رأي

لماذا تشعرني الأفلام السورية المرشحة للأوسكار بالإحباط

هل نعدّ الفيلم سورياً إن كان المخرج سورياً أو إن كان تمويله وإنتاجه سوري؟
2020 فبراير 05, 7:39am
syria
لقطة من فيلم "الكهف" -ناشيونال جيوغرافيك.

عبر الكثير من السوريين عن فخرهم بترشيح فيلمين سوريين "الكهف" و"إلى سما" ضمن القائمة القصيرة لفئة أفضل فيلم وثائقي في جوائز الأوسكار. انجاز كبير، ولكن بالنسبة لي، لم أشعر بالفخر العارم، بل بالإحباط. قد يستهجن البعض ذلك ويعتبر أن السينما سورية عادت وبقوة، ويتغنون بمشاركتها في الأعوام الأخيرة في سباق جوائز عالمية وخاصة في الأوسكار في عدة فئات. ولكن دعونا ننظر إلى هذه الأفلام.

في عام 2017، الفيلم الوثائقي "غاندي الصغير" للمُخرج السوري الأمريكي سام قاضي، كان أول فيلم سوري على الإطلاق يتم اختياره بشكل رسمي للحصول على جائزة أوسكار لأفضل فيلم أجنبي، ولكن لم يتم ترشيحه. يتناول الفيلم قصة الناشط السياسي غياث مطر عام 2011 في محاولة من المخرج لإيصال صوت الثورة السورية إلى العالمية. قاضي قام بإخراج الفيلم من غرفة فندق في اسطنبول عبر السكايب، بينما كان فريق التصوير متواجد في مدينة داريا في دمشق، ومنع الفيلم من العرض في الأراضي السورية لأسباب واضحة.

وكان الفوز في ذاك العام عن فئة أفضل فيلم وثائقي من نصيب "الخوذ البيضاء" من إخراج وإنتاج بريطانيّ وتم توزيعه وبثّه من قبل شركة نتفليكس (خدمة نتفلكس ليست متاحة في سورية و3 بلدان أخرى فقط في العالم، كوريا الشمالية، الصين وشبه جزيرة القرم). يتحدث الفيلم عن منظمة الدفاع المدني السوري التي أثارت الكثير من الجدال حيث يصوّرها الإعلام الغربي على أنهم أبطال حقيقيون، في الوقت الذي يراها النظام السوري على أنها فبركة وأن الخوذ البيضاء عملاء للخارج ليس أكثر. وفي عام 2018 ترشح فيلم "آخر الرجال في حلب" للمخرج السوري فراس فياض ومن إنتاج سوري دنماركي عن فئة أفضل فيلم وثائقي ليكون أول فيلم سوري يترشح رسمياً لجوائز الأوسكار. العام الماضي، تم ترشيح فيلم سوري آخر لفئة أفضل فيلم وثائقي وهو "عن الآباء والأبناء" للمخرج السوري طلال ديركي من إنتاج سوري ألماني مشترك.

أفلامنا التي وصلت إلى العالمية ليست سورية خالصة؛ لعلّها قصص سورية من إخراج سوري، لكني لا أستطيع أن أشعر إلا أنها بعيدة عن الشعب السوري، يتم عرضها في صالات يحلم السوريون بدخولها، ومن ضمنهم أولئك الذين صُنِعت هذه الأفلام عنهم

في الدورة الثانية والتسعون من جوائز الأوسكار تم ترشيح "لأجل سما" الفيلم التسجيلي الوثائقي من إخراج وعد الخطيب والبريطاني إدوارد واتس وإنتاج سوري بريطاني. يتناول الفيلم قصة وعد في حلب بين الحب والحرب والأمومة، وأحدث الفيلم ضجة عالمية حيث حصد العديد من الجوائز العالمية منها جائزة "بافتا" لأفضل فيلم وثائقي وجائزة "العين الذهبية" في مهرجان كان. لهذا لم يكن من الغريب أن يتواجد في سباق جوائز الأوسكار لهذا العام. يشاركه في ذات الفئة فيلم "الكهف" من إخراج فراس فياض مرة أخرى من إنتاج دنماركي بالاشتراك مع ناشونال جيوغرافيك. يتناول فيلم الكهف قصة مستشفى تحت الأرض في الغوطة الشرقية ذا طاقم نسائي كلياً وقصص الطبيبات وما يتعرضون لها تحت القصف من أزمات وقذائف وتمييز جنسي.

من خلال تعداد هذه التفاصيل، آمل أن تكونوا قد استنتجتم أو استخلصتم نمطاً معيناَ للأفلام "السورية" التي وصلت إلى العالمية في السنوات الأخيرة. بطبيعة الحال جميعها أفلام وثائقية تصور الأزمة السورية بشكل أو بآخر، المخرجون داعمون للمعارضة وناشطون، والإنتاج والتمويل والدعم والتسويق خارجي. هذه الأفلام لا يتم عرضها داخل سورية، والشعب السوري عامة في جهلّ تام عنها.

هناك أفلام معينة يمكن لها أن تربح الجوائز في الأوسكار، وخاصة في فئة فيلم أجنبي -لأول 30 عاماً من الأوسكار اقتصرت هذه الفئة فقط على الأفلام "الناطقة بالإنجليزية" حتى تم إضافة فئة أفضل فيلم أجنبي (غير ناطق باللغة الإنجليزية) عام 1952. الفيلم "العربي" الوحيد الذي فاز بجائزة أوسكار عن فئة أفضل فيلم أجنبي كان فيلم Z من إنتاج وإخراج فرنسي، تمويل جزائري، ممثلين فرنسيين، المصور السينمائي فرنسي، حتى القصة فرنسية! لم يكن شيئاً منه جزائري إلا موقع التصوير والتمويل، فهل يمكننا برغم الترشيحات الكثيرة أن نقول أن فيلماً عربياً فاز بجائزة الأوسكار يوماً؟

لا أقصد التقليل من شأن الإنجازات السورية والعربية، ولا من شأن المعاناة الإنسانية والمجهود المبذول في الأفلام المذكورة أعلاه. أنا مجرّد شاب سوريّ عشريني، أدرس صناعة الأفلام، ولا يسعني إلا أن أفكر بمستقبلي، هل سيتم رفض تمويل فيلمي لأنه لا يتماشى مع أيدلوجية معينة؟

أضع السوري والعربي بين معترضتين لأن أفلامنا التي وصلت إلى العالمية ليست سورية خالصة؛ لعلّها قصص سورية من إخراج سوري، لكني لا أستطيع أن أشعر إلا أنها بعيدة عن الشعب السوري ويمرّ ذكرها مرور الكرام عندهم، وبتمويل وتسويق خارجي. تنهمر الأيادي البيضاء الأوروبية والأمريكية تصفيقاً في صالات عرض يحلم السوريون بدخولها، ومن ضمنهم أولئك الذين صُنِعت هذه الأفلام عنهم، فما زال الشريط عندهم يدور ومعاناتهم مستمرّة وبعيدة كل البعد عن الشهرة والأضواء. ولعلّها هذه حقيقة وقسوة صناعة الأفلام الوثائقية عامة.

في زمن الرقابة وغياب الاهتمام الأكاديمي وفرص التدريب العملي، لا وجود لسينما سورية حقيقية، وإنما صناع أفلام سوريين مبعثرين في مختلف الأماكن. اليوم لا يمكن أن أحدد موقع السينما السورية على الخريطة لأن السوريين لا خريطة لهم. هل نعدّ الفيلم سورياً إن كان المخرج سورياً أو حاملاً الجنسية السورية؟ إن كان تمويله وإنتاجه سوري؟ ماذا عن ممثليه؟ طاقم تصويره؟ هل الحبكة تتحدث عن السوريين؟ عن مشاكل السوريين؟ هل تمّ تصويره في سورية؟ هل يتم تسويقه خارج سورية؟ أيمكننا أن نعتبره جزءاً من بروباغندا لدولة ما؟ هل يمكننا أن نعرضه في صالات عرض سورية وأيضاً في منصات عالمية؟ لماذا علينا الالتزام بواحد من الأمرين؟ لماذا يختلف الدعم والتمويل مع اختلاف محتوى أفلامنا وقصصنا؟

أنا لا أكتب بقصد التقليل من شأن الإنجازات السورية والعربية، ولا من شأن المعاناة الإنسانية والمجهود المبذول في الأفلام المذكورة أعلاه. أنا مجرّد شاب سوريّ عشريني، أدرس صناعة الأفلام، ولا يسعني إلا أن أفكر بمستقبلي، هل سيتحتم عليّ أن ألجأ لتمويل خارجي ومهرجانات دولية؟ هل سيتم رفض تمويل فيلمي لأنه لا يتماشى مع أيدلوجية معينة؟ أعلم أن هذه الأسئلة هي على بال معظم صنّاع الأفلام العربية، ولكن الأمر يشعرني بالغضب والخوف.

أخاف من مستقبل فيه يتحتّم علي أن أضع قصص بلدي ومجتمعي وناسي في حقيبة صغيرة أغادر فيها إلى مكان أفضل لأن وطني لم يعطني شيئاً إلا تلك الحقيبة. لا دعم ولا تمويل ولا تسويق.

أخاف من مستقبل فيه ينحصر فيه إبداعي في متطلبات معينة إن كنت أريد أن أوصل رسالتي إلى العالمية، أخاف من مستقبل فيه يتحتّم علي أن أضع قصص بلدي ومجتمعي وناسي في حقيبة صغيرة أغادر فيها إلى مكان أفضل لأن وطني لم يعطني شيئاً إلا تلك الحقيبة. لا دعم ولا تمويل ولا تسويق.

بعد إعلان ترشيحة لجائزة الأوسكار لهذا العام، شارك المخرج فراس فياض رأيه على فيسبوك قائلاً "السينما السورية لم تبدأ اليوم، بفيلم او فيلمان، لديها تاريخ، سينما ذاتية حميمية صادمة تنتمي للمخرج، هناك تاريخ بدء يسينمائيون كعمر أميرلاي، أسامة محمد، هالا العبدلله، وآخرون وضعوا كاميراتهم بيد وحياتهم بيد أخرى ليرووا قصص تحررنا من سطوة السلطة، صنعوا أفلاماً ملهمة، فيلم الكهف هو استكمال لتلك السينما."
أعترف أنني أحسست بمشاعر مختلطة، منها الأمل بأني وبأن الشباب السوري قادر على الوصول والتأثير عالمياً، مهما كان ذاك الجزء صغيراً. ومنها التأسف، لأننا إن أردنا أن نصل إلى ما أبعد من هنا، ذاك يعني أن نخرج من تلك الغرفة المعتمة المحدودة ومنخفضة السقف، وشعور الخوف المتربّص كأنه ظل يتبع كل سوريّ.

ما ينقص سورية اليوم هو وجود هيئة سينمائية موحدة لجميع المبدعين باختلاف وجهات النظر والأهداف، وافتتاح فرع جامعي لتدريس صناعة الأفلام بكافة تفصيلاتها، ربّما ليس في المستقبل القريب ولكن في مستقبلٍ ما. مستقبل أفضل يتماشى مع طموحاتنا وأفكارنا وإبداعاتنا وقصصنا. أن نغرق في عالمنا الفني بكل راحة دون التفكير في سياسات تحدّنا، ودون أن نكون مرهونين بجوازات سَفرنا. أن نكون في سيطرة تامة على إبداعنا وأدواتنا ومحيطنا. وألّأ نخاف من الفنّ، فالفنّ يأتي من الحب، لا من الخوف.