مقال رأي

من كتب النحو إلى الشتائم الجنسية.. كيف تنحاز اللغة العربية ضد المرأة؟

اللغات ليست عنصرية في ذاتها، ولا محايدة في ذاتها، بل هي انعكاس لتصورات المجتمع عن نفسه
jude-al-safadi-CQVj6hM7MUw-unsplash

تشكل اللغة جزءاً مهماً من القضية النسوية، فعندما نتأمل كيف نتعامل مع اللغة، وكيف تتعامل اللغة معنا كنساء، نستطيع تفكيك جزء كبير مهم من الخطاب العنصري الموجه ضدنا، ونفهم جذوره، ونفهم كيف طوَّعت اللغة العقول، وبرمجتها لتفكر بشكلٍ معين، لمجرد أن الجملة تحوي نون نسوة أو تاءً مربوطة.

تتحدث اللغة العربية إلى الرجل أولاً، وتميزه عن المرأة بوضوح.. فالضمير المفرد المذكر "أنتَ" هو الوضع الافتراضي Default عندما نتكلم.. نقول "أنتَ" عندما نقصد رجلاً بعينه، وعندما نقصد البشر عموماً، رجالاً كانوا أم نساءً. نجد مقالات تخاطب القراء بـ "عزيزي القارئ" والراديو الذي يخاطب "عزيزي المستمع" وفي الأغاني التي تتغزل دوماً في "حبيبي." 

إعلان

نون النسوة.. فخ التمييز والإقصاء اللغوي
هل لاحظتم شيئاً في الفقرة السابقة؟ لقد كتبتُ بتلقائية "رجالاً كانوا أم نساءً" و"رجلاً أم أنثى" وهذه سمة ذكورية مهمة في اللغة العربية، أن الرجل يأتي دائماً قبل المرأة، ولو كتبت "نساءً كن أم رجالاً" لأطلق عقلك إشارة تنبيه أن شيئاً ما خطأ. تحمل اللغة العربية سمات ذكورية أخرى، مثل جمع غير العاقل الذي يؤول دائماً إلى المؤنث، ومثل المسميات الوظيفية مثل وزير، قاضٍ، نائب، والتي تستعمل بصيغة المذكر حتى وإن تولت المنصب أنثى.

يتكرر تمييز الرجل في صيغة الجمع أيضاً، فجمع المذكر "أنتم - افعلوا" يشمل الجنسين، أمَّا النساء فيذكرن كاستثناء، تحاصرهن اللغة بضمير المؤنث وبنون النسوة، حتى إذا ظهرت المرأة في النص كانت واضحة ولا فرار لها، ويتأهب القارئ فوراً. "إن كيدكن عظيم."

تفضح اللغة ضمير المؤنث، وتجعله استثناءً مثيراً للانتباه بعيداً عن الوضع الافتراضي. من الطريف أن اللغة تتوجه إلى النساء حصراً في إطار الدور الاجتماعي المفروض عليهن كزوجاتٍ وأمهات، مثل تعليمات منتجات التنظيف، ووصفات الطهي، ومستحضرات العناية بالبشرة، كلها تكتب بصيغة "أنتِ" لأن من سيتعامل مع هذه الأشياء سوى النساء؟ هكذا يظن المجتمع، وهكذا يربينا.

يدافع بعض اللغويين بأن هذا التمييز في حقيقته تكريم للمرأة، ويقدمون تبريراً يتصنَّع الرومانسية، هو أن النساء نقيَّات من أي ذكورة، وتحترمهن اللغة العربية، فتحفظهن وحيداتٍ نقيَّات، لكن إذا دخل ضمير المذكر في الموضوع يتلاشى نقاء نون النسوة، فنستخدم جمع المذكر، فلو كنا نتحدث عن جماعة من ألف امرأة، سنتحدث "عنهن" لكن إذا انضم رجل إليهن فسنتحدث "عنهم." يفتخر البعض بهذه السمة اللغوية، لكن من الضروري أن نتأمل ذلك المنطق العجيب الذي يلغي ألف إنسان لصالح إنسان آخر، بناءً على جنسه، بحجة "التكريم." وبجانب موروثات ثقافية ودينية عديدة تعتبر الرجل أعلى منزلةً من المرأة عموماً، فاللغة العربية رسَّخت بقواعدها فكرة أن الرجل الواحد بألف امرأة، وقد امتدت هذه الفكرة إلى حياتنا كلها حتى اليوم.

إعلان

ما لم تقله اللغة يحفظه الموروث الثقافي
الموروثات الثقافية شيء مخيف في تأثيره، وتحمل لغتنا اليومية الكثير من العبارات المنحازة ضد المرأة، كالشتائم والأمثال الشعبية، وتقدم أيضاً طريقة تفكير شديدة العنصرية في كلماتٍ معسولة.

أبرز مثال هو "ست بـ١٠٠ راجل" جملة استحسان تقال يوميّاً لكل امرأة فعلت شيئاً شجاعاً أو قويّاً أو شهماً، لكن هذه الجملة تحمل مقارنة مهينة في جوهرها، لأنها تجعل الرجل هو معيار الشجاعة والشهامة والقوة الذي نقيس أنفسنا عليه، وعندما تفعل المرأة شيئاً مثيراً للإعجاب تصبح جديرة بأن تُشبَّه به، مكافأةً لحسن أخلاقها، وتشجيعاً للأخريات.

تضع لغتنا اليومية المرأة في منزلةٍ أدنى، وتجعلها معياراً للصفات السلبية. نسمع يوميّاً عبارة "عامل زي النسوان" أو "متل النسوان" ثم تكتمل الجملة بأي صفة سيئة، مثل الكيد، والنكد والضعف، ونرى أحكامًا مجتمعية على أي كلام فارغ بأنه "حكي نسوان" أو قيادة متهورة بأنها "سواقة نسوان." تجد تلك الأفكار المهينة طريقها إلى السينما والدراما، معبرةً عن تفكير القطاع الأكبر من المجتمع، وقد قدم الفيلم الرائع "إبراهيم الأبيض" نموذجاً دقيقاً لشخصية البلطجي عشري، والذي سرد وسائل ردع الخصم ومنها "الصياعة إنك.. تكسر عين اللي قدامك وتقلبه مَرة." كلمة "مرة" في حدا ذاتها إهانة، وسبة مثل "يا ولاد المرة" إهانة أعنف، لأنها إمَّا تطعن الأب في رجولته، وإمَّا تنال من شرف الأم.

لقد بُرمجت عقول ملايين على أن معرفة اسم الأم عار، ويختلط هذا بالتطير الذي خلفته خرافات شعبية تقول إن معرفة اسم الأم ضروري للأعمال السحرية، كما أن الدعاء على شخص باسم أمه يجلب اللعنة

إعلان

إن شرف الأم هو حجر أساس الشتائم النابية المستخدمة في حياتنا بإفراط، عن طريق تصوير الأم كبائعة هوى، أو باحثة عن الجنس، أو أداة للجنس، مع ألف لفظٍ يخدم هذه الفكرة، إمعاناً في الإهانة والحط من الشأن، أمَّا الشتائم التي تلحق بالأب فمعدودة، وتلعب على فكرة أنه يتستر سلوك الأم الجنسي المنحرف، ولفظة "ديوث" التي يفرط في استخدامها المتشددون، لوصم كل رجل لا يجبر "نسائه" على الحجاب، هي خير مثال على ذلك، رغم أن معنى الكلمة الحقيقي يخالف هذا تماماً، وهو الرجل الذي يترك زوجته لتمارس الجنس مع غرباء. الشتيمة بالعضو الجنسي للأم والأخت هي الأشنع والأكثر استخدامًا في العالم العربي، كون إهانة أي امرأة تمت لك هي وسيلة ناجعة للتنكيل المعنوي.

العبارات المهينة للمرأة تصبح وسيلةً للتعبير عن الذات في الفن الشعبي، فأغاني المهرجانات التي بدأت كحركة مستقلة من شباب عاديين، ولاقت نجاحاً جعلهم نجوماً، تروج هذه المفاهيم بصورة فجة، وفيها نسمع عبارات تهين العدو/الصديق الخائن بتشبيهه بالمرأة مثل "تجيب ورا تصبح مرة مالكش قيمة وسط البشرية".. جملة قصيرة من أغنية مفيش صاحب تضم عناصر التنكيل والإهانة الشعبية مجتمعةً. "تجيب ورا" بمعنى تتراجع، والتي تحمل صفة الجبن، أو تهزم في المعركة، لهذا "تصبح مرة" ما الإهانة في أن يكون أي إنسان امرأة؟ "مالكش قيمة وسط البشرية".. هكذا الإجابة باختصار.

اللغة الذكورية ومعاييرها المتضاربة
اللغة سلاح خطير، فصياغة كلماتنا تكشف تفكيرنا، وتؤثر علينا وعلى من حولنا. وقد استعملت الذكورية لغةً سامة خلقت معايير مزدوجة تُقصي النساء وتضطهدهن. مثال هذا استعمال كلمة "عانس" للمرأة في مقابل "أعزب" للرجل، بهذه الكلمة البسيطة تصبح للرجل حرية أن يبقى أعزب ولو إلى المئة من عمره.

إعلان

"السيد فلان وحرمه" "يدعوكم السيد فلان لزفاف كريمته الآنسة أ" هنا تُنسب المرأة لرجلٍ ما ويختفي اسمها خلفه، كملكية خاصة، وبعد الإنجاب تصبح "أم فلان" وقد جرى العرف على أن تنادى الأم باسم الابن الأكبر، لكن إذا كان أكبر أولادها بنتاً، تنادى باسم الابن الذكر، لأن البعض يعتبر تفضيل اسم البنت على أخيها الذكر إهانة له، أو "لحماية" اسم البنت التي ستصبح أمّاً يوماً ما ولا يجب أن يعرف أحد اسمها.

لقد بُرمجت عقول ملايين على أن معرفة اسم الأم عار، ويختلط هذا بالتطير الذي خلفته خرافات شعبية تقول إن معرفة اسم الأم ضروري للأعمال السحرية، كما أن الدعاء على شخص باسم أمه يجلب اللعنة، وشتم الشخص بـ"يا ابن فلانة" إهانة في ذاتها. وعندما يخبرك صديقك بشيء مزعج ستنهره بتلقائية "وحياة أمك!" ولكن إذا كنت تطلب منه معروفاً فسوف تستحلفه بكلمة "وحياة أبوك."

اللغة أيضاً تحدد للنساء نطاق حياتهن، فأي مكان تتجمع فيه النساء يصبح مكان "الحريم" ومن هنا تولد كلمات: حمام الحريم، طابور الحريم، عربية الحريم (عربة السيدات بالمترو). تعتبر كلمة "الحريم" هذه من أكثر الكلمات المربكة بالنسبة إليَّ، فهي أبعد قليلاً من معناها القديم الذي يصف مكاناً في قصور الملوك يضم زوجاتهم ومحظياتهم، وكل تاءات التأنيث التي "يملكونها" لكن بها جزءاً لا يستهان به من المعنى اللغوي، وهو أي "شيء" يحرم انتهاكه، وحريم الرجل هن نساؤه، بحسب المعاجم.

عندما نتحدث عن اللغة المتحاملة ضدنا كنساء، والعبارات المهينة والتشبيهات المؤذية التي نسمعها يوميّاً، يتهمنا البعض بأننا نبالغ، ونصنع "من الحبة قبة." لكن تخيل معي عالماً يتحدث للشخص الجالس جوارك ويتجاهلك تماماً، وحين تأتي سيرتك تكون ملاحقة بالسخرية والذم والإهانة؟ ماذا سيكون شعورك لو كانت صيغة المؤنث هي الأساس؟ ماذا لو عكسنا "التكريم" وجعلنا اللغة كلها بنون نسوة، إلا لو كانت تتعلق برجل؟ الانزعاج الذي شعر به قراء الكاتب المذكور في الفقرة الأولى، يكفينا كإجابة.

إعلان

لنؤسس للغة ألطف وأكثر إنسانية واتساعاً للجميع، ونفتح الطريق لأجيال تستوعب أن المرأة شريكة أساسية في كل شيء

اللغة عنصر خطير يشكل العقل، والعقل يشكل المجتمع، والمجتمع يؤثر في حياة أفراده.. بهذا التسلسل البسيط يمكننا تتبع تأثير عبارة عنصرية تنطق ببساطة، فتترسخ في ذهن صاحبها وأذهان سواه. كم فتاةٍ تعرضت للعنف الأسري بسبب "اكسر للبنت ضلع يطلع لها ٢٤"؟ وكم فتاة تعرضت للتضييق والتحكم المبالغ فيه من أهلها، وشكهم غير المبرر فيها، بسبب "يا أم البنات يا شايلة الهم للممات"؟ 

مؤخراً، بدأت صياغات متحضرة تجد طريقها في الخطابات الرسمية لبعض المنظمات الثقافية والمواقع الصحفية المرموقة في العالم العربي، والتي تكتب "تـ/يتقدم - الفنانات/الفنانين"، وتُشرك صيغة المؤنث في المتن بعد قرون من بقائها على الهامش. قد يرى البعض أن الكتابة بهذه الطريقة مزعجة بصريًّا، وكنت أنزعج منها بدوري لأنها تجعلني أبذل جهداً إضافيّاً عند الكتابة، لكن بعد فترةٍ من الاعتياد صارت هي الأساس، وجعلتني أشعر بتواصل أكبر مع النص، ومع النساء اللواتي ستصلهن تلك الكلمات بشكلٍ شخصي، ما يجعلني أتفاءل بتطور هذا الاتجاه مستقبلاً ونجد طرقًا أفضل حتى تكسب اللغة الموجهة للنساء أرضاً أوسع، وتصبح شيئاً طبيعيّاً لا يزعج القراء أو يشعرهم بالغرابة.

لقد حدث الأمر نفسه في اللغة الإسبانية، والتي تؤنّث أو تُذَكِّر كل كلماتها، وهيمنت الذكورية على صياغاتها حتى عقودٍ مضت، حتى تغيرت نظرة المجتمع، ومن ثمَّ تغيرت لغته، وصرنا نقرأ لغةً تستوعب النساء، تخاطبهن شخصيّاً، وتقدمهن على الرجال في سياقات أدبية وصحفية وفنية مختلفة.

اللغات ليست عنصرية في ذاتها، ولا محايدة في ذاتها، بل هي انعكاس لتصورات المجتمع عن نفسه، وقد قامت اللغة العربية على أكتاف من رأوا المرأة نصف إنسان في كل شيء، لا تنافس الرجل في حريتها، ولا ميراثها، ولا شهادتها، ولا استقلاليتها، ولا قراراتها. هذه النظرة مُررت إلينا مُضفَّرةً في نحو اللغة وصرفها، وانغرست في لغتنا العامية لقرون.

حان الوقت لأن نتوقف قليلاً، ونفكر في تأثير الكلمة على من حولنا، نراجع أنفسنا قبل استخدام العبارات المهينة، ونؤسس للغة ألطف وأكثر إنسانية واتساعاً للجميع، ونفتح الطريق لأجيال تستوعب أن المرأة شريكة أساسية في كل شيء، تستحق أن تهتم لها اللغة، وأن يتحدث إليها العالم.