صحة نفسية

اضطراب الشخصية الحدية: الجمع بين الشيء وضده

أشعر أن لدي 1،000 نوع من المشاعر والعواطف التي أعيشها أو أمر بها خلال اليوم الواحد
birmingham-museums-trust-SlfifCId98o-unsplash copy

"أغلب الناس لديهم فضول حيال ماذا يعني أن تكون مصابًا باضطراب الشخصية الحدية؟ أنت بين بين، أنت الشيء وضده، أنت تشعر أن لا روح ولاحياة بك وفي ذات الوقت الحيوية تملؤك والنشاط يعتريك، تشعر أنك في علو ليس له مثيل و في قاع ليس له آخر، أنت سريع الهيجان على أتفه وأبسط الأمور، فالشخص الذي ينظر لساعته بينما تتحدث إليه أو ينصحك بالتفكير بإيجابية كي ترى الوجه الآخر للحياة يُشعرك أن لا أحد يسمعك أو يراك أو يأبه لأمرك، ومن يُخبرك أن الانتحار للجبناء فقط، يزيد من تأكدك بأن كل من حولك يسيء فهمك."

إعلان

"تجد نفسك طبيعي مثلك مثل عموم البشر، وقد تشعر بسعادة عارمة ثم بلحظة ما يثيرك أمرًا ما، فتجتاحك موجة من الانهيار تدمر كل شيء حتى أقرب الأشياء إليك. المفهوم الأصعب عليك هي العلاقات، فتجد نفسك باستمرار تدفع كل من تحب بعيدًا عنك، في حين أن أصوات كثيرة في رأسك تستنجد بك كي تتوقف، لكنك لا تستطيع، وتبدأ ببطء تدمير أسمى العلاقات التي كانت تعني لك يومًا ما، ستشعر أحيانًا أنك حملًا ثقيلًا من المستحيل أن يحبك أحد، وفي ذات الوقت تشعر أنك محبوب جدًا."

هذا المقطع يعبر عما يعيشه مرضى اضطراب الشخصية الحدية، والذي جاء في فيلم قصير بعنوان I am Borderline  ضمن حملة تهدف الحملة إلى المساعدة في تخفيف وصمة العار من اضطراب الشخصية الحدية عن طريق تشجيع الأفراد المصابون بالحديث ونشر صور لأنفسهم تظهر بشكل أوضح الأفكار التي تساعد في فهم من هم.

ما المقصود باضطراب الشخصية الحدية؟
يعرف التصنيف الدولي العاشر إضطراب الشخصية الحدية على أنه "أنماط سلوكية عميقة الجذور ودائمة، تتجلى في شكل استجابات غير مرنة في كثير من المواقف الشخصية والاجتماعية، وتمثل إنحرافات متطرفة أو دالة عن طريقة إدراك الفرد المتوسط فى ثقافة معينة وتفكيره وشعوره، مرتبط بشكل خاص بالآخرين، وتميل هذه الأنماط السلوكية إلى الثبات، وتشمل مجالات متعددة من السلوك والأداء النفسي، وكثيرًا، لكن ليس دائمًا ما ترتبط بدرجات متنوعة الكرب الذاتي والمشاكل فى الأداء الإجتماعي والإنجاز."

إعلان

يؤثر اضطراب الشخصية الحدية  Borderline personality disorder على 2 %من عموم السكان، ويصل إلى 20 %من المرضى النفسيين، كما أنه يرتبط بزيادة خطر الإنتحار بمقدار 50% ضعفا مقارنة بالسكان عامة. يتميز هذا المرض بنمط مستمر من تغير الحالة المزاجية والصورة الذاتية والسلوك، وغالبًا ما يؤدي إلى تصرفات اندفاعية ومشكلات في العلاقات. قد يعاني الأشخاص المصابون من نوبات شديدة من الغضب والاكتئاب والقلق يمكن أن تستمر من بضع ساعات إلى أيام.

أسباب اضطراب الشخصية الحدية ليست مفهومة تمامًا، لكن يتفق العلماء على أنها نتيجة لمجموعة من العوامل، بما في ذلك: عوامل وراثية، وعوامل اجتماعية فالأشخاص الذين يتعرضون لأحداث صادمة في الحياة - مثل الاعتداء الجسدي أو الجنسي أثناء الطفولة أو الإهمال والانفصال عن الوالدين أو الهجر - معرضون بشكل متزايد لخطر الإصابة باضطراب الشخصية الحدية، إضافة إلى الاضطرابات الدماغية. 

غالبًا ما يتم  تشخيص BPD تشخصيًا خاطئًا، وهو ما قد يثبط العلاج أو يمنع الشفاء ويؤخره. فالاضطراب ثنائي القطب هو أحد الأمثلة على التشخيص الخاطئ لأنه يشمل أيضًا عدم استقرار الحالة المزاجية. هناك اختلافات مهمة بين هاتين الحالتين ولكن كلاهما ينطوي على مزاج غير مستقر. بالنسبة للشخص المصاب باضطراب ثنائي القطب، فإن تغيرات الحالة المزاجية تستمر لأسابيع أو حتى شهور بينما تكون في اضطراب الشخصية الحدية أقصر بكثير ويمكن أن تحدث خلال اليوم.

أنواع أو فئات اضطراب الشخصية الحدية
الشخص الذي يعاني من اضطراب الشخصية الحدية قد يقع أو لا يندرج في إحدى هذه الفئات الفرعية، وقد يقع البعض في أكثر من فئة واحدة. بمرور الوقت، يمكن أن تتغير هذه الأعراض وتظهر بشكل مختلف أيضًا. وفقًا لثيودور ميلون-وهو  أحد الخبراء الرائدين في مجال الاضطرابات الشخصية عامًة واضطراب الشخصية الحدية بشكل خاص-هناك أربعة أنواع مختلفة من اضطراب الشخصية الحدية:

  • الاضطراب الحدي المثبط: المصابون بهذا النوع يميلون إلى التشبث أو التعلق بالآخرين والاعتماد أو الاتكال عليهم، قد تراهم يتجولون مع حشودات أو تجمعات لكنهم يشعرون بالحزن والاكتئاب إلى حد ما، وفي أعماقهم ، غالبًا ما يكون هناك غضب وخيبة أمل من تصرفات كل من حولهم. وخزة إبرة فقط، وقد ينفجر هذا البالون الكبير غضبًا، لكن من المرجح أن يلحقوا الأذى بأنفسهم عن طريق تشويه الذات أو حتى الانتحار.
  • الاضطراب الحدي المندفع: إن هذا النوع هو الأقرب إلى الاضطرابات الهستيرية، فهؤلاء الأفراد لعوبون يميلون إلى المغازلة، وجذابون أيضًا. إنهم نشيطون للغاية ويبحثون عن التشويق بعد الإثارة، يشعرون بالملل بسهولة ويبدوا أن لديهم ميول لا محدود لإثارة الانتباه. غالبًا ما يتصرفون دون تفكير، ويوقعون أنفسهم في الكثير من المشاكل.
  • الاضطراب الحدي العدواني: يصف ميلون هذا النوع بأنهم يصعب التنبؤ بأفعالهم، سريعو التهيج وساخطون على الحياة، وعنيدون وممتعضون. تجدهم تارة يثقون بالاعتماد على الغير وتارة يميلون إلى البعد خوفًا من خيبات الأمل.
  • الاضطراب الحدي المدمر للذات: يتميز هذا النوع بإحساسه المستمر بمرارة ووجع يتسرب إلى دواخلهم. غالبًا ما ينخرطون في سلوكيات التدمير الذاتي سواء كانت واعية أو غير واعية، حتى تصل مستويات كراهية الذات لديهم إلى أبعاد هائلة تقودهم إلى جميع أنواع السلوكيات المدمرة للذات، بدءًا من سوء الرعاية الصحية إلى القيادة المتهورة إلى القيام بأعمال جنسية مهينة.

    أعراض اضطراب الشخصية الحدية

    يعاني الأشخاص المصابون باضطراب الشخصية الحدية من تقلبات مزاجية واسعة ويمكن أن يشعروا بإحساس كبير بعدم الاستقرار وانعدام الأمن- ليس من الضرورة أن كل شخص يعاني من اضطراب الشخصية الحدية أن يعاني من كافة الأعراض المذكورة. وفقًا لإطار العمل التشخيصي للدليل التشخيصي والإحصائي، قد تتضمن بعض العلامات والأعراض الرئيسية ما يلي:
  • بذل قصارى جهدهم  لتجنب هجر الصديق أوالعائلة أو الحبيب والشريك فقد يقومون بإقامة علاقات جديدة بسرعة ثم يقطعونها تحسبًا للتخلي عنهم.
  • العلاقات الشخصية غير المستقرة التي تتناوب بين المثالية والقرب الشديد أو الكراهية الشديدة والغضب. 
  • الصورة الذاتية المشوهة وغير المستقرة التي تؤثر على الحالة المزاجية والقيم والآراء والأهداف والعلاقات.
  • السلوكيات الاندفاعية التي يمكن أن يكون لها نتائج خطيرة مثل الإنفاق المفرط أو الجنس غير الآمن أو القيادة المتهورة، وإيذاء النفس بما في ذلك التهديدات أو المحاولات الانتحارية.
  • فترات من المزاج الاكتئابي الشديد أو التهيج أو القلق تستمر من بضع ساعات إلى بضعة أيام.
  • الشعور المزمن بالملل أو الفراغ.
  • الغضب غير المناسب أو الشديد الذي لا يمكن السيطرة عليه - يتبعه غالبًا الخجل والشعور بالذنب.
  • المشاعر الانفصالية - الانفصال عن أفكارهم أو إحساسهم بالهوية وبذاتهم والابتعاد عن الواقعية - والأفكار المصاحبة للتوتر، يمكن أن تؤدي حالات التوتر الشديدة أيضًا إلى نوبات ذهانية قصيرة.
  • صعوبة الثقة يصاحبها أحيانًا خوف غير عقلاني من نوايا الآخرين.

    تجربة شخصية:
    تخبرني مها، اسم مستعار، ٣٢ عاماً، من فلسطين، عن تشخيصها باضطراب الشخصية الحدية منذ عام، بعد معاناتها لأكثر من خمس سنوات من شعور دائم بالاكتئاب ووصلت إلى مرحلة الإيذاء الجسدي.

    "في البداية كان لدي مشكلة في ضربات القلب، ولهذا توجهت لطبيب قلب، أخبرني أنني أعاني من الاكتئاب وهو ما أثر على ضربات قلبي، فبدأت بأخذ دواء السيترام المضاد للاكتئاب، لا أنفي أنه حسن من نفسيتي بعض الشيء، لكنني لم أتخلص من التخبط بعواطفي ومشاعري، كنت أشعر أن لدي 1،000 نوع من المشاعر والعواطف التي أعيشها أو أمر بها خلال اليوم الواحد."

    لحسن الحظ أن عائلة مها أصرت على معرفة ما الذي تعاني منه، وقاموا باحضار أخصائية نفسية لدى عائلتها معرفة شخصية بهم، "طلب منها والدي أن تتابع حالتي في البيت، لم أذهب إلى أي عيادة وذلك خوفًا علي من المجتمع الذي لا يرحم، وبالطبع لم نخبر أحدًا من الأقارب. استغرق الأمر عدة جلسات طويلة، سألتني عن الكثير من المواقف والذكريات الشخصية، وأخبرتها تفاصيل لا استطيع اخبارها لعائلتي."

    تتحدث مها عن المشاعر والمزاجات المتضاربة التي تمر فيها:
    -لا أرى سوى الأسود أو الأبيض لكن لا وجود للرمادي في قاموسي.
    -ليس لدي أي أصدقاء وأرفض الارتباط وفكرة الزواج، أخاف من الهجر أو يتم التخلي عني.
    -لم أستقر بوظيفة واحدة لأكثر من سنة، أهدافي متباعدة وغير مترابطة. عملت ككاتبة محتوى لمدة عام فقط، ثم قررت أن استقيل فجأة دون أي سبب على الرغم من أن جو العمل كان مريح جدًا. بقيت ملازمة للمنزل لمدة لا تقل عن عام ونصف، ثم اتجهت إلى تعلم الرسم والفنون اليدوية والعمل بهذا المجال، وتعلمته بالفعل واشتغلت قليلاً ثم تركته، وتوجهت إلى إكمال دراساتي العليا على الرغم أنني لا أرغب بذلك لكن لا أدري لماذا فكرت بذلك.

تضيف مها: "لقد عانى أهلي كثيرًا بسببي، فقد أرعبتهم كثيرًا حينما كانوا يروني مرات عديدة أجرح نفسي بقطع زجاج أو أخبط رأسي بالحائط بقوة شديدة، حاولت الانتحار ذات مرة باخذ جرعة زائدة من الدواء. أحياناً أكون بأحسن حال وسعيدة للغاية، ثم بلحظة ما أصبح أتعس شخص على وجه الأرض، وقد ألازم الفراش لأيام عديدة فلا أغادره إلا عند ذهابي إلى الحمام فقط، حتى الطعام كنت أكل قليلًا وبالإجبار."

بعد عدة جلسات، تم تشخص مها باضطراب الشخصية الحدية وهو الأمر الذي أراحها جداً: "أخبرتني الأخصائية أن أحاول تقليل جرعات السيترام تدريجيًا إلى أن أستطيع الاستغناء كليًا عنه، وبالفعل أصبحت أتناوله بجرعات أقل من السابق، وحتى الجلسات قلت عن السابق. وأشعر الآن أنني أفضل ولدي قدرة أكبر على السيطرة على أفكاري."

سألت مها عن الأمور التي ساعدتها في العلاج، وقالت:
-ما نصحتني به الطبيبة النفسية كي أستعيد عافيتي هو التركيز على مواطن القوة في شخصيتي مما ساعدني على استعادة ثقتي بنفسي، ليس بشكل كامل لكن أفضل بكثير مما كنت عليه.
-أحاول الموازنة في مشاعري بجعلها في المنتصف دائمًا، أي ليس في علو كبير أو دنو شديد.
-محاولة أن أكون واقعية قدر ما استطيع، بمعنى بعدم السماح للتخيلات السيطرة على مخيلتي، فحينما أتخيل شيئًا أحاول السيطرة على عواطفي ومشاعري وطرد الأفكار الاندفاعية والرجوع إلى نقطة السلام والتوازن.
-أن أتوقف عن لوم ذاتي دائمًا واستيعاب أن "كل البشر خطاؤون" فيجب أن نتعامل جميعًا مع أخطائنا على انها أخطاء بشرية قد يقع بها أي شخص، ولهذا أحاول التركيز على كيفية إصلاح الخطأ بدلًا من جلد الذات ومعاقبة النفس.