Syria
ثورة

كيف يتفاعل السوريون مع انتفاضة لبنان؟

أشعر بحسرة بيني وبين نفسي على حالنا في سوريا. الشباب السوري اليوم فاقد للأمل، مكسور وخائف وعاجز
24.10.19

"ما بعرف ليش السوري مفكر حالو مدير عام الثورات العربية" يقول أحد السوريين ساخراً من التفاعل غير المسبوق للسوريين مع انتفاضة لبنان، على صفحته على فيسبوك. منذ بدء الإحتجاجات في لبنان يوم الخميس 17 أكتوبر، اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي لدى السوريين بصور ومقاطع فيديو ومنشورات تتناول هذه الإحتجاجات. لا يوجد ضمن دائرة معارفي أي سوري أو سورية لم يعلق على ما يحدث في لبنان، سواء بشكل جدي أو بشكل ساخر. ولكن ربما بحكم أن السوري أصبح لديه باع طويل بالثورات، وما يمكن أن يليها من تداعيات، فالفرحة بهذه الاحتجاجات لا تخلو من شعور ممزوج بالخوف. ففي مارس عام 2011 اشتعلت الاحتجاجات في معظم المدن السورية مطالبةً بالإصلاحات ومكافحة الفساد. وسرعان ما رفعت الجماهير من سقف مطالبها إلى "الشعب يريد إسقاط النظام". تحولت هذه الاحتجاجات التي بدأت بشكل سلمي، إلى مواجهات مسلحة بين المتظاهرين وقوى الأمن، لتتطور بعد إذن إلى حرب أهلية أدت لمقتل أكثر من 500 ألف سوري. واليوم بعد تسع سنوات ننظر إلى سوريا فنراها قد أصبحت ساحة حرب دولية أحرقت وما زالت تحرق الأخضر واليابس.

لكن هذا الشكل من التفاعل لم يكن ملحوظاً بنفس الدرجة مع ثورات الشعوب الأخرى كتونس والجزائر والسودان…. لماذا إذاً يتفاعل السوريون إلى هذه الدرجة مع ما يحصل في لبنان؟ تتسم العلاقات السورية اللبنانية بشكل عام بالحساسية. إذ تعكر السياسة صفو العلاقات بين الشعبين كل فترة. آخر هذه "التعكيرات" كانت قضية اللاجئين السوريين في لبنان الذين لجأوا إلى لبنان هرباً من الحرب الدائرة في بلدهم، حيث استضاف لبنان أكثر من مليون ونصف مليون لاجئ سوري تقريباً منذ 2011.

تحدثت مع عدد من السوريين وسألتهم عن موقفهم من انتفاضة الشعب في لبنان. كالعادة انقسم الشارع السوري بين مؤيد ومعارض، ومعارض للاثنين معاً.

بحسدهم
"بحسدهم، هذا هو شعوري باختصار خلال متابعتي لما يحصل حالياً في لبنان - لا أعرف ما الوصف الصحيح لها: انتفاضة، ثورة، احتجاج؟ ولكن المسميات تخيفني، عشنا ثورة في سوريا، وبالنهاية تحولت لحرب أهلية، لهذا أفضل أن تبقى احتجاجات، ربما حتى لا يتم قمعها كما قُمعت ثورتنا في سوريا، من قتل وتهجير وسجن وظلم. لبنان وسوريا لهما تاريخ مشترك طويل وجميل ودموي بنفس الوقت. لهذا ما يحصل هناك يؤثر علينا، ومرتبط بنا. كل ما أريد قوله هو أنني أتمنى السلامة للجميع." -براء، 19 عاماً، طالب

أنتم "كلاس" لكن لا داعي "لتكبير الراس"
"لم أكن يوماً من مؤيدي "الثورة" كما يسمونها، عندما حدثت في سوريا. كنت وما زلت أعتقد بأنها مؤامرة حاكتها الدول الخارجية بهدف إضعاف سوريا. لكني أجد في التظاهرات في لبنان مشهداً حضارياً جداً. أتمنى لهم أن يحققوا مطالبهم، فهم شعب منظم ومثقف ويُحب الفرح. على الأقل لم يغيروا عَلم بلدهم، أو يهتفوا بهتافات طائفية كما حدث في سوريا. ولكن من ناحية أخرى، أعتقد أن عليهم أن يَتعقلوا ويقبلوا بورقة الإصلاحات التي اقترحتها الحكومة، فربما يأتي يوم ويندمون على رفضها. هل حقاً يعتقدون أن الزعماء سيتركون لهم البلد ويعيدوا الأموال المنهوبة بهذه السهولة؟ هذا من ضرب الخيال. لن يغادروا عروشهم قبل أن يحرقوا البلد. أعتقد أنه حان وقت إنهاء هذا "الإيفينت" الضخم. حاجتهم أسبوع تظاهر، أنتم "كلاس" لكن لا داعي "لتكبير الراس." - آية، 23 عاماً، طالبة إنها حتمية التاريخ
"إن ما يحدث أمر حتمي. حركة التاريخ لا يمكن إيقافها، وأي إعاقة لسير البلدان نحو الامام تؤدي إلى دمار. أنا متفائل بالحراك اللبناني، وأعتقد أن هذا هو الدور الطبيعي للأجيال الجديدة تجاه الأفكار القديمة. أهم ما في طروحات هذه الثورة هو نبذهم للتحزب والطائفية. ولكن أخشى على الحراك من أن تتم سرقته كما حدث في سوريا، والأسوأ هو أن تتم سرقته من جهات خارجية، فيصبح القرار النهائي حول مستقبل لبنان مُرتهن للخارج. إن تحققت مخاوفي فسيكون كل هذا الذي يحصل الآن في الشارع عبثي ولا معنى له. ثمة دور جوهري تلعبه وسائل الإعلام تجاه المحافظة على هذا الحراك بشكله السلمي. في النهاية لا أحد يريد أن يظهر مجرماً أمام الملايين على الشاشات. لو كان لدينا منابر تغطي الحدث في سوريا مثل القنوات اللبنانية لتغير كل شيء." -مجد، 38 عاماً، صحفي البلد لا تحتمل كثيراً من التعطيل
"بالطبع فإن المقيمين عموماً من جنسيات أخرى في لبنان لديهم المعاناة ذاتها التي يعانيها المواطنون، واللبنانيون لم ينزلوا للشارع بسبب التردي الاقتصادي فقط، بل هُناك شعور عام بالإحباط المستمر منذ سنين مع اتجاه البلد نحو الهاوية على صعد مختلفة. السوريين في لبنان هم جزء من المشكلة بلا شك، لأن العدد الكبير الذي يمثلونه في هذا البلد الصغير لا يمكن أن يكون محايداً في المجال الاقتصادي والمعيشي. هذه ليست مظاهرات خدماتية ومعيشيّة فقط، وبالتالي لا أعتقد أن من حقي كمقيم المشاركة بها أو دعمها أو الوقوف ضدّها لأن هذه التحركات تُعيد رسم الدولة اللبنانية. هناك غضب عارم ولكن أيضاً مطالب غير محددة، ما يجعل الأمور ضبابية وقد تذهب باتجاه فوضى كبيرة، الرهان المأمول هو قدرة هذه التحركات على إيجاد آليات تمثيليّة أو رقابية، البلد لا تحتمل كثيراً من التعطيل." -وسيم، 25 عاماً، طالب سوري مقيم في لبنان

سأشارك مع كل ذي صوت في كل مدينة وشارع، إلى أن أستعيد صوتي. وسأترقب هذا المشهد البديع آمِلاً حالماً، ويدي تمسكُ قلبي ألا يصل السلاح ولا الإسلام السياسي إلى المتظاهرين

الفرح والحسرة
"من أكثر ما يشعرني بالإعجاب حيال انتفاضة لبنان هو أن النساء تمتلكن زمام المبادرة والقرار كي ينزلن إلى الشارع للمناداة بحقوقهن كبشر، وليس فقط كنساء في هذا المجتمع. إنهن متمكنات وقويات وواعيات إلى درجة كبيرة. ما يحصل الآن في لبنان يشبه ما حدث في بداية ثورة شعبنا عام 2011. بالتأكيد لا تتشابه الثورتان في كل التفاصيل، فالمجتمع السوري لديه خصوصية مختلفة. هامش الحرية في لبنان أوسع وقدرة النساء على النزول إلى الشارع والتعبير عن آرائهم أكبر. المظاهرات في سوريا كانت في غالبيتها من الرجال وكانت تتعرض لقمع عنيف من السلطات جعلها تنحرف نحو العنف المسلح بشكل سريع. لكن في النهاية الثورة واحدة في الجوهر: ثورة حقوق ومطالب واقتصاد. أتابع باهتمام كل مستجدات الساحة اللبنانية، وأشعر بحسرة بيني وبين نفسي على حالنا في سوريا. الشباب السوري اليوم فاقد للأمل، مكسور وخائف وعاجز أن يغير من واقعه شيئاً، أقصى همومه تأمين لقمة العيش." -ريم (اسم مستعار)، 27 عاماً، ناشطة في مجال المجتمع المدني

كرنفال للتقبيل والرقص
"هل تسمون هذه الاحتفالات والهرج والمرج ثورة! أتفرج على التلفاز فلا أرى إلا الشتائم البذيئة والتقبيل أمام عدسات الكاميرات والرقص في الشوارع وكأنه كرنفال للتقبيل والرقص. ثم أنني لم أعد مؤمنة بجدوى أي تحرك مطلبي شعبي. كله مدروس ومخطط له ولا شيء يأتي من تلقاء نفسه كما يدعون. الأهم من هذا وذاك أن ما يحدث شأن لبناني داخلي. ما علاقتنا نحن بهم؟ لماذا علينا أن نهتم؟ في النهاية فخار يكسر بعضو!" -مريم، 55 عاماً، موظفة

مظاهرة كل نصف ساعة
"أنا لا أعرف لبنان، لم أزرها قط، لكن ومنذ بدء الحراك في بيروت وأنا أخرج مظاهرةً كل نصف ساعة -مظاهرة أقوم بها مع نفسي ومن داخل منزلي في دمشق، أشارك اللبنانيين وأصرخُ معهم -ولكن بصوتٍ منخفض مخافة أجهزة الأمن التي سبق واعتقلتني يوم كان الحراك السوري في أيام عزّه. لكن لمَ أشعر بكل هذا الحماس تجاه الحراك اللبناني؟ ربما لأننا نملك أوجاعاً مشتركة تتجاوز قضية العروبة والتجاور الجغرافي إلى أبعادٍ أكثر جديّةً. الشارع اللبناني يعيدني إلى حُلُمي. وأنا أعلم في داخلي أن ثورات الشعوب في هذا العالم (شرق المتوسط بالذات) لن تنتصر قريباً، لكني سأشارك مع كل ذي صوت في كل مدينة وشارع، إلى أن أستعيد صوتي. وسأترقب هذا المشهد البديع آمِلاً حالماً، ويدي تمسكُ قلبي ألا يصل السلاح ولا الإسلام السياسي إلى المتظاهرين، هكذا فقط تؤمن الثورة على نفسها." -نصوح، 29 عاماً، مهندس