عريضة
Photo by niklas_hamann on Unsplash



ثقافة

توقيع العرائض على الإنترنت: هل يحدث أي فرق؟

أوقع على عرائض تتعلق بقضايا تهمني وأريد المحاربة لأجلها. التوقيع على عريضة من عدمه لن يقدم أو يؤخر
2019 ديسمبر 11, 11:45am

"أوقفوا احتراق غابات الامازون." "امنعوا وضع الأناناس على البيتزا" "حاسبوا الباباراتزي الذي كسر ظفر بريتني سبيرز." عرائض أو Online Petitions لامتناهية ستجدها على الإنترنت، منها ما له معنى، ومنها ما يجعلك تشك بمعدل ذكاء بعض الأشخاص. ولكن، بغض النظر عن القضية، هل تصنع هذه العرائض أي فارق في الواقع؟ فإذا كانت التظاهرات وحرق الإطارات واغلاق الطرقات لم تنفع مع أصحاب القرار، هل ستفرق معهم عريضة؟

تاريخياً، يقال أن أول عريضة ظهرت في مصر القديمة، عندما طالب العبيد - الذين كانوا يبنون الاهرامات - بتحسين ظروف أعمالهم. انتشرت فكرة العرائض حول العالم مع مرور الوقت، فبين عامي 1780 و 1918 مثلاً، تلقى البرلمان البريطاني اكثر من مليون عريضة، منها ما دعم حملات سياسية عظيمة، بما في ذلك مكافحة العبودية، وحقوق المرأة في التصويت، لتصبح بذلك العرائض أداة احتجاج فعالة وجزء دائم من الثقافة السياسية.

في يومنا هذا، بات بإمكان أي شخص إنشاء عريضة جديدة بفضل الإنترنت ومن خلال مواقع الكترونية مثل Change.org. بمعنى آخر، أصبح بإمكاني مثلاً المطالبة بسجن كل من يكره الحمص، لجعل العالم مكان أفضل. إذا كنت تعتقد أنني أبالغ، عليك أن تتذكر العريضة التي وقعها المئات الراغبين في شرب "عصير" التابوت الأحمر -والذي هو عبارة عن مياه صرف صحي.

ولكن ليست كل العرائض بهذه "العدمية". في بريطانيا يتم أخذ العريضة بعين الاعتبار في البرلمان إذا تمكنت من جمع أكثر من 100,000 توقيع، وذلك بحسب الموقع الرسمي للحكومة البريطانية. ولكن اذا نظرنا الى أكثر 10 عريضة شعبية في المملكة – والتي نجحت بجمع مئات آلاف التوقيعات - نكتشف أن معظمها بائت بالفشل.

على موقع Change.org ستجدون قسم مخصص لقصص النجاح، وهو قسم Victories أو "الانتصارات" حيث سترون صفحات عديدة من العرائض التي أتت ثمارها، إلا أن معظمها كان صغير الحجم، أي أنها قضايا تعني مجتمعات صغيرة أو قضايا شخصية مثل "قانون جديد في كولورادو يجعل أسعار الأنسولين معقولة أكثر" و "منح والدة تأشيرة مؤقتة لحضور جنازة زوجها" و"تلميذة تنجح بطرح برنامج اعادة تدوير في مدرستها" وغيرها من القضايا المحلية. ولكن كان هناك بعض القضايا الكبيرة مثل قضية السودانية مريم ابراهيم التي اعفيت من الإعدام بعد اتهامها بالردة، أو تلك العريضة لدعم مسلسل "جن" في الأردن.

أوقع على عرائض تتعلق بقضايا أريد المحاربة لأجلها، على رأسها حقوق الحيوانات. بصراحة، أوقع كي أوقع، ولا أكترث للنتيجة، فأشعر بالارتياح عندما أوقع وأساهم بتسليط الضوء على قضية معينة

صديقتي ميسى، 22 عاماً، تعمل في مجال شبكات التواصل الاجتماعي هي واحدة من الأشخاص الذين يؤمنون بأهمية التوقيع على عرائض حتى لو أنها لم تحدث الهدف المنشود: "أوقع على عرائض تتعلق بقضايا تهمني وأريد المحاربة لأجلها، على رأسها حقوق الحيوانات. بصراحة، أوقع كي أوقع، ولا أكترث للنتيجة، فأشعر بالراحة عندما أوقع وأساهم بتسليط الضوء على قضية معينة. أعلم أن العريضة قد لا تحدث فارق كبير، ولكن ليس لدي أي شيء تخسره إذا وقّعت عليها."

ايلينا، 23 عاماً، مصممة غرافيك، لا تتفق مع ميسى، فهي ترى أن العرائض لها أثر كبير وبأنها تحدث فرقاً: "بالتأكيد أوقع على العرائض، ولكن فقط للقضايا التي تهم بيئتي ومحيطي. أظن أنها تحدث فارق كبير، خصوصاً مع الانتشار الكبير لوسائل التواصل الاجتماعي التي تسهل من عملية نشر الأخبار والمستجدات." ايلينا قدّمت بعض الامثلة عن الالتماسات الناجحة التي تابعتها، مثل حملات تنظيف الشواطئ في لبنان وحملات التشجير، وأضافت أن أهم شيء هو وصول هذه الالتماسات إلى الأشخاص المهتمين بتطوير الحلول وتنفيذها.

العريضة لا تتعلق بوضع إسمك عليها فقط، عليك أن تكون مؤمناً بما تحتويه هذه العريضة، وأن تستخدمها كوسيلة للتعريف بمواقفك وما يهمك في هذا العالم

في فلسطين، تعتبر العرائض وسيلة ناجحة لمحاولة تغيير الواقع في بلد محتل. منذ تأسيس حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها BDS في 2005 نجحت الحركة في تحقيق العديد من أهدافها من خلال التوقيع على الرسائل والعرائض التي تدعو إلى المقاطعة الثقافية والأكاديمية العالمية لإسرائيل. كما تمكّنت الحركة من دفع العديد من المغنين باتجاه إلغاء حفلاتهم الغنائية التي كان من المقرر إقامتها في "إسرائيل" ومنهم لانا ديل راي ولورد، وغيرهم من خلال الضغط الشعبي.

"توقيع العرائض ونشرها والحديث عنها عبر وسائل التواصل الإجتماعي مهم جداً، وأستغرب من الذي يُسخف من أهميتها،" يقول نادر، 20 عاماً، طالب جامعي: "العريضة لا تتعلق فقط بوضع إسمك عليها فقط، عليك أن تكون مؤمناً بما تحتويه هذه العريضة، وأن تستخدمها كوسيلة للتعريف بمواقفك وما يهمك في هذا العالم. ليس كل شيء يحتاج إلى تنظيم احتجاج شعبي والوقوف أمام سفارة أو وزارة للمطالبة بحقوقك." ويضيف: "في حالة المقاطعة الفلسطينية فإن الهدف هو التأثير بشكل أوسع من دوائرنا المغلقة، التأثير على جامعات تستضيف إسرائيليين، أو شركات تعمل في المستوطنات الإسرائيلية الغير مشروعة، أو على فنانين يريدون الغناء في إسرائيل. من خلال هذه العرائض والمنشورات والتفاعل نستطيع تحقيق الكثير. وفي الواقع، هناك عدد متزايد من الداعمين للمقاطعة في العالم، الذين لم يكونوا ليعرفوا شيئاً عن الإحتلال الإسرائيلي لو لم يروا أو يسمعوا عن عريضة."

بصراحة اعتبر هذه العرائض إهانة لجهود الأشخاص الذين يعملون بجهد من أجل تحقيق مطالبهم، بدلاً من الجلوس في المنزل ووعظ الناس على فيسبوك

على الجانب الآخر، هناك من يرفض فكرة العرائض على الانترنت ويعتبرها "إهانة" مثل هادي، 28 عاماً، والذي يعمل في مجال الهندسة الكهربائية: "لا أظن أن العرائض تحقق أي شيء، ولذلك لا أعذب نفسي وأوقع. أظن أن القضايا الحقيقية بحاجة لأكثر من ذلك، مثل وجود أشخاص ومنظمات على الأرض، بدلاً من توقيع افتراضي لن يقدم ولن يؤخر. الاحتجاج على الأرض هو الذي يصنع الفارق، وبصراحة، اعتبر هذه العرائض إهانة لجهود الأشخاص الذين يعملون بجهد من أجل تحقيق مطالبهم، بدلاً من الجلوس في المنزل ووعظ الناس عبر فيسبوك."

الآراء مختلفة ومن صعب ايجاد جواب قاطع عن مدى فعالية العرائض، وما من دراسات تحسم النتيجة، ولكن، ما لاحظته هو أن حجم القضية قد يكون اللاعب الرئيسي، ففي المواضيع السياسية الكبيرة لا تحقق العرائض الكثير من المطالب (مثل العريضة التي طالبت بمنع دونالد ترامب من دخول الأراضي البريطانية، على الرغم من أنها جمعت أكثر من مليون توقيع)، أما القضايا الصغيرة وسهلة التنفيذ، فلديها المزيد من فرص النجاح.

التوقيع على عريضة بالنهاية، هو بمثابة "احتجاج" إلكتروني، قد ينجح أحياناً وقد يفشل مرات أخرى، ولكن لا عيب في المحاولة، كما تقول ميسى. ولكن لنكن واقعيين، لن تتمكن من اسقاط النظام أو تغييره أثناء جلوسك على الأريكة والتهامك للبيتزا مع الأناناس (لأنها لذيذة جداً ولا يوجد عريضة ستمنعني من ذلك) بعد توقيعك على صفحة افتراضية تطالب بذلك. قد تكون البداية ولكن التغيير الكبير يتطلب أكثر بكثير من ذلك، وهنا أظن أن هادي على حق.