جدل

التشجيع النسائي لكرة القدم.. جد أحيانًا ومرح يُغيظ الرجال معظم الوقت!

البنات ألطف الكائنات وكذلك "ألطف التعليقات"
1.8.19
كرة القدم

pixabay

"أنتي فتاة"، لهذا السبب فقط، لم أكن أتابع مباريات كرة القدم، لا أحد يريد أن يشارك كرته مع فتاة، مات أبي وأنا لا أعرف انتمائه الكروي، ومن بعده رفع أخي علم الأهلى فوق منزلنا، ومن أجل إثبات الذات فقط والتأكيد على أن الأنثى تستطيع أن تنافس الرجال في هواياتهم، شجعت شقيقتي الزمالك. لمرات كثيرة كان الأهلى يتصدر السباق، يتغلب طاهر أبو زيد، وربيع ياسين دومًا على جمال عبدالحميد وإسماعيل يوسف، كنت الصغرى، بالطبع لن أكون مثل شقيقي ذكر العائلة الوحيد، ولن أكون مثل شقيقتي الكبرى المفضلة، إذن سأرفع العلم الأصفر.. وشجعت الإسماعيلي.

إعلان

كان تشجيعًا صفريًا، فأنا لا أفقه شيئا في عالم كرة القدم، فقط عرفت اسم لاعب وحيد من فريق البرازيل المصري وحفظته، وصرت أهتف به في مواجهة الأهلى والزمالك وأشقائي، كان الاسم ينتهي بلقب أبوجريشة، اللاعب الذي غادر الإسماعيلي ولا أعرف إلى أين ذهب، لأسباب طفولية عرفت الكرة، ولم أفهمها، ربما كانت مستديرة أكثر من اللازم فاستعصت على فهمي، لكن بعد سنوات، استطاع جيل آخر من الفتيات أن يقتحم عالم تشجيع كرة القدم، ظهر لأول مرة في مدرجات كأس الأمم الأفريقية والتي أقيمت على أرض مصر، ثم لم يغادرن المدرجات إلا حين منعتهن الدولة، كونها تطبق المساواه بين الرجال والنساء حتى في التشجيع.

لن يلاحظ أحد بالتأكيد أن مروان محسن يستخدم مزيل عرق من النوع الجيد الذي يسمح له بأداء مباراة دون نقطة عرق واحدة، سيفسر الرجال ذلك بأنه لا يجيد الحركة في الملعب، لكن الفتيات لهن دائمًا حاسة أخرى لا يعرفها الرجال.

عبر السوشيال ميديا، لم يعد التشجيع فقط هو ما تفعله الفتيات، فقد تخطين الأمر، غادرن مدرجات المتفرجين، إلى ساحة التحليل، وصارت مباريات كرة القدم في الدوري المصري وبطولات المنتخب، أو حتى الدوريات الأوروبية، خاصة تلك التي يشارك بها"موصلاح"، عامل جذب لكثير من الشابات، هواة كرة القدم، وهواة مصارعة الرجال، أو شباك جيدة يستعملها الصياد بمهارة للإيقاع بفريسته التي تهوى الضربات الحرة غير المباشرة، هكذا تفعل ابتسام، 30 عامًا، والتي لم تكن كرة القدم ضمن قائمة اهتماماتها، قبل أن تتعرف على حبيبها الذي يعمل مصورًا رياضيًا يتابع المباريات بعدسة المصور المحترف، وحماس مشجع الأولتراس.

هكذا صارت هي "أولتراس" نسائي خاص به، تتابع مباريات الأهلي، تعلق على آداء اللاعبين، تصرخ حين يتراخون، وتفرح حين يأتي الهدف، ليس فقط التشجيع هو ما أتقنته ابتسام، لكن كذلك أدمنت استديوهات التحليل للكابتن مدحت شلبي، وإفيهات رضا عبدالعال عن آداء المنتخب. صار مرتضى منصور هو شيطانها الأكبر، والزعامة عادل شَكَلْ، هو محور الكوميكس الرياضية على صفحتها.

إعلان

تقول ابتسام: "الأفندي بتاعي بيشجع الأهلي وبيعشق الكرة، وأنا بشجع الأفندي بتاعي. بطريقتها الكوميدية تضحك مؤكدة أنها لم تكن تتصور أنها ستتعلق بكرة القدم بهذا الشكل، فرغم أن والدها زملكاوي متعصب، إلا أنها كانت تشاهد المباريات من باب الفضول ليس أكثر، لكنها الآن أصبحت تشارك حبيبها في تفضيلاته واهتماماته بالإضافة إلي جمهورها الجديد الذي ينتظر تعليقاتها الساخرة مع كل مباراة . "عندي طبعًا جمهور من الزملكاوية المتعصبين دائمي المشاكسة معي في مباريات الأهلي والزمالك، لكنهم رغم ذلك لا يتعاملون معي على أني أتدخل فيما لا أعرف، على العكس أحيانًا يشرحون لي مالا أفهمه، أما حبيبي فهو آخر من يعلق على اهتمامي بالكرة، كما حاله دوما فهو آخر من يعلم".

البنات ألطف الكائنات، وكذلك "ألطف التعليقات"، فكيف سيكون الحال إذا امتلأت صفحات السوشيال ميديا بالتحليلات العميقة للرجال، التي تركز على مهارات اللاعبين، وحرفية المدرب، وأرضية الملعب، والرباط الصليبي الذي يؤثر على مهارة اللاعب هذا أو ذاك، لن يلاحظ أحد بالتأكيد أن مروان محسن يستخدم مزيل عرق من النوع الجيد الذي يسمح له بأداء مباراة دون نقطة عرق واحدة، سيفسر الرجال ذلك بأنه لا يجيد الحركة في الملعب، لكن الفتيات لهن دائمًا حاسة أخرى لا يعرفها الرجال، هل فكر أحد المحللين من الرجال، أن نظرة تريزيجيه نحو الشباك ليست سوى أنه في هذه اللحظة تظهر أمامه حبيبته، فتتبدل أفكاره، بالطبع لا، فالجميع يفكر أن ذهنه المشوش أمام المرمى، هو سبب إهداره للفرص.

عندما تبدأ الفتيات الحديث عن فنيات كرة القدم، أتذكر على الفور معلوماتي السطحية عن أنواع الماسكرا، والفرق بين الأيلانير والديب لاينر - إذا كنت أنطقها صحيحة.

التشجيع والتحليل العميق للمباريات لم يكن وليد الصدفة، وليس مجرد رغبة في منافسة الرجال، لكنها الوراثة، والجينات، فالأب الزملكاوي، أنجب ولدًا وبنتًا حملهما بجينات حب الزمالك والتشجيع، مي سعيد، 33 عامًا، تعمل في إحدى شركات البترول، وتهوى كرة القدم، هواية من نوع خاص، تتضمن كافة الآلام والأمال، دموع الفرح و آهات الانكسار، رايات النصر، وخيبات الهزيمة، حضور المباراة في الاستاد، أو متابعتها مع الصديقات على الواتساب، كل شئ جائز في التشجيع، إلا الشماتة من الأهلاوية"بالطبع تشجيع المنتخب أهون كثيرًا من تشجيع الزمالك وخاصة في مباراة أمام الأهلي، أو مباراة أفريقية".

كرة القدم لدي مى، ليست مجرد هواية، لكنها حالة خاصة جدًا، بدأت منذ الصغر، مع الاستعدادات الخاصة لأبيها يوم المباراة، ثم محاضرات الكرة التي كان يلقيها عليها وعلى شقيقها، كي يشرح لهم خطط اللعب، وكيف تُفرّق بين مهارة لاعب وآخر، وكيف تكتشف بعينها ما ينقص اللاعب من فنيات، يمكنه إن أتقنها أن يتحول إلى محترف عالمي. "كثيرون من أصدقائي الذكور يتناقشون معي في آداء اللاعبين، وفنيات المباريات، غالبًا البنات لا تعرف ذلك، وقليلات هن من يحاولن وينجحن، والأغلب يبحثن عن الفولورز".

إعلان

"المطبخ يليق بكن"، يقول محمد مصطفى 33 عامًا، معلقًا على حالة التشجيع النسائي ، التي فاضت بها مواقع التواصل الاجتماعي. "لا أخفي بالطبع أن لي صديقات عزيزات مهتمات بالكرة، ويقمن بتحليل معظم المباريات، سواء في الدوري المصري، أو الأوروبي، لكن مع الأسف أود أن أخبرهن، أنني لا أقرأ حرفًا مما يكتبنه".

يرى مصطفى أن إقحام المرأة لنفسها في الرياضة، هو نوع من الشو والموضة الجديدة، فلماذا لا نجربها "عندما يبدأن الحديث عن الفنيات، أتذكر على الفور معلوماتي السطحية عن أنواع الماسكرا، والفرق بين الأيلانير والديب لاينر - إذا كنت أنطقها صحيحة. ينفى مصطفى عنصريته تجاه النساء، ويؤكد أن وجود الفتيات في المدرجات يمنحها بهجة وجمال لا يقارن بما يفعله الذكور فيها، لكن أشدد في المدرجات، وليس أمام الشاشات، فالفتي النسائي يفقد الكرة متعتها، وهي آخر ما تبقى لنا من متع.. ماهو مش معقول تسألني أوفسايد ده بيلعب مع مين؟!".

"الكرة للجماهير"، لا تفرق بين ذكر وأنثى، فالجميع في عشق الساحرة المستديرة سواء، هكذا يراها الكاتب الرياضي، أحمد عبدالله (31 عامًا)، مؤكدًا أن هناك فتيات يجدن بالفعل التحليل الكروي، ويفهمن بشكل جيد في فنيات اللعب والخطط الكروية، لكن هذا أيضًا لا يمنع أنه يوجد أخريات هدفهن البحث عن شو، أو مجرد تشجيع حماسي لمشاركة حبيبها أو زوجها هوايته المفضلة، لكن بالطبع لا يملكن نفس القدر من الوعي الرياضي الذي يمتلكه النوع الأول".

أسباب متعددة لإقبال النساء على تشجيع كرة القدم، منها الانفتاح على العالم من خلال القنوات الفضائية ومواقع التواصل الاجتماعي، وانفتاح المجتمع على أنشطة جديدة بعد الثورة، لكن الظاهرة ليست مرتبطة بحركة نسوية خاصة فيما قبل ثورة يناير، فهي بدأت مع كأس الأمم الإفريقية في 2006، ومن بعدها جرت الأمور كما جرت".

ككاتب رياضي لا يستطيع عبدالله إغفال حقيقة أن هناك بعض التحليل النسوي قائم على فهم عميق بالكرة، وبالتالي لا يجد سببًا يمنعه من الاستعانة بآرائهن في بعض الأحيان، التشجيع النسائي لكرة القدم لم يفسد استمتاع الرجال بها كما يرى عبدالله، بل خلق أرضية جديدة يمكن من خلالها التواصل بين الجنسين.