عنصرية

لا حل في الأفق لأزمة العاملات الأثيوبيات في لبنان

صاحب العمل قام بضربي وتعنيفي، كما أنه لم يدفع لي مستحقاتي منذ 6 أشهر، وأخذ جواز سفري طبعاً
غوى أبي حيدر
Beirut, LB
6.6.20
IMG_4552

"هربت من العائلة التي كنت أعمل لديها ولجأت للسفارة بسبب قيام صاحب العمل بضربي وتعنيفي، كما أنه لم يدفع لي مستحقاتي منذ 6 أشهر، وأخذ جواز سفري طبعاً. أسوأ ما قد يحدث هو أن يعلم والدي أنّ ابنته بتنام بالشارع. بابا لديه أزمة قلبية، إذا رآني بهذا الوضع أخاف أن يموت حزناً،" تخبرني ماريا، والتي تبلغ من العمر 19 عاماً فقط، وهي واحدة من العشرات من العاملات الموجودات أمام القنصلية الإثيوبية في منطقة الحازمية في العاصمة اللبنانية في بيروت، معظمهن تم طردهن تعسفياً من قبل مشغليهن وتركهن من دون جوازات سفرهن، ومن دون دفع مستحقاتهن المالية لأشهر. خلال تواجدي أمام مقر القنصلية أمس تحدثت مع عدد من النساء اللواتي لجأن أو تم تركهن أمام القنصلية. تخبرني "وركيتي" أنّ صاحبة العمل أرسلتها بتاكسي إلى السفارة من دون جواز سفرها، ومن دون دفع مستحقات آخر 3 أشهر. (حاولت الاتصال بصاحبة العمل، لكنّها لم تردّ). القصة متشابهة بالنسبة للجميع هنا، جميعهن لا يعرفن اسم مكتب الإستقدام أو اسم رب العمل أو حتى أرقام هواتفهم. منهم من هربن من أصحاب عمل مُعنفين أو تم تركهن على الطريق، فإحدى العاملات أوصلها رب العمل بنفسه إلى القنصلية مع حاجياتها ومستحقاتها، ولكنه رفض دفع تذكرة طائرة العودة لأثيوبيا. تخبرنا شابة أخرى أنّها هربت بعد أشهر من عدم دفع مستحقاتها ولإنّ رب العمل كان يضربها ويعنفها ويضرب والدته، وأنها بقت لسنة كاملة تحت هذه الظروف اللا إنسانية خوفاً على أمّه، ولكنها قررت الهروب بعد أن زادت الأمور عن حدها، وتضيف: "أنا خايفة على والدته، كنت أهتم بها وأتشاجر معه حينما يحاول ضربها، ولكني لم أستطع تحمل كل هذا." أما روزا فتخبرني أنّها كانت تعمل مجاناً لفترة طويلة، فقد تم تخييرها بالرحيل أو البقاء تحت سقف منزلهم، وقررت ترك العائلة حينما أخبرتها صديقة لها أن هناك تجمع للعاملات أمام السفارة: "حملت أغراضي وغادرت في الصباح الباكر ولم يسأل عني أحد،" تضيف. يوجد بعض النساء متواجدات فقط لدعم صديقاتهن وتأمين ما يحتجن له، وتوفير مكان لهن للاستحمام.

إعلان

وبحسب الأرقام، هناك حوالي 250،000 عامل مهاجر مسجل في لبنان ازدادت معاناتهم مع الأزمة الاقتصادية والمالية التي تشهدها لبنان إلى جانب القيود التي فرضت بسبب فيروس كورونا. ونتيجة لهذه الأزمة، لم يحصل العديد من العاملين على رواتبهم منذ شهور، كما أن قيمة هذه الرواتب انخفضت بأكثر من النصف مع انخفاض سعر الليرة واختلاف سعر الصرف للدولار. كما فقد عدد آخر وظائفهم وقام أصحاب العمل بتركهم في الشوارع أو خارج سفاراتهم. ويعمل العمال الأجانب في لبنان في ظروف وصفتها مجموعات حقوقية بأنها "استغلالية" بسبب نظام الكفالة والأجور المنخفضة وساعات العمل الطويلة. ويُعرّض نظام "الكفالة" في لبنان العمال والعاملات من المهاجرين إلى قوانين مقيدة لا تمكنهم من ترك عملهم أو تغييره دون موافقة الكفيل، وهذا النظام يعطي صاحب العمل سلطة كبيرة على حياة العمال الذين يتعرضون غالبًا للاستغلال والإساءة وسوء المعاملة، ولهذا ويرى البعض أن نظام الكفالة هو "وجه عصري للعبودية." وقد وثقت هيومن رايتس ووتش ومنظمات حقوق الإنسان اللبنانية الكثير من الانتهاكات بحق عاملات المنازل الوافدات بما في ذلك عدم دفع الأجور، والحبس القسري، ورفض منح إجازة والإساءة اللفظية والبدنية. وتقتل عاملة منازل في لبنان كل أسبوع، غالبًا عن طريق الانتحار أو خلال محاولة الهروب.

وبالإضافة إلى تعريضهن لكل أشكال الاستغلال وسوء المعاملة، تحصل العاملات المنزليات على رواتب ضئيلة تتراوح بين 150 و400 دولار، والتي تُعد من أكثر الرواتب انخفاضًا. وفيما أكّدت نقابة أصحاب مكاتب استقدام العاملات الأجنبيات في لبنان على أن الدفع يجب أن يكون بالدولار الأمريكي كما ينص العقد الموقع بين الأطراف، ولكن قام الكثير من أصحاب العمل بنقض هذه العقود من خلال الدفع لهن بالليرة اللبنانية التي تدهورت قيمتها وبات تحويلها إلى الدولار عملية خاسرة للعمال الذين يرسلون الأموال إلى عائلاتهم. ويشهد لبنان منذ نهاية الصيف انهيارًا اقتصادياً يعتبر الأسوأ منذ عقود، ويتزامن مع شحّ في الدولار وقيود مصرفية مشددة على سحبه. وتفاقمت الأزمة الاقتصاديّة مع إجراءات الإغلاق التي اتُخذت لمنع انتشار فيروس كورونا. وبحسب مجموعات مدافعة عن حقوق العمال الأجانب، فقد تكررت مؤخراً ظاهرة تسريح العاملات أو تركهن أمام قنصلياتهن. وقد تم مؤخراً إيقاف شخص قام بنشر إعلان عن "بيع" عاملة وحذّرت وزارة العمل من نشر إعلانات مماثلة تحت طائلة الملاحقة "بجرم الاتجار بالبشر."

1591381094178-IMG_4555

تصوير: غوى أبي حيدر

1591381032603-PHOTO-2020-06-04-20-16-55

وبحسب المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان فإن عشرات العاملات الإثيوبيات تركهن يواجهن مصيرًا مجهولًا في ظل تقطع السبل أمامهن نتيجة إغلاق المطارات. وقال المرصد في البيان أن العاملات لم يتقاضيهن رواتبهن منذ أشهر، إضافة إلى رفض العائلات توفير أي مأوى لهن. وما يزيد الوضع سوءًا هو اشتراط القنصلية الإثيوبية في لبنان على من تريد العودة إلى وطنها أن تتكفل بالنفقات المادية للحجر 14 يومًا في فنادق أديس أبابا بكلفة تفوق 770 دولارًا أميركيًا، أي ما يعادل راتب أكثر من خمسة أشهر من العمل في لبنان. وبحسب القانون، فمن المفترض أن يقوم الكفيل بتوفير سعر تذكرة العودة إلى بلادهن، كونهم استقدموا العاملات من بلادهن. ولكن معظم الكفلاء رفضوا دفع مقابل أي من التذاكر الرحلة لأثيوبيا.

تخبرني واحدة من النساء رفضت الكشف عن إسمها أن "صديقاتهن من الجنسية الفلبينية عدن إلى بلدهن من قبل الكفيل، لكن نحن نواجه معاملة أخرى، بسبب غياب الدولار، فلا أحد يملك سعر التذكرة، نحن محجوزات في لبنان، لا تذاكر ولا مطار." وتؤكد منظمات حقوقية على أن على الكفلاء إبقاء العاملات في المنازل وتوفير الطعام والسكن لهن حتى انتهاء إغلاق المطارات بسبب أزمة فيروس كورونا وتسهيل عودتهن إلى بلادهن.

من المسؤول عن هذه الأزمة؟ هل هي السلطات الإثيوبية التي وافقت على وضع هؤلاء العاملات تحت نظام كفالة ظالم، أو السلطات اللبنانية التي يبدو أنّها لا تريد محاسبة المكاتب وصاحبي وصاحبات العمل؟ بالنسبة لمن تحدثت معهن المسؤولية تقع أولاً وأخيراً على الدولة وأصحاب العمل، كما تقول لي واحدة من الفتيات: "لو الدولة اللبنانية محترمة حالها، لكانت جابت كل كفيل من دينتو (أذنه)."

طارق حجّار، المستشار القانوني لدى الأورومتوسطي شدد على ضرورة تنفيذ التزامات أصحاب العمل المذكورة في عقود العمل وفرض الغرامات على المخالفين منهم، وتحميلهم مصاريف وأجور وإيواء العاملات في مكان لائق، وتحميلهم تكاليف ومصاريف السفر ودفع الرواتب وتسهيل عودة العاملات إلى أوطانهن. وأضاف: "يجب على السلطات اللبنانية بالتحرك فورًا لإنصاف عاملات المنازل الإثيوبيات وغيرهن في البلاد وعدم التسامح مطلقًا بشأن الانتهاكات المرتكبة بحقهن من قبيل الأجور غير المدفوعة أو الإيذاء أو الطرد وتركهن دون مأوى."

كان هناك عدد المبادرات الفردية لمساعدة هؤلاء العاملات، حيث قام عدد من المتطوعين بتقديم الأدوية والملابس والفوط الصحية، لكن المساعدة ليست الحل الوحيد، لا بدّ من وجود تحرك فعلي وضغط على السلطة. بعد الضغوط التي تعرضت لها وزارة العمل اللبنانية، تم نقل 35 عاملة تم نقلهن إلى فندق وسيتم تحويلهن إلى جمعية كاريتاس حيث سيتم إجراء تحقيق حول ما حصل، وفي حال تبين وجود مخالفات من قبل أصحاب العمل ستقوم بملاحقتهم أمام القضاء الجزائي المختص -ولكن البعض شكك في قدرة الجمعية على تقديم مساعدة حقيقية، وأشارت بعض التغريدات إلى أنه قد يتم فرض تسويات غير عادلة على العاملات مع أصحاب العمل. النساء العاملات قَدمن للعمل بشرط تلقي رواتب بالدولار، ومع غياب هذا الشرط، يبدو أن نظام الكفالة ينهار، ولكن الأهم هو أنه يجب دفع المستحقات المالية كاملة لكل عاملة وترتيب عودتهن لبلادهن بكرامة، وأن يتم محاسبة جميع أصحاب العمل والمكاتب التي تركت هؤلاء النساء لمصير مجهول.