دليل الفلسطيني لغير الفلسطيني
رسوم: مهمت علي اكمكجي
سياسة

دليل الفلسطيني لغير الفلسطيني

وثائق سفر لا تسمح لك بالسفر، قائمة من الوظائف ممنوع عليك مزاولتها وبلادك التي لا تستطيع دخولها
6.12.17

أي فلسطيني أنت؟ هل تحمل وثيقة سفر أم جواز سُلطة فلسطينية؟ أنت فلسطيني، لماذا لا يمكنك العيش في فلسطين؟ هذه بعض من الأسئلة التي تَعود الفلسطيني على اختلاف مكان إقامته وشكل جواز سفره على الإجابة عليها عند كل محاولة للتنقل من دولة إلى أخرى. أن تكون فلسطينياً ليس بالأمر السهل وهو بالتأكيد ليس لضعاف القلوب، ففي كل مرة تلمس قدمك أرض مطار في العالم ستنهال عليك كمية من الاسئلة عن مكان ولادتك ومكان سكنك وهدفك من السفر وسيتم النظر إليك بعين الريبة والشك. كما ستتعرض في حياتك القصيرة للكثير من الرفض ابتداءً برفض طلب الحصول على تأشيرة إلى رفض عرض زواج. أن تكون فلسطينياً هي باختصار مهمة شاقة، لنفي أي شك لديك اقرأ التالي:

إعلان

ليس كل فلسطيني فلسطيني هناك عدة "تصنيفات" للفلسطيني، كونك فلسطيني القلب والانتماء والثقافة لا يعني بالضرورة أنك فلسطيني على أرض الواقع، فهناك الفلسطيني الذي يحمل وثائق سفر صادرة من دول عربية، وهناك الفلسطيني الذي يحمل جواز سفر إسرائيلي، وهناك الفلسطيني الذي يحمل جواز سفر فلسطيني، وهناك الفلسطيني الذي لا لديه هوية مواطنة تمكنه من العيش في فلسطين، وهناك الذي لا يملك شيئاً. لماذا لا يحمل الفلسطينيون وثيقة سفر واحدة كغيرهم من سكان الأرض؟ هذا سؤال وجيه، وإن كان يدل على أنك كنت تعيش تحت صخرة منذ فترة طويلة ولم تسمع أو تشاهد أي من نشرات الأخبار التي كان الفلسطيني يتصدر أخبارها، قبل أن تبدأ دول عربية أخرى بـ "منافستنا" في مجال الحروب واللجوء.

ولكن لنكن متفهمين، مرت سنوات طويلة على قضية فلسطين وقد تكونوا تعبتم من سماع نفس القصة مرة بعد الأخرى، ولكن هذا لا يمنع من إعادتها مرة أخرى (زيادة الخير خيرين). لنعد بالتاريخ إلى حرب 1948 أو ما يُطلق عليها الفلسطينيون النكبة، حيث تم تهجير حوالي 750 ألف فلسطيني من بيوتهم وأراضيهم. غالبية هؤلاء المُهجرين -الذين أخذوا مفاتيح بيوتهم معتقدين أنهم سيعودون بعد انتهاء الحرب- انتهى بهم الأمر في الدول العربية المجاورة كلبنان وسوريا والأردن والعراق. لم ينتهي الأمر هنا للأسف، ففي اللحظة التي اعتقد البعض أن العودة إلى بيوتهم وأراضيهم قد اقتربت، جاءت حرب الأيام الستة عام 1967 (أطلق عليها النكسة للتخفيف من الصدمة) وتم احتلال باقي الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية وغزة إضافة إلى هضبة الجولان وسيناء، مما نفى إمكانية أي عودة قريبة للفلسطينيين إلى فلسطينهم.

الفلسطينيون الذين انتهوا بالعيش في الدول العربية تم التعامل معهم كضيوف "غير مرغوب بهم" في كثير من الحالات

هؤلاء الفلسطينيين الذين انتهوا بالعيش في الدول العربية تم التعامل معهم كضيوف "غير مرغوب بهم" في كثير من الحالات، حيث رفضت الدول العربية عبر قرارات الجامعة العربية تجنيس أي فلسطيني مدعياً أن عدم التجنيس سيساعد فى "الحفاظ على الهوية" وتَقرر إعطائهم وثائق ثبوتية عُرفت "بوثيقة سفر للاجئين الفلسطينيين" لتمكينهم من التنقل والسفر، وهو الأمر ما اثبت عكسه على أرض الواقع. ومنذ البدء بإصدار هذه الوثائق حتى اليوم تشكلت وتلونت حياة الفلسطيني حول نوع الوثيقة التي يحملها والتي أصبحت تتحكم بجميع مفاصل حياته سواء فيما يتعلق بإمكانية السفر من عدمه إلى اختيار شريك الحياة، التخصص، الوظيفة مكان السكن وحتى مساحة البيت.

ممنوع من العمل، ممنوع من الحب حياة الفلسطينيين من حاملي وثائق السفر اللبنانية قد تكون الأصعب، هذه الوثائق التي كان الفلسطينيون يطلقون عليها ساخرين "المَلحفة" (مشتقة من لحاف وهي البطانية) لكبر حجمها مقارنة بحجم جواز السفر المتعارف عليه دولياً (تم تجديد هذه الوثائق مؤخراً) لا تغطي الكثير في الحقيقة. مثلاً لا تخول هذه الوثيقة الفلسطينيين دخول معظم بلدان العالم بدون تأشيرة. مشكلة هذه الوثيقة لا تتعلق بالسفر فقط (من يحتاج للسفر أصلا إذا كنت تعيش في لبنان الأخضر والحلو)، فحاملي هذه الوثائق يُفرض على معظم الفلسطينيين العيش في مخيمات للاجئين تتوزع في عدد من المدن اللبنانية (هناك طبعا من تمكن من الخروج والعيش خارج المخيم)، كما يُمنع حاملو هذه الوثيقة من العمل في العديد من الوظائف كالطب والمحاماة والهندسة والتمريض وقيادة سيارة عمومية والعمل بالقطاع العام وغيرها. ولأنه ممنوع من العمل فلا تستغرب أن يكون الفلسطيني ممنوع من البناء داخل المخيم كذلك، فمن غير المسموح البناء داخل المخيمات الفلسطينية إلا بضوابط معينة خشية من التوسع الجغرافي لهذه المخيمات التي يعاني سكانها من الفقر والاكتظاظ والبطالة وظروف السكن الصعبة وسوء البنية التحتية.

إعلان

لا رخصة عمل ولا رخصة بناء، مشكلة ولكن الموضوع يزداد تعقيداً في كل ما يتعلق بالحب والزواج، فاللبنانيات اللاتي يقعن (لسوء حظهن) في حب فلسطينيين لن يتمكَن من منح الجنسية اللبنانية لأزواجهن أو أطفالهن، كما لا يمكن للأزواج والأولاد أن يرثوا من أمهم أي ممتلكات. للالتفاف على هذه الصعوبات، يتفق بعض الأزواج من البداية على أنه من الضروري أن يتم ولادة طفلهم القادم في الولايات المتحدة أو كندا لضمان حصول أبنائهن على جنسية أمريكية أو كندية، بحيث لا تتكرر مأساة أهلهم مرة أخرى، طبعا هذا الخيار يعتمد على حظك السعيد في الحصول أصلاً على فيزا وقدرتك على دفع مبالغ كبيرة للسكن والعيش ودفع تكاليف المستشُفى والولادة وغيرها من التفاصيل المملة. الحب ليس خياراً سهلاً.

رسوم: مهمت علي اكميكس

سفرني على أيا بلد وانساني لا تتحسن الأوضاع كثيراً بالنسبة للفلسطيني إذا تركنا ست الدنيا وذهبنا الى أم الدنيا. الوثائق المصرية التي يحملها الفلسطينيين هناك ليست أفضل بكثير من اللبنانية إذا لم تكن أسوأ، فمن الصعب تحديد الأسوأ فيما يتعلق بكل شيء فلسطيني. الأمر المميز في وثيقة السفر المصرية أنها تجعل السفر مهمة مستحيلة، فهي لا تسمح بدخول حَملة هذه الوثيقة إلى مصر بدون الحصول على تأشيرة سارية المفعول. وكثير من دول العالم على رأسها طبعاً البلاد العربية "الشقيقة" طبعاً ترفض إعطاء تأشيرة أو فيزا لحاملي هذه الوثائق باعتبار أنه ليس لديهم وطن يمكن إعادتهم إليه في حال حصول مشكلة ما (ومن الحب ما قتل). قد يجد الفلسطيني صعوبة (ستتعود على تكرار هذه الكلمة) في السفر بهذه الوثيقة، ولكن لا يخلو الأمر من بعض الحسنات، فالفلسطيني غير محكوم بالعيش في مخيم، ويستطيع تملك عقار واحد ويستطيع العمل - في حال وجد عملاً.

يتحسن الوضع قليلاً بالنسبة لحاملي وثيقة السفر العراقية، حيث تم التعامل مع الفلسطيني كالمواطن العراقي في الفترة السابقة للاحتلال الأميركي فسُمح لهم بالعمل والتنقل والتملك ولم يطلب منهم الحصول على إقامة وكان لديهم حق الوصول الكامل إلى الخدمات الحكومية بما في ذلك الرعاية الصحية والتعليم. لا شيء يبقى على ما هو عليه، تنطبق هذه الجملة بالذات على الفلسطينيين الذي عادة ما يكون وضعه الجديد أسوأ من القديم، وهذا ما حدث في العراق (يوم إلك والباقي دائماً عليك). عقب الغزو الأمريكي للعراق في 2003 تعرض الفلسطينيون للتهجير والاستهداف بالقتل والاختطاف والاعتقال من قبل مليشيات مسلحة اتهمتهم بالتعاطف مع صدام حسين، ما أدّى إلى هروب الآلاف من بيوتهم و توزيعهم على مخيمات حدودية صحراوية، في تكرار لما حصل للفلسطينين بعد النكبة والنكسة. وتشير بعض الأرقام بأن عدد الفلسطينيين الموجودين في العراق حالياً لا يتجاوز 10 آلاف لاجئ، بعد أن كان يقدر عددهم بأكثر من 30 ألف لاجئ قبل غزو العراق عام 2003.

ربما لاحظت أن الفلسطيني "في كل عرس له قُرص" كما يقال باللغة العامية الفلسطينية، بمعنى أن في كل مشكلة تحصل في أي مكان في هذا العالم هناك فلسطيني يتأذى بطريقة أو أخرى

وكما حصل في العراق، تكررت القصة في سوريا. ففي حين كانت الوثيقة السورية الممنوحة للفلسطينيين تعتبر الأفضل مقارنة بأخواتها الغير شقيقات، فقد كان الفلسطيني من حاملي هذه الوثيقة يعامل معاملة السوري، ويسمح لحامل الوثيقة بالتملك والتعلم والعمل والانتساب إلى النقابات العمالية وحرية اختيار مكان السكن وحتى الالتحاق بمناصب في الدولة (اوه لا لا)، إلا أن هذه الوثيقة فقدت قيمتها وتفوقت على باقي الوثائق سوءاً بعد الحرب في سوريا في عام 2011. ربما أنك لاحظت أن الفلسطيني "في كل عرس له قُرص" كما يقال باللغة العامية الفلسطينية، بمعنى أن في كل مشكلة تحصل في أي مكان في هذا العالم هناك فلسطيني يتأذى بطريقة أو أخرى. ومجدداً تعرض الفلسطينيون في مخيم اليرموك الذي يعتبر أكبر مخيمات اللاجئين في سوريا لاستهداف من قبل النظام والمليشيات خلال الحرب السورية ولم يجد عدد كبير من سكان المخيم طريقاً للهروب سوى عبر البحر حيث غرق الآلاف في ما سُمي مراكب الموت. وأغلقت جميع الأبواب في وجه الفلسطيني السوري، حيث قرر لبنان عدم السماح بدخول أي فلسطيني يحمل وثيقة سفر سورية إلى لبنان إلا في حالات معينة كأن تكون الزوجة لبنانية. كما فَرض الأردن قيوداً على دخول الفلسطينيين وقام بإبعاد بعضهم إلى سوريا، فيما رفضت مصر مساواة اللاجئين الفلسطينيين القادمين من سوريا باللاجئين السوريين، حيث لا ينتفعون بما هو متاح للسوريين من تعليم ورعاية صحية.

مصائب قوم كما أشرنا سابقاً، جميع الفلسطينيين اللاجئين في البلدان العربية، يحملون وثائق سفر (احمم أو وثائق إدانة). ولكن ماذا عن الفلسطينيين الآخرين، أولئك المغضوب عليهم والذين يعيشون في داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة. لا تعتقد أن وجود الفلسطيني داخل فلسطين يجعل الأمر أسهل (حسناً، ربما قليلاً). بعد توقيع اتفاق أوسلو للسلام بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، صدر عام 1993 قانون سلطة ذاتية فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة سمح لأول مرة بإصدار جواز صادر عن السلطة الفلسطينية (وعَلي الكوفية عَلي ولولح فيها). ولكن مجدداً لا يستطيع جميع الفلسطينيين الحصول على هذا الجواز، فهو جواز سفر فلسطينيين "معينين" فقد سُمح بإصدار هذا الجواز لكل شخص يحمل "هوية مواطنة فلسطينية" هذه الهوية توافق على إصدارها ضمن شروط معينة السلطات الإسرائيلية فقط للذين يعيشون الضفة الغربية أو من قطاع غزة، ولكن لا يشمل اللاجئين الفلسطينيين من حاملي الوثائق.

لكل إنسان حق التمتع بكافة الحقوق والحريات دون تمييز، بغض النظر عن الوضع السياسي أو القانوني أو الدولي لبلده، سواء كان هذا البلد مستقلا أو تحت الوصاية، أو غير متمتع بالحكم الذاتي أو كانت سيادته خاضعة لأي قيد من القيود

وفي حين يَنظر باقي الفلسطينيين بقليل (حسناً الكثير) من الحسد إلى حاملي الجوازات الفلسطينية باعتبارهم يحملون جوازات وليس وثائق، إلا أن الجواز الفلسطيني على أرض الواقع لا يقدم أي معجزات، فهو يحتل المرتبة الـ 98 عالميا في قائمة تضم 104 دولة لأقوى جوازات السفر بحسب مؤشر هيلني لأقوى الجوازات من حيث حرية السفر من دون تأشيرة أو قيود. اجتماعياً، يواجه الفلسطيني أينما حَل المشاكل نفسها، فمن الصعب للفلسطيني من حاملي الوثائق مثلاً الزواج بفتاة تحمل هوية مواطنة فلسطينية لأنه لن يستطيع الدخول إلى فلسطين، كما لا يستطيع الزوج الذي يحمل جواز فلسطيني العيش مع زوجته التي تحمل وثيقة سفر لبنانية في لبنان أو سوريا أو أن يأخذها إلى فلسطين، كما أن أصحاب جوازات السفر الفلسطينية بشكل عام ممنوعون من زيارة لبنان ومصر والعراق وسوريا بدون الحصول على موافقة أمنية وفرصة الحصول عليها قليلة جداً (وطني حبيبي الوطن الأكبر). هذه التفاصيل قد تفسر سبب وجود أكثر من 8 مليون فلسطيني في الشتات (من تشتت أي تفرق، وهي من المصطلحات الدرامية المحببة لقلب أي فلسطيني) مقارنة الشعب الفلسطيني المقدر بحوالي 12 مليون، مما يشكل أعلى نسبة لجوء في العالم (بحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني).

تنص المادة الثانية من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي أعلن عام 1948 (وهو ذات العام الذي بدأت به مشكلة اللاجئين الفلسطينيين) على أن "لكل إنسان حق التمتع بكافة الحقوق والحريات دون تمييز، بغض النظر عن الوضع السياسي أو القانوني أو الدولي لبلده، سواء كان هذا البلد مستقلا أو تحت الوصاية، أو غير متمتع بالحكم الذاتي أو كانت سيادته خاضعة لأي قيد من القيود." كلام جميل ولكن الواقع ليس بهذا الجمال، فلا يتمتع الكثيرين من الفلسطينيين في داخل فلسطين أو في المخيمات بأي من الحقوق فيما يتعلق بالعيش بكرامة وحرية فلا تزال حريتهم مقيدة بما يحملونه من وثائق و بالأوضاع السياسية للبلد التي هُجر منها ولا يستطيع العودة إليها، أو البلاد التي يعيش فيها ولا ينتمي إليها. متى سيصبح الفلسطيني فلسطيني في الواقع وليس في القلب، متى سيتمكن من عيش حياة أقرب إلى الطبيعية؟ تأكيداً على حظ الفلسطيني يمكنني التوقع بأن ذلك لن يحدث في أي وقت قريب.

@BadarSalem