لبنان

جميع الصور من آية أبي حيدر

موضة

كيف أصبحت محلات البالة مكاني المفضل لشراء أجمل الأزياء وأحدثها

كان يُخيل إلى أحياناً لو أنني أغير اسم بالة "أبو النور" إلى إسم فرنسي كي لا تغير صديقتي رأيها بالقمصان بعد معرفة مصدرها الحقيقي
آية ابي حيدر
Beirut, LB
8.4.19

أنا آية وعمري 24 عاماً، أعيش في بيروت، وأدرس المسرح وأعمل في مجال الكتابة، ولدي مشكلة. ليست مشكلة كبيرة في الحقيقة، ولكن هوسي بالموضة والأزياء والماركات العالمية لا يناسب راتبي الشهري الذي يتبخر قبل انتهاء الشهر. الأهم أن لدي حُب خاص للملابس الفينتج، Vintage لذلك الخيار الوحيد الذي أمامي هو الذهاب إلى ما يُسمى بالبالة أو محلات الأغراض المستعملة. بتعرفوا شو البالة، المحل الذي يبيع ثياب وأكسسوارات استخدمها أشخاص آخرون ثم أعادوا بيعها أو توزيعها كي يستخدمها أشخاص جدد. بدأت قصتي مع الثياب المستعملة في الصغر. خالتي كانت تعمل في هولندا كبائعة ثياب مستعملة، وكانت ترسل الثياب المستعملة لأمي كي أرتديها، كما أن والدتي كانت تتبضع معظم الثياب من بالات بيروت خاصة أن أحذية الأطفال الطبية لم تكن متوفرة بأسعار معقولة.

إعلان

استمر الوضع على هذا الحال حتى وصلت للمرحلة الجامعية عام 2012 عندما اشترت لي والدتي قمصاناً مميزة من بالة الحارة في ضاحية بيروت الجنوبية وتباهت أمامي بنوعيتها وبأسعارها التي لا تتعدى الـ 3،000 ليرة لبنانية (2 دولار). لم أتقبل تلك القمصان في بداية الأمر، لكنني كنت طالبة منحة تعليمية في جامعة أميركية وكنت أعمل في وظيفتين لأدعم نفسي مادياً، وأي حل آخر غير هذه القمصان لم يكن متاحًا. في النهاية، تقبلت الفكرة. كنت أرتدي تلك القمصان إلى جامعتي التي يتعلم فيها طلاب من مستوى اجتماعي عالي، وكانت إحدى صديقاتي التي تشتري ثيابها من أهم الماركات، تسألني دائماً عن هذه القمصان، وكان يُخيل إلى أحياناً لو أنني أغير اسم بالة "أبو النور" إلى اسم فرنسي كي لا تغير رأيها بالقمصان بعد معرفة مصدرها الحقيقي.

الأمر لم يتوقف عند والدتي، لاحقاً أصبحت زبونة لمحل ملابس "أبو النور" وغيره من محلات البالة التي أصبحت مكاني المفضل للتسوق. أصبح الأمر قناعة شخصية، فنوعية الثياب وأسعارها أفضل من تلك التي نشتريها من المحلات التجارية الكبيرة. والأهم أنك بشرائك ثياب مستعملة تساهم في الحفاظ على البيئة، ومن لا يريد ذلك؟ فكما نعلم أن صناعة الأزياء تعتبر تسبب ضررًا كبيرًاِ للبيئة، حيث يُقدّر أن تجارة الأزياء تخلق 1.2 مليار طن من انبعاثات الغازات في كل عام، وهو أكثرُ مما تُخلفه الرحلات الجوية والبحرية معًا.

ولكن المشكلة أنّه ما زال يوجد نظرة دونية للبالة بسبب حب المظاهر الإجتماعية والمادية في لبنان. يعني أول مرة زرت بالة "أبو النور" في الضاحية، كنت أخجل أن أقول للناس أن معظم ثيابي من عند "أبو النور" وذلك لأنهم سينظرون إلي باستغراب (إني لابسة شي حدا تاني كان يلبسو) لكنني غيرت رأيي بالموضوع، ورحت أقول للجميع عن مصدر ثيابي الحقيقي. "البالة مش عيب" ووالدتي اعتمدت على البالة خلال ظروفنا الصعبة، كي نرتدي ثياباً مرتبة وأحذية طبية لا تؤذي أقدامنا. وودت أخذكم الى "أبو النور" باعتباره واحداً أقدم محلات البالات، ولكن للأسف، تم إغلاق المحل بالشمع الأحمر من قبل وزارة الداخلية لأنّ مالكها سوري الجنسية ولا يملك تصريح للعمل في لبنان.

لا يوجد ما يُسمى بالملابس (الوسخة) كما يقول البعض لمجرد أن شخصاً آخر ارتداها. جميع الملابس يتم غسلها وتعود جديدة بعد الكي والعناية

محل البالة الأشهر حالياً هو Depot Vente Beirut (مستودع الثياب القديمة في مار ميخائيل في بيروت) والذي لاقى رواجاً كبيراً بين الشباب بسبب حداثة وتميز الثياب المعروضة. قررت نوال، 50 عامًا، افتتاح هذا المحل قبل ست سنوات، بعدما هجرة ابنتها إلى كندا. أرادت نوال أن تملأ الفراغ بشيءٍ تحبه، فافتتحت خزانة صغيرة في منزلها لبيع الثياب القديمة والمستخدمة، ومع مرور الوقت تمكنت من التوسع، وأصبح لديها محل من ثلاث طوابق يحوي الثياب الـVintage والمستعملة، وحتى أنها تقوم بتأجير بعض الثياب لتصوير الأفلام والمسلسلات والإعلانات. "القطعة التي تشتريها من البالة لن تجدها في السوق لأنها تعود لزمن معين من الموضة،" تخبرني نوال: "أنت تدفع القليل مقابل قطعة نادرة يمكن أن تنسقها مع قطع أخرى لتصنع زيًا مميزًا."

من أين تحصل على هذه الملابس؟ أسال نوال التي تشير الى أنها تسافر بنفسها إلى أوروبا عامة وتركيا خاصة وتشتري كميات كبيرة من الثياب المستعملة ثم تختار أكثر القطع تميزًا لتعرضها في محلها. "أقوم ومساعدتي بغسل الملابس وكيها وإصلاح ما يلزم قبل عرضها في المحل. أحب أن يكون لدي نوعية جيدة من الملابس حتى لو كانت مستخدمة. لا يوجد ما يُسمى بالملابس (الوسخة) كما يقول البعض لمجرد أن شخصاً آخر ارتداها. جميع الملابس يتم غسلها وتعود جديدة بعد الكي والعناية،" تشرح نوال.

للوصول إلى فئة الشباب، استخدمت نوال طرقاً بسيطة ومبتكرة للتسويق من خلال التركيز على انستغرام وفيسبوك. واعتمدت على استخدام زبائنها لعرض الملابس. "الجيل الجديد منفتح يحب التعبير عن نفسه ويتقبل الإختلافات دون وجود أي نزعة طائفية أو عنصرية أو طبقية لديه،" تشير نوال: "هذا هو المكان المناسب لأي شخص يريد التعبير عن نفسه عبر إختيار ملابس مختلفة لا تجدها في المتاجر الكبرى. لدي زبائن من مختلف الأديان والأعراق والجنسيات والميول الجنسية."

ما تشير إليه نوال، يتفق مع دراسة أجرتها مجلة فوربس تشير إلى أن جيل الألفية الجديد ليس لديه ولاء أو وفاء لأي علامة تجارية بل ما يحركه هو الأسعار والعرض الجيد وأيضًا العلاقة الشخصية التي تجمعه بالعلامة. فيما أشارت دراسة أخرى الى أن الجيل الذي يتراوح عمره بين 18- 34 عامًا يلجأ لشراء الملابس المستعملة أكثر من أي جيل آخر، وذلك بسبب العادات البيئية الذي اكتسبها، وبسبب ملله من الثياب بشكل سريع، وللحد من المصروف أيضًا.

1551957659595-2-8

آية وزبونين لـ Depot Vente Beirut في جلسة تصوير مع نوال.

لأتعرف على سوق البالة أكثر، ذهبت لزيارة بالة "حسين خليل" في حارة حريك في ضاحية بيروت الجنوبية. تأتي الثياب المستعملة من موزعين يستوردونها من بلجيكا وألمانيا وتتقسم هذه الثياب بحسب نوعيتها، حسب ما يخبرني المدير المسؤول الذي رفض ذكر اسمه: "حوالي 70% من سكان المنطقة يشترون الثياب المستعملة بين عمال وأجانب وموظفي دولة وشركات عالمية. وعلى فكرة الثياب المستعملة ليست كلها رخيصة، فالأسعار تتفاوت من دولارين إلى ألف دولار، في حال كانت القطعة مستوردة من مصمم معيّن،" كما يقول.

1551957786487-6-1

بالة "حسين خليل" في ضاحية بيروت الجنوبية.

الأسعار تختلف، تخبرني أليسار، 34 عامًا، التي تشتري ملابسها من البالة منذ وقت طويل، فقد عمل والدها في هذه التجارة خلال فترة التسعينات وأصبح لديها خبرة جيدة في القطع التي تختارها من محلات البالة: "معظم الملابس التي أشتريها من البالة تنتمي لعلامات تجارية عالمية، فأنا أملك سترة جينز من تصميم علامة جان بول غوتييه، ومؤخرًا اشتريت حذاء لوبوتان بسعرٍ رخيص جداً من البالة."

سألت اليسار، أن كانت تُفصح عن سر مصدر ثيابها، وكانت الاجابة بالنفي، "أكيد لا، أنا أكتفي بالقول أنني اشترت القطعة خلال فترة التنزيلات من العلامة نفسها." لماذا أنا أعترف بذلك للجميع؟ ترمقني أليسار بنظرة غير راضية عن إفصاحي للمكان الذي أشتري منه ثيابي، لأنه برأيها سيقولون عني "شرشوحة والناس ما بتفهم." وتنصحني بعدم البوح بالمكان الذي اشتري منه ثيابي، لأي شاب، لأنها ترى أنه سينظر إلي نظرة دونية وسيتصرف معي وكأنني "مو كلاس."

قررت شراء ثيابي من محلات الأغراض المستعملة والمحلات الصغيرة لأني وجدت أن المحلات الكبيرة أكثر استغلالاً للموظفين

الموضوع أكثر بساطة بالنسبة لـ علي، 23 عاماً، الذي يخبرني أنه قرر في البداية أن يلجأ إلى شراء الثياب المستعملة بهدف دعم المحلات الصغيرة، فقد كانت أخته تعمل كمديرة في محل تجاري عالمي وقد شهد من خلالها سوء المعاملة التي يتعرض لها الموظفين والرواتب القليلة التي يتم دفعها مقابل ساعات عمل طويلة متعبة: "قررت شراء ثيابي من محلات الأغراض المستعملة والمحلات الصغيرة لأني وجدت أن المحلات الكبيرة أكثر استغلالاً للموظفين،" يقول علي ويضيف: "بعد ذلك، بدأ الموضوع يعجبني لأنني كنتُ أجدُ في البالة أغراضًا لا أجدها في أسواق أخرى. كما تغيرت علاقتي بهذه الملابس كثيرًا عندما وجدت مرة رسالة منسية في أحد السترات المستعملة، واكتشفت أن هذه الرسالة لم ترسل لصاحبها، ما جعلني لاحقاً باختراع قصة لكل قطعة ثياب مستعملة، وصرت اتخيّل من وين جاي كل قطعة قبل ما توصل عخزانتي."

تنصحني نوال في نهاية حديثي معها - بعد أن قامت بانتقاء ثيابٍ لي وصورتني على صفحتها - بأن نتجه للثياب المستعملة ونعبر عن أنفسنا بدل من أن نتبع النظام السائد. وهذا ما أوافق عليه تمامًا، الثياب الذي نرتديها تعبر عن شخصيتنا لا أكثر ولا أقل، وأرى أن القواعد التي وضعها المجتمع غير واقعية ولهذا أفضل أن أفصح عن المكان الذي أشتري منه ثيابي وعن أسعارها - لا أريد أن أضع قناعاً لا يشبهني وأفضل أن أرى الصدمة على وجوه الناس بدلاً من أن أكذب عليهم وعلى نفسي.

1551958308647-1-7