الفيلم الوثائقي "بالعربي": لهذا لا نثق بالسياسيين

فيكتور شويري عن فليكر

FYI.

This story is over 5 years old.

سياسة

الفيلم الوثائقي "بالعربي": لهذا لا نثق بالسياسيين

على الرغم من عدم حبي للسياسيين، إلا أن تفاصيل حياتك الشخصية تخترقها السياسة فمن الصعب أن تعزل نفسك عنها

يحتل الشباب العربي النسبة الأكبر من سكان معظم الدول العربية، لكن حجم مشاركتهم في الحياة السياسية بالأحزاب والتنظيمات السياسية، أو حتى الانتخابات التشريعية سواء مرشحين أو ناخبين، لا يتفق وتمثيلهم النسبي الذي لا يتخطى في بعض البلدان 50% من إجمالي عدد السكان. في هذا المقال المرتبط بالفيلم الوثائقي "بالعربي" الذي أنتجته VICE عربية سنسلط الضوء على قضية يتفق عليها الكثير من الشباب العرب وهي عدم ثقتهم بسياسي بلادهم "كل هَمهم يحافظوا على كراسيهم ومصاريفهم،" كما عبرت بتول ناصر من لبنان خلال سؤالها عن ذلك في الفيلم.

إعلان

تحدثنا مع عدد من الشباب من فلسطين، سوريا، لبنان، العراق، تونس، ومصر، وهي الدول التي عادة ما تتصدر أخبارها السياسية ومقابلات سِياسيها التلفزيونية نشرات الأخبار لأسباب مختلفة، وسألناهم عن سبب هذه العلاقة "الباردة" بين الشباب والسياسيين ولماذا يرغب العديد من الشباب بالنأي بأنفسهم عن كل ما يمثله السياسيين من تنظيمات وأحزاب، وهل انعكس عدم ثقتهم بالسياسيين على اهتمامهم بالسياسة.

لونا صفوان من لبنان

"مجموعة من التجار، ليس لديهم أي برنامج أو هدف سياسي. والدافع الذي يحركهم بالدرجة الأولى هو مصالحهم الشخصية،" هكذا يلخص محمد (29 عامًا) ويعمل موظف استقبال وحجوزات والذي يعمل في رام الله، السبب وراء موقفه من السياسيين في بلده فلسطين، مؤكدًا على أنهم جميعًا لا يمثلون تطلعات الشعب الفلسطيني. ويتابع: "لا أعتقد أن السياسي يمثلني وإنما يمثل نفسه ويمثل مصالحه التي يسعى إلى ترسيخها وزيادتها على حساب غيره؛ فهو يمثل من يدفع له أكثر ومن يؤمن له موقعه السياسي لأكثر وقت ممكن.

الشباب العربي والسياسة، طرفا معادلة قلما يلتقيان لأسباب عديدة، على رأسها عدم ثقة الأجيال الناشئة في السياسيين، واتساع الهوة بينها لأسباب تتخطى حاجز العمر إلى ما هو أعمق كثيرًا. في مرمى اتهامات تتراوح بين العجز والفساد والفشل يقف جانب كبير من السياسيين، فيما يقف الشباب على الجانب الآخر وقد حسموا موقفهم المناوئ للسياسة وممثليها، ولسان حالهم يقتبس المثل العربي: "صباح الخير يا جاري، إنت في حالك وأنا في حالي."

لونا، صحفية من لبنان (27 عامًا) ترى أن فساد الطبقات السياسية الحاكمة في لبنان الذي لم يتغير منذ أيام الحرب الأهلية يجعل من المستحيل بناء أي نوع من الثقة بين الشباب والسياسيين، وقالت: "نحن أمام تكرار سيناريوهات السرقة والفساد والإجرام الطائفي والانقسامات نفسها. هو وضع منهك لذلك أُفضل ولبنانيون كُثّر غيري التهرب من السياسة إلى حياة اجتماعية بعيدة كل البعد عنها لكي نرفّه عن أنفسنا."

إعلان

أنا لا أثق في 90% من السياسيين التونسيين، وأرى أن سبب عزوف الشباب العربي عن السياسة بأنه رد فعل طبيعي على نهج الحكام في معظم دول الجوار

يأتي ما تقوله لونا على النقيض تمامًا من تعريف علماء الاجتماع للمشاركة السياسية، بأنها عملية اختيارية واعية تُعبر عن حرص الفرد على أن يكون له دور إيجابي في الحياة العامة والسياسية، ويعتبر علماء الاجتماع أنها مجمل الأنشطة والأدوار التي يقوم بها الأفراد بشكل تطوعي داخل المجتمع من خلال التأثير العلني الحر في صنع القرار السياسي، وهو ما لا يبدو أن جانب كبير من الشباب العربي يتفق معه نتيجة لعدم الثقة في كفاءة السياسيين، مثلما يرى أحمد (22 عامًا) طالب جامعي تونسي، والذي وصف الطبقة الحاكمة في بلده بأنها "عاجزة ولا تمتلك الكفاءة الكافية لمواجهة تحديات الثورة في بلاده،" ويضيف: "أنا لا أثق في 90% من السياسيين التونسيين، وأرى أن سبب عزوف الشباب العربي عن السياسة بأنه رد فعل طبيعي على نهج الحكام في معظم دول الجوار. باختصار، السياسيين قتلوا السياسة وصادروا الفضاء العام." موقف أحمد من سِياسي بلده ليس فردياً، بل يعبر عن حال الكثير من الشباب، فبحسب دراسة حديثة أجراها المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية بعنوان "الشباب، الهجرة غير النظامية" فإن 30.9% من الشباب التونسي عبروا عن استعدادهم للانخراط في الهجرة غير الشرعية، في حين ذكر 45.2% ممن شملهم الاستطلاع أنهم بصدد التفكير في الهجرة نحو أوروبا.

ومن تونس إلى مصر، لا يختلف الأمر كثيرًا مع محمد (27 عامًا) والذي يعمل بإحدى شركات الدعاية: "عندما اندلعت انتفاضة 25 يناير في العام 2011، أصبح مألوفًا أن ترى أناسًا من جميع الأعمار يتحدثون عن الثورة وحلم الديمقراطية في حواراتهم اليومية، في البيت أو المواصلات أو على المقهى. ولكن الأمور تغيرت بعد ذلك، لم يعد هناك أمل في تحقيق هذه الأحلام. الثقة في السياسيين باتت غير موجودة". ويشير محمد إنه على الرغم من اتفاقه مع أفكار بعض السياسيين المصريين، إلا أنه يرى أنهم غير قادرين على تحريك ماء الحياة السياسية الراكد في مصر حاليًا، وهو ما اتفقت معه مواطنته شيماء (30 عامًا)، كاتبة في موقع إلكتروني، واصفة السياسيين بأنهم "مُدعين بلا قيمة أو وزن سياسي." وتتابع: "لا أثق بهم ولا يمثلونني. هم لا يهتمون بالجماهير ولا مشاكلهم الحقيقية، وصراعاتهم مع السلطة بعيدة تمامًا عن طموحات الجماهير. لذا لا يلتف حولهم أحد ولن تجد لهم شعبية جماهيرية. الجميع يبحث عن مصالحه الضيقة ولا أحد يعمل من أجل الوطن."

إعلان

شيماء، كاتبة من مصر

عدم اهتمام السياسيين بالشباب وعدم ثقة الشباب بالسياسيين تؤكد على حجم هذه المشكلة في العالم العربي، والتي تصبح أكثر تعقيداً في البلاد التي تشهد حروباً، أو تحكمها نُظم استبدادية. هالة (23 عاماً) كاتبة ومترجمة من سوريا ترى أن استخدام كلمة "سياسيين" مضحكة بحد ذاتها. "المضحك أنني في اللحظة الأولى استغربت في سؤالك استخدام صيغة الجمع في كلمة "سياسيين" فالأمر الذي أدركه من فترة طويلة هو أن السلطة السياسية في سوريا بأكملها تخضع للجهة ذاتها منذ نصف قرن حتى الآن ومهما تعددت الأسماء والانتماءات لرجال ومسؤولي حكومتنا سواء وزراء أو نواب أو مدراء دوائر إلى أنني أدرك أن سلطتهم محدودة وشكلية إلى حد ما ولن تخرج عن قالب النظام الذي تنتمي إليه مهما حاولت." وعند سؤالها إذا كان مجلس الشعب يمثلها بطريقة أو أخرى، وجدت هالة السؤال مضحكاً مرة أخرى. "أنا بالتأكيد لا أعرف أيا من هؤلاء الأعضاء ولا أعرف متى تنعقد جلساتهم، ولا أعرف ما محاور نقاش جلساتهم بل ولست مهتمة بهذه المعرفة على كل حال لأنني أعلم أنهم غير قادرون على إحداث أي فرق بوجود نظام لا يقبل الانتقاد حتى بعد سنوات من الحرب. لذا نعم، لقد فقدت كل ثقة بسياسة هذه الدولة وسياسييها منذ مدة طويلة جدا وأدرك أن هذا "السيستم" من الصعب جدا أن يتغير."

النظام السياسي في معظم الدول العربية الذي لا يسمح بالاختلاف والانتقاد والمشاركة الحقيقية هو السبب الرئيسي في انعدام الثقة بين الشباب والسياسيين، كما يقول الدكتور سعيد صادق، أستاذ الاجتماع السياسي بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، مشيراً إلى أن النظم العربية لا تسمح في أغلب الأحوال لا تسمح سوى بمشاركة صورية من أغلب الفئات، وليس الشباب فحسب، فتمكين الشباب مثل تمكين المرأة والأقباط، كلها شعارات تستخدمها الحكومات دون آليات حقيقية." وأوضح أستاذ الاجتماع السياسي أن هذه الشعارات قد تُفلح مع بعض الفئات، لكنها "لا تفلح مع الشباب في أغلب الأوقات."

وفي حين يتفق معظم الشباب العربي على عدم ثقتهم بالسياسيين ونظرتهم السلبية إليهم، إلا أن ذلك لم ينعكس على اهتمامهم بالسياسة. مريد (26 عاماً) الذي يعمل في مجال تكنولوجيا المعلومات في بغداد يرى أنه على الرغم من "انتشار الفساد السياسي" في العراق إلا أنه لم يتوقف أبداً عن الاهتمام بالسياسة "نحن نأكل ونشرب وننام على السياسة، منو بقدر يبطل سياسة." وهذا ما يوافق عليه محمد (27 عاماً) طبيب من غزة، ففي حين أنه يؤكد على أن جميع السياسيين "استغلاليين وكاذبين ويتاجرون بالقضية،" إلا أنه لم يفقد اهتمامه بالسياسة وينهي بالقول: "على الرغم من عدم حبي للسياسيين، نحن نعيش في منطقة كلها اضطرابات، تفاصيل حياتك الشخصية تخترقها السياسة فمن الصعب أن تعزل نفسك عنها."

محمد، طبيب من غزة

هل تعي الأنظمة العربية وسياسيها حجم هذه المشكلة؟ يرى الدكتور علي محمد فخرو، رئيس مجلس أمناء مركز البحرين للدراسات والبحوث في مقال له أنه يتحتم معالجة ظاهرة عدم الثقة بين السياسيين والشباب لأن الخيار الآخر هو مزيد من الإحباط وفقدان المرجعية ويكتب: "لقد وصلنا إلى مرحلة: إما استرجاع الثقة في الدولة العربية الحديثة أو مواجهة الجحيم بشياطينه وأشباحه وحرائقه."