مقال رأي

كيف أظهر موكب المومياوات الملكية التناقضات المصرية؟

"كل واحد فينا بيرقص بطريقته، أنا بهز وسطي وانت بتلَّعب لسانك وتخطب"
8.4.21
image (4)

صفحة وزارة السياحة والاثار المصرية/يوتيوب.

منذ موكب المومياوات الملكية يوم السبت الماضي (٣ أبريل) ومصر وجيرانها وإعلامها لم يتوقفوا عن الحديث عن عظمة هذا الحدث. مازالت صفحات السوشيال ميديا تتناول الشخصيات التي شاركت في كواليس هذا الحدث الضخم الذي أدهش المصريين أنفسهم، الجميع يسأل نفسه، كيف استطعنا تقديم حدث بهذا التميز؟ هذا الخوف والشك بقدرتنا على تنفيذ حدث بدون مشاكل، يأتي طبعاً من حجم الإخفاقات والكوارث التي تحدث في كثير من الفعاليات والمشاريع التي تقوم بها الدولة.

إعلان

لا أخفي عليكم أنني أيضاً تفاجئت، لقد كان موكب المومياوات الملكية جيدًا جدًا. الأوركستر وتقديم ترنيمة باللغة المصرية القديمة اطلَق عليها اسم "مهابة إيزيس" وموسيقى هشام نزيه وأوركسترا نادر عباسي كانت من أكثر عناصر الحفل تميزًا في ظني. التصوير كان احترافيًا كذلك، وإن شاب الإخراج بعض التقطيعات المربكة التي أثرت على المشاهدة. 

الجولة الرئاسية داخل متحف الحضارة وعرض للآثار، وظهور الممثلين في الحفل كانا مملين ولم يُضيفا أي قيمة للموكب. في الواقع، لو أن النصف الأول من الحفل حُذف لما تأثر موكب المومياوات قيد أنملة، لكن عادة أهلنا حب المظاهر كي نبهر أعين الضيوف من أول النيش لغاية الفرح في قاعة ملكية يجلس بها الضيوف يغمزون ويلمزون على العروسين. 

نعم لقد كان الموكب ناجحاً، لم تحدث أي مشاكل، تم نقل 22 مومياء فرعونية من المتحف المصري بالتحرير إلى متحف الحضارات الجديد بسلام، ونعم لم تستيقظ أي من المومياوات للأسف. ولكن بعيداً عن الاحتفال بالموكب والتطبيل له، هناك الكثير من التناقضات التي أظهرها هذا الحدث ولم أستطع المرور عنها.

لا صوت يعلو فوق صوت الوطنية
الشعور بالفخر هو أمر طبيعي في ظل حدث مثل هذا، الفخر بالانتماء لحضارة يمتد عمرها لآلاف السنين مسألة منطقية. لكن الوطنية بمعنى Patriotism تصل في مصر إلى حد الهوس في أحيان كثيرة حتى يمكن وصفها بأنها شوفينية أو التطرف الوطني لمجرد الانتماء لدولة معينة، وهذا التطرف لا يستخدم أي منطق بالتأكيد، وبالتالي فأي فعل تقوم به الدولة يمثل فخرًا لا ينتهي ولا يمكن أن يكون خطأ -لفظ الشوفينية يعود لاسم مواطن فرنسي نيكولاس شوفين الذي كان يعظم المجد العسكري الفرنسي في عهد نابليون

إعلان

موكب المومياوات لم يكن سوى تجسيد لعظمة الحضارة المصرية القديمة ومدى قدرتها على مقاومة الزمن، وما قدمه المصريون للاحتفاء بهذه الحضارة ليس إلا أمرًا طبيعيًا لتكريم ملوك وملكات مصر القدامى. لكن ما نشاهده على الشاشات ونقرأه في الصحف ليس سوى تضخيم لكل شيء، وكأن العالم لم يشهد أمرًا كهذا من قبل، فتوضع الأشياء في حجم أكبر من حجمها، والسبب هو شعور (الطفح الوطني) الذي تلعب عليه مؤسسات الدولة، وتدعمه فئات مختلفة من الشعب.

لماذا؟ ظني أن الشعور بالهزيمة والانسحاق في كثير من مناحي الحياة، تعظم نظرتنا لأي مظهر من مظاهر النجاح، فنتعلق (نتشعلق) بها مثل القشة في مهب الريح، ويظل التباهي مستمرًا، ثم يتحول للحظة تاريخية نتذكرها؛ لأننا لا نملك حاضرًا متقدمًا أو مستقبلًا إيجايبًا يمكن استشرافه. وهذه القشة كانت شكل الموكب المبهر وأداء أوركسترا الاتحاد الفيلهارموني الرائع والتنظيم المتميز الذي لم نعتد عليه في مصر، فقبل أيام من الموكب وقعت حادثة قطار سوهاج التي راح ضحيتها حوالي ١٩ قتيل و ١٨٥جريح. 

إن الوطنية المصرية في ظني  وطنية متمركزة حول ذاتها، ترى نفسها الشمس والعالم من حولها الكواكب، فتكون النتيجة ما أسميه المركزية المصرية أو Egycentrism، على غرار المركزية الأوروبية Eurocentrism. فكثير منا في مصر يرى العالم من عدسة مصرية، يظنون العالم يتابع كل تفصيلة عن أم الدنيا، وأن غير المصريين مولعون بأدق الأشياء عن الحضارة المصرية، فمصر أصل الحضارة وأصل الكون ومصدر المعرفة والعلم. وإن افترضنا صحة هذه المقولات، فهذا ماضٍ (راح وانقضى كما تقول نجاة) ولا يدرك بعض المصريين أن العالم يدور ولا يهتم أحد بشأننا مادام الأمر لا يؤثر سلبًا على بقية أجزاء العالم ولنا في أزمة قناة السويس خير مثال.  

إعلان

هذه الوطنية لم تتأثر كثيرًا عندما تم بث إعلان مسلسل (الملك أحمس)، والذي كان يحتوي على الكثير من الأخطاء التاريخية، لكن بمجرد إذاعة موكب المومياوات الملكية، في اليوم التالي أعلنت الشركة المنتجة للمسلسل، تأجيل العمل لحين عرضه على لجنة من الخبراء والمتخصصين. قد يرى بعضنا مسألة التأجيل أمرًا جيدًا لإعادة النظر في العمل الفني، لكن السؤال هنا، لماذا في هذه اللحظة تقرر تأجيل العمل؟ الإجابة في ظني تتعلق بالموكب الذي كان جيدًا جدًا، ومَثَّل دعاية - بروباغندا- للدولة المصرية والسياحة بشكل لم نتعود عليه من قبل، وبالتالي فالموكب قد يكون بروباغندا جيدة، لكن المسلسل سيكون بروباغندا سيئة. وهذا يعود بنا لآفة من آفات الثقافة المصرية المعاصرة، عدم التخطيط. مسلسل يُجهز كاملًا في المطبخ في بضعة أشهر، ما هذا الإعجاز؟!

التخصص ليس صاحب السطوة 
على مدار سنوات عديدة كان أصحاب التخصص غائبين عن المشهد في مصر، فإما تُسنَد المشاريع لرجال أعمال، أو يصبح رجال الأعمال وزراء ينفذون سياسة الدولة، وإن لم يكن هذا أو ذاك، فرجال الأعمال قد يكون لهم علاقات وثيقة بالمؤسسات السيادية في الدولة مثل المؤسسة العسكرية. 

هذا التزاوج المؤسسي جعل أهل التخصص غير قادرين على التواجد في أماكنهم، وأصبحت طاقاتهم الإبداعية مدفونة داخل المكاتب، إذ أن المشروعات تُسند لرجال النظام المخلصين بغض النظر عن تخصصهم أو كفاءتهم. وما حدث في موكب المومياوات الملكية أعاد طرح السؤال الأزلي: ليه ما نديش العيش لخبازه؟ فعندما حصل أصحاب الكفاءة والموهبة على فرصة خرج المنتج الفني متميزًا، وبات الحديث عن وجود مواهب وكوادر وطنية أمرًا واقعًا وليس مجرد فرضيات تُقال في الفراغ. 

إعلان

إذا نظرنا لسياقات أخرى تُسنَد فيها الأعمال لغير أهل التخصص ذوي الكفاءة، ماذا تكون النتيجة؟ قطاع السكك الحديدية مثال بارز على هذا.. فكثيرًا ما نجد الشخص المسؤول عن الإدارة ليس له علاقة بالقطاع الذي يترأسه، لم يكن دارسـًا للتخصص، وربما لم يمارسه، وإن حدث ومارسه، فهو يتعامل بمنطق الأمر والنهي. الطاعة العمياء تحكم حركة القطارات والعمارة والطرق والصحة.. 

خلال الأشهر الماضية شاهدنا الكثير من التطورات العمرانية التي تؤثر سلبًا على حياة الناس، فيثور السؤال المعتاد: هل تم التخطيط لهذا المشروع قبل البدء فيه؟  الموكب وتفاصيل الإعداد له قد لا تؤثر بالسلب على الحياة اليومية للمواطنين، وإن كان لها تأثير وقتي تعلق بإغلاق المنطقة المحيطة لعدة ساعات للتحضيرات، وهذا الأمر يمكن تقبله إلى حد كبير، لكن لا يمكن تخيل أن يكون ذلك الأسلوب نمطًا للحياة عند الاستعداد لأي حدث كبير. معذرة.. يمكن تخيله عادي مافيش مشكلة.

المرأة في عصر المرأة
الاحتفال بملكات مصر وملوكها برزت فيه المرأة بشكل لا يستطيع أحد إنكاره، فبدءًا من مذيعات الحفل المتأنقات مرورًا بالثلاثي الغنائي، وعازفات الأوركسترا، تؤكد المرأة المصرية أنها قادرة على التواجد في أفضل المواقع دون وجود أي فارق بينها وبين الرجال الذين يسيطرون على كل شيء. مواهب نسائية لم يكن سهلًا لها أن تظهر إذا لم يكن هناك فريق عمل يؤمن بأهمية دور النساء في هذا المجتمع، وأن الكفاءة تحكم كفة الأشياء وليس الجينات التي نُولد بها. كيف يمكن أن نكون في العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين ومازلنا نفكر أن هرمونات المرأة تؤثر على أدائها المهني؟ 

إن الحديث عن تمكين المرأة لا يتوقف في مصر سواء في خطاب الدولة الرسمي أو مؤسسات المجتمع المدني، وفي نفس الوقت تعاني النساء من عدم الحصول على حقوقهن في الولاية، ولا تبتعد أي امرأة عن فخ الوقوع في شِباك تدمير قيم الأسرة المصرية، فتُسجن أي فتاة قد تتحدث بحرية عبر تك توك. لن أتحدث عن العنف المنزلي أو زواج القاصرات أو التحرش اليومي في الشوارع، لكنني أود الحديث عن الرقص الذي قد يؤدي بالنساء للسجن إذا خرج عن إطار رسمي، فالفتيات اللاتي شاركن في العرض الملكي، تم وضعهن في إطار وطني، يمكن تكريمهن والاحتفاء بدورهن في رفعة اسم البلاد، لكن إذا رقصت فتاة على قناة شخصية بها أصبحت منحلة أخلاقيًا، ويجب على المجتمع كسر ضلع هذه الفتاة المعوجة كي تستقيم

طبعـًا سيقول بعض الناس: "لكن هذا رقص محترم وفني وليس فيه إثارة للغريزة، رقص معاصر، رقص حديث أو حتى رقص يتماشى مع روح الحضارة المصرية القديمة." وإن اتفقنا على هذا، فالسؤال هنا: لماذا لا نرى في كل أنواع وأشكال الرقص التي نراها في الأفراح والأفلام والرقص على أنغام الانتخابات في الشوارع انتقاصًا من قيمنا؟ الإجابة ببساطة: هذا رقص وطني، وذاك رقص غير وطني. وكما قالت سونيا سليم "كل واحد فينا بيرقص بطريقته، أنا بهز وسطي وانت بتلَّعب لسانك وتخطب."

إنتاج ضخم هنا وليس هنا
لأن العالم سيشاهدنا عبر الفضاءات المختلفة، كان من الضروري أن نظهر أمام سكان الأرض بمظهر يليق بنا، لكن ماذا عن أبناء الوطن نفسه؟ ما المشكلة أن يكون من العادي والطبيعي مشاهدة أعمال فنية ذات جودة عالية في كل وقت داخل مصر؟ أن تكون المشاريع المتميزة هي الأصل وليس الاستثناء. 

هذا الاستثناء ما يثير العجب لدى بعض منا عندما يشاهد كل هذه الأبهة التي أحاطت بالموكب، ثم يتحرك في اليوم التالي ليستقل محطة مترو الأنفاق من الجيزة، فيصيبه الاختناق بسبب التهالك الذي أصاب وسيلة مواصلات يستهلكها الملايين يوميًا. كيف يمكنني كمواطن أن أتقبل فكرة عدم وجود أموال كافية في ميزانية الدولة لتقديم خدمات أساسية جيدة بعد كل هذه النفقات على الموكب؟ وكيف يمكن أن نظل مقتنعين بأهمية إنفاق الأموال على الشكل دون الاقتراب من الجوهر… ولو حتى قليلاً.

ولماذا نحتاج إلى مومياوات لنعيش حياة الأحياء؟