3    @fayadfulani

تصوير: @fayadfulani

هوية

عارض الأزياء عبدالله علي يتحدث عن تطور مشهد الموضة في السعودية

أتمنى أن يصبح عرض الأزياء مهنة مُستقلة ومُربحة مادياً

اختيار عرض الأزياء كمهنة في السعودية كان مجرّد حلم بالنسبة للبعض قبل خمس سنوات، ولكن هذا القطاع نجح بفترة قصيرة بتحقيق تحوّلات غّيرت الصورة تماماً، بدءاً من افتتاح المكتب الإقليمي لمجلس الموضة العربي في الرياض 2018 يليها إطلاق أول أسبوع عربي للموضة، ثم أول عرض أزياء مستقل، وآخرها تأسيس هيئة الأزياء الحكومية في 2020.

إعلان

ساهمت التغيرات الحاصلة في السعودية بازدهار قطاع الموضة وتحوّلها من الاستهلاك إلى الإنتاج، كما أدى رفع الضوابط على حرية اللباس -العباية السوداء للنساء، والثوب التقليدي الأبيض للرجل- لظهور مشهد موضة محلي متنوع يجمع ما بين صيحات الموضة العالمية وما بين الثقافة السعودية.

لا يزال قطاع الأزياء مقتصر على النساء أكاديمياً، ولكن التطورات السريعة منحت الرجال الجرأة لاقتحام العالم المهني وإثبات وجودهم بهدف خلق تغيير حقيقي، كما يخبرني عارض الأزياء عبدالله علي، 29 عاماً، الذي تعود أصوله لشرق أفريقيا والذي ولد وعاش في الرياض ثم انتقل إلى ماليزيا لدراسة الهندسة الإلكترونية قبل أن يعود إلى السعودية في 2018 ليدخل عالم الأزياء. لكن الطريق النجاح لم يكن وردياً، كما يخبرني في هذه المقابلة. 

VICE عربية: مرحبا عبد الله. أخبرني بداية كيف دخلت عالم عرض الأزياء؟
عبد الله علي:
كان حبّي للموضة ظاهراً منذ الطفولة، كان لدي بصمتي الخاصة في ارتداء الملابس بشكل مميز، وأتذكر أنه في أيام الدراسة سألني صديقي خلال التقاط لبعض الصور الشخصية: ماذا تفعل؟ أجبته مازحاً بأني سأصبح عارض أزياء، فضحك وقال لي هذا مستحيل. نتذكر اليوم حديثنا ونضحك. 

خلال دراستي في ماليزيا، وتحديداً قبل عودتي إلى السعودية بثلاثة أيام، دعتني أحد وكالات الموضة للانضمام إليها كعارض أزياء، اقتراحهم صادف سفري وجاء متأخراً جداً، لكن هذه الفرصة المفاجِئة وجّهتني للتفكير بعرض الأزياء كمهنة. دخلت المجال في عام 2018، لكن عدم وجود أساسيات المهنة في السعودية شكّل الكثير من الصعوبات. لم يكن هناك أي عارضين رجال أو وكالات لاستقطاب المواهب محلياً، وكان هناك فجوة كبيرة بين العلامات التجارية وعارضي الأزياء، حلقة الوصل الوحيدة لربط الطرفين ببعضهما كانت تتم عبر مواقع التواصل الاجتماعي. بدأت التعاون مع العديد من المصورين المبتدئين في مشاريع صغيرة. لقد عملنا بجهد مضاعف لتسليط الأضواء على المواهب المحلية ولفت أنظار العلامات التجارية العالمية للسوق المحلي.

إعلان

هل يمكن لأي شخص بأن يصبح عارض أزياء، ما هي الأساسيات التي يجب توفّرها؟
الأبواب مفتوحة للجميع، والمصادر متاحة على الإنترنت، المسألة تكمن بتعلّم الأساسيات وأن تعرف كيف تسلّط الضوء على بصمتك الخاصّة وأسلوبك المميز. يعتقد البعض أن مجرّد كونك Photogenic فهذا يكفي لتصبح عارض أزياء، ولكن بالحقيقة الكاريزما تلعب دوراً أساسياً كذلك.

ما الفرق بين عارضي الأزياء والانفلونسرز الذين يروّجون لمختلف الماركات؟
قد يجمع البعض بين الفئتين، لكني أحب فصلهم، هناك خط رفيع فاصل بين المجالين، ولكن أعتقد أن المؤثرين هم أداة تسويقية أكثر من كونهم جزء من مشهد الموضة. لا أعارض من يعمل بالفئتين، ولكن أنا شخصياً أفضل البقاء في فئة واحدة وهي عرض الأزياء.

هل يمكننا اعتبار عرض الأزياء مهنة أساسية بالسعودية؟ 
ليس بعد، لا يزال الوقت مبكراً بسبب نقص الأساسيات وانعدام الخبرة والوفرة -وأعني عدم وجود عدد كبير من العارضين والعارضات. أنا مثلاً أعمل بشكل أساسي كمهندس تقني بجانب عملي كعارض أزياء، أتمنى أن تصبح المهنة مُستقلة ومُربحة مادياً، وأشعر بوميض من الأمل لتحقيق ذلك مع جهود هيئة الأزياء في السعودية.

ما الذي ينقص المجال تحديداً؟
التحدي الأول هو عدم وجود معايير محلية واضحة للالتزام بها فيما يتعلق بقطاع الموضة بشكل عام. ثانياً نحن نفتقر إلى ثقافة الاحترام المتبادل، يجب على العملاء والوكالات احترام المواهب المحلية، وأنا شخصياً أرفض العمل مع العملاء الذين لا يحترمون وقتي أو شخصي ورفضت العديد من المشاريع بسبب ذلك. 

إعلان

مع انعدام وجود معايير أساسية للمهنة محلياً، كيف تقيّم نفسك كعارض أزياء؟
أقوم بانتقاء المشاريع التي تناسبني بالأجر الذي يتماشى مع تقيمي للوقت والجهد. لقد أسست معاييري الخاصة، والتي اعتقد الجميع بأنها عالية جداً، ولكنها بالحقيقة ضمن المتوسط مقارنةً بالسوق العالمي. العملاء الذين رفضوا أجري بالسابق، وافقوا عليه الآن، الأمر نسبي ويعتمد على سنوات الخبرة وأعمالك السابقة طبعاً.

كيف يتواصل العملاء مع المواهب المحلية عادةً؟
سأتحدث عن نفسي، فكل شخص لديه أدوات مختلفة. قمت بإطلاق موقعي الخاص بداية، وأنا نشط كذلك على مختلف منصات التواصل الاجتماعي لأن عرض أعمالك هناك مهم جداً لاستقطاب العملاء في ظل محدودية وكالات المواهب التي لا تتجاوز 10 وكالات محلياً. يفضّل أكثر العارضين العمل بشكل منفصل عن الوكالات، لأنها لا تقوم بتوفير فرص حقيقية وبعضها الآخر يعتمد مبدأ الاحتكار. العملاء أيضاً يفضّلون التواصل مع العارض بشكل شخصي لتوفير تكاليف الوكالة. شخصياً لم أكن أرد في البداية العمل لصالح وكالة معيّنة، ولكن رغبة مني بدفع المجال وتطويره بالسعودية انضممت لأحد الوكالات كي يبرز اسمها بالسوق. 

مع التغيرات الحديثة التي طرأت على قطاع الموضة بالسعودية، هل يحصل الجنسين على فرص متساوية في عروض الأزياء؟  
لست متحّيزاً، ولكن الواقع يقول أن مجال الأزياء كان حكراً على النساء لفترة طويلة، وحتى اليوم جميع تخصصات دراسة الأزياء ودورات التدريب مفتوحة لهنّ فقط، كما تحصل النساء على فرص أعلى تصل حتى 3 أضعاف فرص الرجال. وجود الجنسين بالمجال لا يُقارن، بس عالأقل احنا موجودين. وهناك الكثير من المواهب لم تسمح لها الفرصة بالانطلاق وإثبات نفسها بَعد. 

إعلان

مقارنة بالسنوات الماضية، هل أصبحت المجتمع مُتقبّل لارتداء الرجال مُختلف ستايلات الموضة بالأماكن العامة؟ 
جداً، الناس صارت توّقفني بالشارع وتقولي I Love Your Style. وهو أجمل تعليق سمعته. إذا قارنا اليوم بسنة 2015 مثلاً، سوف نجد أن 60% من الرجال السعوديين كانوا يرتدون الثوب السعودي التقليدي أو ملابس عادية متشابهة لا تتبع لأي موضة أو البدلات الرسمية فقط. ولكن المجتمع السعودي اليوم أصبح أكثر اطّلاعاً على صيحات الموضة، وأصبح لكل شخص ذوقه الخاص.. جولة سريعة في شوارع الرياض تؤكد ذلك بكل وضوح.

هل تفكر بردّة فعل المجتمع عند ارتدائك لستايلات جريئة؟ 
لو كان ذلك يعنيني ماكنت رح أطلع في جلسة تصوير للعلامة التجارية Gucci وأنا أضع شادو أخضر، لن أكذب عليك، وصلتني الكثير من التعليقات السلبية، هناك من قال بأنني لست رجلاً، وأنني بلا رجولة، مثلي الجنس وغيرها. المجتمعات ترفض كل ما هو جديد بذريعة الخوف، ومجتمعنا ينظر لمجال الموضة بأنه نسائي بحت، هناك فجوة يجب ملؤها بالوعي وبعدها سوف نحظى بالتقدير. التعليقات تزعجني ولكنها لا تَحدني، لدي الثقة الكافية للمضي قدماً. أنا رجل أسود يعيش في السعودية ويتخذ قراراته بكل جرأة ويخطو نحو هدفه. 

هل تعرّضت لأية مواقف عنصرية في هذا المجال؟  
بديهيًا، أكيد. العنصرية موجودة بالمجتمع المحلي والعالمي وهي خارجة من أشخاص ضعيفي النفس والوعي. مع الأسف لا يمكن إيقافها، ولكن نستطيع التحكم بطريقة تأثيرها علينا، التعليقات ستصلنا بكل الأحوال، وفي اللحظة التي نسمح لها بالتأثير علينا سوف ندخل في دوامة لا مخرج منها. بعض التعليقات العنصرية التي تصلني مزعجة جداً، لكنها ليست نهاية العالم بالنسبة لي، وأحاول محاربتها بقوّة التركيز وصفاء الذهن.

إعلان

في 2019 سافرت إلى للهند لاكتشاف ذاتي، منحتني هذه الرحلة القوّة وجعلتني أنظر للحياة من زاوية مختلفة، تعلّمت الصبر، والتجاهل والمضي قدماً، المشاكل موجودة كي نجد لها الحل. مجتمعنا متنوّع بشكل كبير، عشنا وتربينا على التنوع الثقافي والعرقي، إذا بعض الفئات مش متقبلينا ليش نبذل مجهود ونضيّع طاقة حتى نخليهم يتقبّلونا؟ التنوّع موجود سواءً اعترفوا بذلك أم لا.

ولكن قطاع الأزياء شريك أيضًا بالتمييز العنصري؟ 
أكيد. على مرّ السنين روّجت مجلّات الموضة للجمال الأبيض، وقامت شركات التجميل بتغذية المستهلكين بفكرة ربط الجمال ببياض البشرة من خلال دعاياتها العنصرية. بالنسبة للسعودية، كانت شركات الموضة العالمية تروّج للأزياء عن طريق وسطاء من دول عربية مجاورة وتتجاهل ثقافة البلد المحليّة، ولهذا تصدّرت صورة الرجل الأبيض الأوروبي غير الموجود بالواقع مشهد الأزياء. هذه الصور النمطية ستتغير مع الوقت، نحن نقوم بمجهود كبير لمحو الأفكار الخاطئة وإبراز صورة المجتمع الحقيقي بتنوعه العرقي الكبير. 

ماذا عن الموضة المستدامة، هل هناك اهتمام بالموضوع محلياً؟
حماية البيئة قضية نبيلة جداً، وهناك اهتمام ملحوظ، لقد شاركت مؤخراً كمتطوع بمشروع خيري لصالح جمعية البيئة بالسعودية للتوعية البيئية بمفهوم الاستدامة في عالم الموضة. الاحتباس الحراري مو مزحة والموضة السريعة في عالم الأزياء تقود الكوكب إلى الهاوية، والغازات المنبعثة من مصانع الألبسة ترفع حرارة الأرض بشكل مجنون، ونحن بحاجة لإيجاد حلول مستدامة تقلل من كل هذه المخاطر.

هل العمل تحت الأضواء هو بهذه الروعة والسهولة التي يتصوّرها الناس؟ 
بالعكس الموضوع صعب جداً، نقف لساعات طويلة، وعلينا اتخاذ وضعيات صعبة تتطلب عدم الحركة، كما تطرأ الكثير من التغيرات المفاجئة وعلينا التصرّف بهدوء، البعض يفقد السيطرة ويصرخ أو يشتم العميل نتيجة للضغط، لهذا المرونة وتحمل الضغّط أساسيين بهذا القطاع، ولكن بنفس الوقت راحة العارض أثناء التصوير من الأولويات. 

كيف تحافظ على صحتك النفسية في ظل كل هذا الضغط؟ 
لا شك أن الضغوطات النفسية ازدادت مع تطّور الحياة، ومن المهم وجود طرق لتخفيف الضغط وتفريغ الطاقة. أنا شخصياً أعود إلى الله بالصلاة، وألعب الرياضة التي اعتبرها عامل أساسي للحفاظ على صحتي الجسدية والنفسية.