IMG_0053
بدم بارد

بلال موسى وسوزان إبراهيم: قتلة متسلسلين أم ضحايا؟

ارتكب بلال وسوزان جرائمهما في ساعات الصباح الأولى واختارا ضحاياهما من النساء أثناء تواجدهن لوحدهن فى منازلهن والرجال كبار السن

بدم بارد: سلسة من المقالات حول قتلة متسلسلين من العالم العربي، نحاول الكشف عن القصص الحقيقية المؤلمة وراء هذه الجرائم التي تجاوزت العناوين الرئيسية وأصبحت جزءًا من الثقافة الشعبية.

"أعلن مصدر مسؤول في مصلحة السجون الاردنية أن حكم الإعدام نفذ فجر أمس بحق المجرم بلال موسى محمد." لم يكن هذا الخبر هو الأخير في قصة السفاح الأردني بلال موسى وزوجته سوزان إبراهيم والتي شغلت الرأي العام في الأردن في نهايات القرن الماضي ليتم تنفيذ حكم الإعدام عليه في ديسمبر من سنة 2000. بل كانت هذه بداية قصة حب وموت، وجرائم قتل وعدالة منقوصة بحسب البعض.

إعلان

ما هي قصة بلال موسى وزوجته سوزان إبراهيم؟
بلال موسى محمد من سكان مدينة الزرقاء في الأردن مواليد عام 1972 وزوجته سوزان ابراهيم توفيق من سكان الزرقاء مواليد عام 1971. بحسب فيلم وثائقي للجزيرة بعنوان الزوجان القاتلان، فقد عاش بلال في أسرة فقيرة، وعندما بلغ الـ14 من عمره عمل في طلاء المنازل، ودرس المحاسبة، ثم عمل بشركة تسويق المنتجعات السياحية في مدينة الصويفية.

كانت بداية تعرف بلال وسوزان معقدة بعض الشيء، فبلال أحب جارته سوزان، لكن سوزان تزوجت من ابن عمتها، وسكنت في المنزل المقابل لمنزل أهل بلال، الذي لم يردعه زواج سوزان وظل يراقبها ويحاول التواصل معها. زواج سوزان بابن عمتها لم يستمر طويلاً، حدث الطلاق وسارع بلال للتقرب من سوزان من جديد، وتزوجا بعد فترة.

لا نعرف بالضبط كيف بدأ بلال وسوزان عملها "الدموي."‏ حيث قاما باستدراج الضحايا وجز رقابهم بدم بارد بحثًا عن المال والمجوهرات، كانت جرائم بلال وسوزان تتم في مناطق مختلفة ومتباعدة.

رنا الحسيني، وهي صحفية أردنية تعمل في جريدة جوردان تايمز، تخبر VICE عربية في مقابلة عبر واتس آب، أن تفاصيل جرائم إبراهيم وسوزان كانت مرعبة، وكانت أول مرة يتم الكشف عن قتلة متسلسلين في الأردن. وتشير إلى أن بلال وسوزان ارتكبا جرائمهما في ساعات الصباح الأولى وأن أسلوب القتل كان متشابهًا وتمثل بالطعن والذبح موضحة أنهما اختارا ضحاياهما من النساء أثناء تواجدهن لوحدهن فى منازلهن والرجال كبار السن.

إعلان

وتضيف: "في أواخر التسعينات، دعتنا الشرطة لمؤتمر صحفي، أعلنوا فيه بأن بلال وسوزان مسئولين عن عدد من جرائم القتل، ووصفوهم بالقتلة المتسلسلين وذكروا أسماء المغدور بهم، كانت مفاجأة للجميع. كان الخبر صدمة للمجتمع الأردني، أغلب الضحايا كن من الإناث، بالاضافة لرجل ستيني وطفل رضيع."

الضحايا
بحسب ما نشرته تحقيقات المباحث الإردنية، فواحدة من الضحايا كانت سعاد فريد، عمرها 40 سنة. قام بلال بمراقبتها حتى عرف محل سكنها، ثم ذهب إليها بصحبة زوجته في الخامس من يناير 1994 نقر بلال مع زوجته على الباب وعندما فتحت لهما سعاد طلبا منها كوب من الماء بكل براءة، ذهبت سعاد لإحضاره، فهاجمها بلال بسرعة بواسطة سكين ليطعنها عدة طعنات حتى ماتت، ثم دخل ليفتش عن غنيمته، لم يجد إلا بعض أشرطة الفيديو وسلسلة ذهبية ومبلغ 40 ديناراً. قام بمسح البصمات واختفى بسرعة.

الضحية الثانية كانت بعدها بشهرين، بالتحديد في 27 مارس 1995، جنسيتها مصرية وتدعى مها المصري وعمرها 23 عاماً فقط. في اليوم المشئوم ذهب بلال وسوزان لشقة مها، ووجه بلال لها عدة طعنات في رقبتها وصدرها ثم قام بخنقها، وبعدها قتل طفلها الرضيع، لبس القفازات وسرق 180 ديناراً وسلسلة من الذهب.

الضحية الثالثة كانت بعد عامين، تحديدا في مارس 1997، وعمره 60 عامًا، ولم يجدا معه سوى 24 ديناراً فقط. أما الضحية الرابعة واسمها ايمان العمايرة وعمرها 32 عاماً، دخل بلال وسوزان منزلها وادعيا أنهما يعملان في مؤسسة للإجازات وأنها مرشحة للمشاركة في مسابقة وبعد أن ملئت الاستمارة قتلها بلال (من غير الواضح ماذا سرق منها) وبنفس الطريقة قتلا الجزائرية صليحة مكودي وعمرها 43 عاماً، ولكن هذه المرة سرقا 380 ديناراً.

إعلان

وفي 18 نوفمبر عام 1995، ذهب بلال وسوزان لمكتب رجل الأعمال ناجح الخياط بنية قتله وسرقته، في البداية دار حوار هادئ، ولكن بعدها احتدم الحوار وانتقل بلال مع الخياط لغرفة نومه الملاصقة لمكتبه وهناك انقض بلال على الخياط وطعنه بالسكين ثم ضربه على رأسه بقوة ليفارق الحياة على الفور. تقول الحسيني أنهم بعد الإعلان عن الضحايا الأولى، أعلنت الشرطة عن مؤتمر صحفي جديد ليضيفوا فيه خمس جرائم جديدة على لائحة بلال وسوزان، ليصبح العدد ١٢.

الجريمة الأخيرة، كانت في تاريخ 26 مايو 1998 وهو عيد ميلاد الزوجة سوزان وراح ضحيتها مروح عبد الجليل في منطقة عوجان قرب مدينة الزرقاء، بالقرب من العاصمة عمان. وهذه الجريمة الأخيرة، كانت السبب في إلقاء القبض عليهما. 

وبحسب تفاصيل عملية القتل، فقد دعا مروح (صديق لهما) سوزان وبلال لبيته للاحتفال بعيد سوزان، وبعد تناول الكعك ذهبت سوزان للحمام في الخارج بينما ذهب بلال للمطبخ لغسل يديه، بلال فاجأ مروح من الخلف ليذبحه، قاوم مروح فطعنه بلال عدة طعنات تسببت بوفاته، قامت سوزان بمساعدة بلال في تنظيف نفسه وتغيير ملابسه، ثم بحثوا عن ثروة العجوز الوحيد، لم يجدوا إلا 31 دينار أردني فقط – أقل من 50 دولار – فسرقوهم ليغادرا المنزل بعد ذلك.

بعد شهر من اكتشاف جريمة قتل عبد الجليل في محافظة الزرقاء بالقرب من العاصمة عمان، وصلت رسالة لمديرية الأمن العام في محافظة الزرقاء بالأردن من شخص مجهول يفيد بأنه القاتل، ويصف مسرح الجريمة بالتفصيل مبرراً جريمته بأن المقتول اعتدى على زوجته. يقول عبد المهدي الضمور، وهو لواء سابق بالأمن الأردني، لـ VICE عربية أنه بمجرد استلام الرسالة تم تسليمها للمختبر الجنائي والذي استطاع استخراج بصمة موجودة عليها والتي تبين أنها تعود لبلال. هاجمت الشرطة منزلهما لتجد رسالة يطلب فيها بلال من زوجته سرعة التوجه لمصر طريق البحر حتى ينتقلا منها إلى ليبيا ليتخفيا هناك. وهو ما اعتبر دليل جديد أنهم أصحاب الجريمة.

إعلان

طلبت السلطات الأردنية مساعدة الانتربول الدولي والذي تتبع بلال وسوزان وتبين أنهما غادرا مصر عبر منفذ السلوم البري بتاريخ 22 سبتمبر 1998 فتم التنسيق بين الأردن وليبيا حتى تم القبض عليهما وإعادتهما للأردن عن طريق تونس. ويؤكد الضمور لـ VICE عربية أن بلال وسوزان، اعترفا بقتل مروح سلامة، وقال بلال أنه قتله لأنه حاول الاعتداء على زوجته. 

ولكن لماذا قام بلال وسوزان قتل كل هؤلاء؟ يقول الضمور: "بلال كان مهووس بالقتل، يقتل من أجل الدم فقط، بلال كان يهوى القتل، وسوزان لم تكن تمانع في مساعدته لتنفيذ هوايته ولم نلاحظ وجود دوافع حقيقية أخرى وراء الجريمة، المسروقات بسيطة ولا يوجد رابط بين الضحايا لنتحدث عن الانتقام مثلاً."

تحكي الحسيني، إنها أثناء متابعتها للمحاكمة لم يظهر أبداً أن بلال وسوزان شعرا بالخوف، كانت ترى أنهم ينظران لبعضهما ليقويا بعضهما البعض ولم يكن هناك أدلة بخلاف اعترافاتهما، "حتى وقت صدور الحكم بالإعدام لم يبد بلال وسوزان أي رد فعل،" كما تقول.

تم القبض على بلال في أكتوبر 1998 وتم تحويله للمحاكمة بعدها بأسابيع. حصل بلال حصل على ٧ أحكام بالإعدام لجرائمهم الـ١٢ وحكم بالسجن المؤبد مع الأشغال الشاقة بسبب السرقات. أما سوزان فتمت إدانتها بجريمة قتل واحدة ولاحقًا تم تخفيف حكم الإعدام إلى السجن المؤبد. تم إعدام بلال في ديسمبر سنة 2000، وبعدها بأشهر نشرت الصحف خبر يفيد بوفاة سوزان بنوبة قلبية في السجن، في نوفمبر ٢٠٠١

هل تظن أن القضية أغلقت؟ أبداً.
بعدها بخمس سنوات، في عام ٢٠٠٤، تم القبض على زهير الخطيب، وأثناء التحقيق معه اعترف بقتل ناجح ابراهيم الخياط، وهو واحد من ضحايا بلال وسوزان. اعترافات بلال وسوزان عن قتل ناجح الخياط كانت أحد أسباب إعدام بلال، فهل تم تلفيق القضية؟ ثارت القضية وقتها من جديد، ونشرت الصحف أخبار تتحدث عن إعدام بريء.

إعلان

محامي المتهمين زياد النجداوي، الذي قابل بلال قبل إعدامه بأسبوع، أكد أن بلال لم يقتل إلا مروح ولا يعرف أي شيء عن باقي الضحايا. قامت الشرطة بفتح التحقيق في القضية من جديد. ولكن مع فتح التحقيق تبين أن بلال هو القاتل وليس زهير، كيف؟ بلال في التحقيقات وأثناء إعادة تمثيل الجريمة قال أنه بعد طعن الخياط بالسكين ضربه بكرسي على رأسه ليتأكد من موته، بينما قال زهير أنه ضرب الخياط بمطرقة كان يحملها، لم يتم ضرب الخياط بمطرقة، تم ضربه بكرسي وهذا ما تم تسجيله مع معاينة الجثة، كما أكد اللواء الضمور.

ولكن يرى مدير مركز "عدالة" لدراسات حقوق الإنسان عاصم ربايعة أن الشك بهوية القال الحقيقي، يفسَّر لصالح المتهم بلال، فبمجرد وجود شخص واحد يعترف بقيامه بالجريمة، سيشكك في مصداقية اعترافاتهم كلها. في المقابل، قالت الشرطة أن اعترافات المتهمين وتمثيلهم للقضية تُعد أدلة تأخذ بها المحكمة، وتبيّن لها أن رواية بلال وسوزان هي الأدق في حادثة مقتل الخياط، خاصة أنه ثبت استخدام كرسي في قتله وهذا باعتراف الزوجان، وليس باستعمال مطرقة كما اعترف زهير الخطيب.

بعد إعدام بلال ووفاة زوجته، شكك كثيرون بقيام بلال وسوزان بقتل كل هؤلاء الضحايا. وبحسب شقيق بلال، محمد النجار في مقابلة منشورة في ٢٠٠٥ فإن شرطة العاصمة وفريق التحقيق "كان بجعبتهم ملفات قديمة لجرائم قتل لا زالت مفتوحة منذ عام 1994 وهنالك ضغط شديد من مدير الأمن العام نصوح محي الدين في ذلك الوقت لإقفال هذه الملفات وبأي ثمن وبأول ضحية تقع تحت أيديهم. واختاروا بلال وسوزان ككبش فداء للتغطية على عجزهم وفشلهم لعدم تمكنهم من القبض على المجرمين الحقيقيين."

إعلان

محامي القضية النجداوي، أكد كذلك أنه تم أخذ اعترافات بلال وسوزان بطريقة غير قانونية وبالإكراه المادي والمعنوي، وأضاف: "يوجد مخالفة لنص قانوني واضح. الاعتراف أمام الشرطة لا يجوز التعويل عليه، ولا يشكل مدخلاً للاعتراف القانوني." كما أشار المحامي أن الطريقة التي أُحضر بها بلال وسوزان من ليبيا والتعذيب الذي تعرضا له أثناء التحقيق تسبب في إجهاض سوزان الحامل، وهي "جريمة مرتكبة لم يُحقّق في ملابساتها." ويصر النجداوي أن بلال وسوزان بريئان من كل تهم القتل المنسوبة إليهما، باستثناء مقتل مرّوح بدافع الشرف.

وتشير المذكرة التي تم رفعها للمنظمة العربية لحقوق الإنسان أن بلال تعرض للتعذيب وهو موجود في السجن، وأن بلال وسوزان أنكرا أمام المحكمة اعترافاتهما في التحقيق عند الشرطة وعند المدعي العام، وشرحا لهيئة المحكمة كيفية التعذيب الذي تعرضا له أثناء التحقيق وأن جميع الاعترافات لدى الشرطة ولدى المدعي العام تم انتزاعها منهما بالقوة والإكراه."

من خلال متابعتها لوقائع الجريمة، تنفي الحسيني أن يكون الزوجان مجرمين متسلسلين؛ أي أنهما يعرفان تفاصيل حياة الضحية ويخططان للنيل منها بطريقة إجرامية، لأن المجرم المتسلسل يستخدم ذات طريقة القتل ونفس الوسيلة، وهذا مغاير لما ظهر في نتائج التحقيقات. وهي تعتقد "أنهما قتلا الضحايا بسبب الحاجة للمال." كما نفت وجود أدلة غير اعترافات المتهمين.

ولكن اللواء الضمور استبعد فكرة قيام الشرطة بتلفيق القضايا، ويقول: "هذا غير معقول، لماذا نقوم بذلك؟ هو من اعترف، لو كان هناك تلفيق أو ضغط  فهل من المعقول أن يتم هذا في 12 جريمة قتل؟ ولو أجبرناه على الاعتراف فمن أجبره على إعادة تمثيل الجرائم بهذه الدقة؟" يقول الضمور مضيفًا إنه سمع هذه الاتهامات ويراها غير منطقية وأن قلبه في النهاية مطمئن لما قاموا به تحقيق وتقديم مجرم للعدالة.

لا يزال هناك خلاف كبير حول صحة تهم القتل ضد بلال وسوزان، ولا يزال هناك قناعة لدى كثيرين أنهما ظلما وتعرضا للاعتراف بجرائم لم يقوما بها تحت التعذيب. وأنه تم تلفيق التهم لهما كونهما من عائلة فقيرة وليس لديهما أي وسائل دعم. ويشير آخرون إلى أن الحديث عن أن بلال قاتل متسلسل يحب القتل لأجل القتل كما تم وصفه، لا يفسر قيامه بإرسال رسالة للشرطة تشرح لماذا قتل مروح، وبصماته عليها، وهو المفترض أن يكون على علم تام بأنه سيتم اكتشافه، (فقد قام بجميع جرائمه المفترضة بدون أي ترك أي دليل). أما عن قراره الهروب لليبيا، فهذا لا يعني بالضرورة أنه مجرم وقتل ١٢ شخصاً، بل أنه كان خائفاً من أن لا يتم تصديقه ودفعه للاعتراف بجرائم لم يقم بها، وربما هذا ما حدث في النهاية.