعامل مع ظاهرة "مالك؟ مفيش" بوصفها قضاء الله وقدره، وهو أمر نسائي حتمي، شأنه شأن الدورة الشهرية، والحمل، والولادة، ظواهر لا يمر بها الرجل، ولا يفهم ما يصاحبها من مشاعر، لكن أهي موجودة، حنعمل إيه طيب؟ أطلقها يعني؟

الحقيقة: لا.. ظاهرة "مالك؟/ مفيش" ليست أمرًا نسائيًا عاديًا مثل كل الظواهر النسائية البيولوجية. هذا أمر اختصت به النساء في منطقتنا البائسة، وفي كل منطقة بائسة. لذلك فقد قال لي صديق تزوج من أمريكية: يااااه… لما الواحد بيسألها مالك ما بتقولش مافيش.. أصلاً ما بتستناش أسألها مالك، بتيجي تقول فيه إيه على طول.

حقًا، إلا أن هناك عنصر مهم غائب في التفكير في المشكلة: لا توجد مشكلة في التعامل مع طرف إلا ويتحمل الطرف الآخر، ولو جزء بسيط منها؛ فلماذا لا تراجع نفسك عزيزي المشتكي، ولنراجع سويا الظروف المحيطة التي تؤدي إلى هذه المشكلة؟

التفسير العلمي للظاهرة:

ما هو الشرح المبسط لذلك الحوار التعيس؟ "مالك؟/ مافيش"

"مالك": تعني أن طرفًا ما يلاحظ تغيرًا في المعاملة، وفي المزاج، للطرف الآخر، ولا يعرف السبب – أحيانا يعرفه ويستعبط، أو يخدع نفسه ولا يريد أن يواجهه لأن مواجهته تستتبع اتخاذ إجراء لا يروق لهذا الطرف – لذلك فهو يسأل عن الخطب الذي أدى إلى هذا التغير.

إعلان

"مفيش": إذا افترضنا أن ملاحظة الطرف الأول صحيحة، وأن هناك بالفعل تغير في التعامل والمزاج، فإن إجابة: مفيش. تعني أن الطرف الثاني لا يريد أن يفصح عما يضايقه حقًا.

لماذا تحجم المرأة صاحبة إجابة "مفيش" عن الإفصاح بشكل مباشر؟

الطبيعي والمنطقي أن الإنسان حين يتضايق يفصح عما يضايقه، فالبوح صفة إنسانية، ورغبة ملحة بداخل المرء. لماذا إذن تحجم النساء عن الإفصاح؟

هناك عدة أسباب منطقية ونفسية واجتماعية تحول دون البوح والإفصاح:

- ربما خائف.

- ربما يشعر أنه لا جدوى من الإفصاح.

- ربما يشعر أن الطرف الآخر ينصب له كمينًا.

الخوف

هناك أسباب عديدة تدفع بالمرأة العربية إلى الخوف بشكل عام، ومواجهة نوبات قلق مستمرة، فمثلا، هي تخاف من الإفصاح عن المشكلة ربما لإنك شخص عنيف، يعني راجع نفسك كده ما جراش حاجة، ربما حين تشعر باتهام أو هجوم تنفجر صارخًا، وهذا يرهب المرأة، هي لا تريد شجارًا، ولا ترغب في أن تسمع صراخًا، ولا تحب أن يراها أطفالها وهي واقفة كالتلميذ وأنت تصرخ فيها. وهذا نوع من أنواع العنف ضد المرأة، بالطبع أنت تشعر بالمفاجأة الآن: عنف ضد المرأة إزاي؟ أنا لا باسفخ لها خدودها، ولا حتى بازقها.. إيه؟ ما اعرفش أزعق في بيتي؟

آه… ما تزعقش في بيتك، هي مش زريبة يا حبيبي. صراخ الرجل في المرأة، يعد في كل دول العالم المتحضر، الذي لا تجيب نساؤه على سؤال "مالك" بـ"مفيش" عنفا ضد المرأة، وهو يرهبها حقًا، ويخيفها، ويربكها. موضوع لما الراجل يزعق ما ترديش ده حدانا في البلد بس، حداهم بتطلب له البوليس.

ربما لأنك شخص مرواغ، وحين تدخل معك في مناقشة، تقفز من قصة لقصة، ومن منطق لمنطق، ومن دفاع إلى دفاع، مما يوترها ويشعرها بالحصار.

ربما لإنك شخص انتقامي، وقد تضمر لها حديثها، ثم تعود لتنتقم منها بشكل آخر.

إعلان

ربما أنت شخص مسالم وطيب وبلسم، لكنك تغفل حقيقة أنها تعاني من تراث طويل كامن في عقلها الباطن مفاده: ما تنكديش ع الراجل لبعدين يبص بره، ما تناكفيش فيه لبعدين يرمي عليك يمين، يعني لما تتعبيه يروح للي تريحه؟ مش عاجبك فيه ألف يعجبها.

إذن، فهي حقيقة ممزقة ما بين شعورها الإنساني بالضيق من تصرف ما أتيت به، مهما اعتبرته تافها: كأن تنسى يوم مولدها، أو عيد زواجكما، أو تتركها مع رضيع محموم وتخرج مع رفاقك، وكأنها أنجبته وحدها. أو تنسى أن تشتري لها الحلوى التي طلبتها، أو تمازح صديقتها بطريقة لا تعجبها. أو تسخر من طاجن اللحم الذي أعدته لك، هذه توافه، وأنت أيضًا تغضب من توافه، كالملح الزائد في الطعام، أو الكوب المتسخ، أو صوت صراخ الطفل وأنت نائم. وما بين تخوفها من ردة فعلك، سواء اشتملت على العنف أو الإضمار بسوء، أو الخوف من التهديدات الاجتماعية المزروعة في عقلها الباطن منذ طفولتها وقبل أن تقابلك؛ فهي لا تملك أن تمنع نفسها من الغضب، أو الحزن، أو الشعور بخيبة الأمل، مما يؤثر على سلوكها، لكنها تخاف من الإفصاح، وترغب منك في أن تحمل عنها هذا العبء بأن تستنتج أنت.

هل هناك جدوى من الإفصاح حقًا؟

راجع نفسك مرة أخرى، استعيد رنة صوتك وأنت تسأل: مالك؟.. ربما قلتها: ماااااااالك. وترجمتها: يادي القرف. أو "إيه تاني؟" أو "ييييييي". إذن فلا تتوقع إن أنت طرحت السؤال بهذه الرنة أن يجيبك الشخص. أنت صادرت عليها، أنت لا تسأل حقًا، أنت تريدها ألا تتكلم، فما جدوى الإفصاح إذن؟ من الطبيعي أن تجيب: مفيش. لأنك هاجمتها قبل أن تشرح لك ما الذي يضايقها، لأنك أشعرتها بأنها لا يحق لها أن تتضايق، لأنها تشعر بأنك تسفه من ضيقها أو حزنها أو غضبها، لذلك، فتمام… مفيش. وبالله عليك لا تدعي بأن ردة فعلها تافهة لأنها اهتمت برنة صوتك، فأنت سألت السؤال بالأساس لأنك لاحظت "لوية بوزها"، فإن كانت هي تافهة لأنها أحجمت عن الأجابة بسبب طريقة طرح السؤال، فما أتفهك وأنت تبدأ شجارا بسبب شكل "بوزها".

ربما تنصب كمينًا

راجع نفسك مرة ثالثة، هل تسألها مالك كي تعرف المشكلة وتجلس معها بهدوء لحلها؟ أم أنك تنصب لها فخًا كي تثبت المزيد من السلطة؟ بقول آخر، أنت تريدها أن تفصح عما يضايقها كي تثبت أنها غير محقة في ذلك، بل إن ما يضايقها هذا هو حق من حقوقك، وسلطة من سلطاتك، و"تقنعها"- وهي لم تقتنع لكنها تريد تجنب المشاكل أو خسارتك بأن ما قمت به إنما هو حرص عليها، ومحبة فيها، وخوف عليها، وهو حق من حقوقك، وإلا تبقى مش راجل، وبذلك، فقد كسبت أرضا جديدة في مساحة سلطاتك كذكر.

كن أمينا مع نفسك وأنت تقرأ هذا الكلام، أنا مش مراتك، يجدر بك أن تكون صادقا مع نفسك. وهي ليست غبية، وتعلم عن خططك لبسط سلطاتك، وهي لا تريد أن تعطيك مساحة أكبر، ولا تريد أن تمنحك حقا في المزيد من المضايقات. لذلك فهي تجيب: مفيش.

لماذا لا تضع نفسك مكان الطرف الآخر؟

هذه فكرة سديدة ومجربة، وتوفر الكثير من الوقت والجهد و"التبويز" والمشاكل. لماذا لا تسأل نفسك قبل أن تتصرف: لو أنها هي من قامت بهذا التصرف كيف سيكون رد فعلي؟

حين يلجأ إلى بعض المرتبطين لفك الاشتباك وحل المشاكل، أطرح هذا السؤال على الرجل: ليه مش حاطط نفسك مكانها؟ والحقيقة أن الإجابة تأتيني موحدة: فترة صمت لمدة عشر ثوان، يصحبها اندهاش يرتسم على العينين، وفتحة فم قطرها حوالي 1 سم ونصف، ثم تساؤل بانبهار: أحط نفسي مكانها إزاي؟

إعلان

آه صحيح والله، تحط نفسك مكانها إزاي؟ أنت رجل، يعني تقعد ع البساط وتاخد ست البنات كما أكدت لك السيدة الوالدة، ثم أنت رجل، أي أنك تتمتع بكامل الحقوق، الاجتماعية والأرضية والسماوية، وهي مجرد امرأة، أحط نفسي مكانها إزاي يعني؟ يعني لما أجي أكل فراخ أحط نفسي مكان الفرخة؟ لما أجي أقعد ع الكرسي أحط نفسي مكان الكرسي؟ لما أعرق في التي شيرت أحط نفسي مكان التي شيرت وإنه أكيد قرفان من عرقي؟

معلومة علمية: هي ليست دجاجة، ولا كرسي ولا تي شيرت، هي إنسان، وهناك مفاجأة ربما تكون غير سارة، لكنها حقيقة علمية أخرى مثبتة: هي تشعر مثلما أنت تشعر، وتحس تمامًا كما تحس، وتفكر تماما تفكر أنت، ويضايقها ما يضايقك، ويحزنها ما يحزنك، ويخيفها ما يخيفك، ويغضبها ما يغضبك، ويهينها ما يهينك. أضف إلى ذلك أنها تحيا في مجتمع لا يشعرها بالأمان، فلا القانون يضمن لها حقها كإنسان، ولا المجتمع يساندها بوصفها إنسان، إلا أن المعضلة أنها إنسان… فاااااا… الموضوع ده مربك حقًا، هي تعيش في إطار يعرفها بأنها غير كاملة الإنسانية، بينما خلقها الله كاملة الإنسانية، فتحس كده إنها حصان يعيش في حظيرة طيور ويحاول أن يبيض وهو ما بيعرفش يبيض، عشان هو مش فرخة أساسا ده حصان.

وأنت تريد أن تحيا سعيدًا، وكي تكون سعيدًا في حياتك الزوجية، عليك أن تتأكد من أن الطرف الآخر سعيد، والطرف الآخر يسعده ما يسعدك، ويريحه ما يريحك، ويرهقه ما يرهقك، والطرف الآخر يعاني من ضعف، ليس لطبيعته الجنسية، ولكن لظروفه الاجتماعية والقانونية التي تؤدي بالضرورة للشعور بالاغتراب النفسي.

أمامك طريقان لا ثالث لهما: إما أنك تتآلف مع الظرف الاجتماعي والقانوني المحيط بهذه المرآة، لتشكل عليها مزيدا من الأعباء النفسية، مما سيؤدي بها إلى مزيد من التعاسة، ومزيد من الحزن، ومزيد من الشعور بعدم الأمان، وفي هذه الحالة، ما تقعدش تقرفها بقى وتسألها مالك؟ عشان.. مفيش.

"اللي ما يشوفش م الغربال يبقى أعمى". أو أنك تتنبه إلى حقيقة أنها إنسان، وأنها تأتي من خلفية مضنية، وتضع نفسك مكانها. وحين تضع نفسك مكانها، لن تحتاج لسؤالها: مالك؟

ذلك لأنك تعلم "مالها"!

يمكنكم متابعة نوارة على تويتر nawaranegm@