مجتمع

"لا أحد يستحق أن يعاني بمفرده" مبادرة الخط السعودي للوقاية من الانتحار

التستر على المسألة لا يعني أنها غير موجودة
28.7.18

الصورة من فليكر

عندما قامت كل من نوف العصلاني والجوهرة المعجل بطرح عريضة على موقع change.org لدعم انشاء الخط السعودي للوقاية من الانتحار، لم تتوقع حجم ردة الفعل السريع والتفاعل الكبير مع هذه المبادرة، حيث نجحت العريضة بالحصول على أكثر من 19 ألف توقيع في خلال وقت قصير في بلد يتم فيها النظر للانتحار كفعل مُحرم دينياً واجتماعياً. "بدأت الفكرة بتغريدة كتبتها على تويتر عبرّت بها عن أمنيتي بإنشاء خط ساخن لتقديم الاستشارة والمساعدة لمن يفكر بالإقدام على الانتحار في السعودية تحت هاشتاغ #الخط_السعودي_للوقايه_من_الانتحار،" تقول نوف، 17 عاماً، طالبة في الثانوية العامة: "كنت مترددة من تقبل ونجاح الفكرة لأنه للأسف مجتمعنا غير واع بالأمراض النفسية وعادة ما يتم التكذيب والسخرية ممن يقول أنا أعاني لأن معاناته تكون غير مرئية، ولكني فوجئت بحجم التفاعل الكبير، وعليه، قررت طرح عريضة لتأسيس هذا الخط الذي يعرف عالمياً بخط الأزمات الساخن يعمل على مدار الساعة لتقديم الاستشارة والعون لمن يفكر بالانتحار."

إعلان

خلال مجرد أسابيع، تحولت الأمنية لحقيقة، وبدأ فريق سعودي متكامل يتشكل لتأسيس هذا الخط الساخن. الجوهرة المعجل، 23 عاماً، هي الشريك المؤسس للمبادرة، تخرجت من الجامعة بتخصص علم النفس، وكانت تطمح أن تنجز شيء يخدم مجتمعها كما تقول: "خلال دراستي الجامعية سمعت عن العديد من حالات الانتحار وتزايد الاضطرابات النفسية في السعودية، وكنت أفكر دائماً بإنشاء خط ساخن للأزمات النفسية ككافة دول العالم، ولكني كنت متخوفة من طرح الموضوع لعدم تقبل المجتمع له أو لا نؤخذ على محمل الجدية. ولكن بعد تواصلي مع نوف، زالت هذه المخاوف وأسسنا هذه المبادرة تحت "عنوان كل إنسان يستحق أن يعيش، لا أحد يستحق أن يعاني بمفرده." وحالياً يتكون فريقنا من 8 أشخاص متطوعين ونرحب بانضمام جميع من يجد نفسه قادراً على المساعدة."

يعتبر الانتحار ثاني أهم سبب للوفاة بين الشباب، في كل عام يضع ما يقارب 800،000 شخص نهاية لحياته، بحسب منظمة الصحة العالمية. في السعودية، ارتفعت حالات الانتحار خلال السنوات الماضية، آخرها كان انتحار شاب في داخل الحرم المكي، فيما حاول رجل سعودي العام الماضي إشعال النار في نفسه أمام الكعبة في مكة المكرمة قبل أن يوقفه رجال الأمن، ولكن يصعب حصر أعداد المنتحرين لعدم وجود إحصائية فعليّة توثّق تلك الحالات، وكان آخر ما نُشر هو إحصائية لوزارة الداخلية تظهر ارتفاع عدد حالات الانتحار بين عام 1994 وعام 2006 بنسبة 185%. وفي العام الماضي صرح أخصائي بهيئة الهلال الأحمر السعودي طلال العيسى أن متوسط محاولات الانتحار السنوي في المملكة بلغت 450 محاولة.

معظم الأرقام المنشورة والدراسات تشير إلى أن نسب الانتحار في السعودية تعتبر الأقل في العالم العربي ككل، ولكن هذه الأرقام قد لا تعبر عن الواقع، بحسب مؤيد باعظيم، 26 عاماً، طبيب أسنان، والذي يشغل حالياً منصب نائب المدير في المبادرة: "في بداية انطلاق المبادرة اعترض البعض قائلين أننا دولة عربية مسلمة ولا يوجد لدينا حالات انتحار، ولكن حين ننظر لأرض الواقع هناك حالات كثيرة من حولنا. هناك تستر كبير على الموضوع كون المنتحر بالدين الإسلامي لا يُصلى عليه، وعادة يدعي الأهل أن أبنهم قد مات بسكته قلبية أو مرض ما، ولا يتم تسجيله في الملفات أنه مات منتحراً."

تشير نوف والجوهرة على أنهما تواصلتا مع مراكز صحية ومؤسسات لسؤالهم عن إحصائيات الانتحار ولم تتوصلا لأي جواب منهم: "هناك تستر كبير على هذه الحالات، على الناس أن تتجرأ بذكر حالات الانتحار لتوعية المجتمع بحجم المشكلة،" تقول الجوهرة وتشير الى أنها تلقّت العديد من الرسائل لأشخاص ذوي ميول انتحارية يطلبون المساعدة: "شخصياً لم أعتقد أن أتلقى هذا الكم الهائل، من المحزن جداً أن يكون المنفذ الوحيد لهؤلاء للتعبير عن معاناتهم هو حساب مجهول على وسائل التواصل الاجتماعي، وهذا يوضح عدد الأشخاص الذين يعانون بالسر." الجوهرة تشير كذلك الى أن هناك تخوف من الذهاب للمراكز النفسية المتخصصة بسبب تفضيلهم عدم الافصاح عن هوياتهم: "الإنتحار يحدث فعلاً، أنا شخصياً أعرف عن سعوديين انتحروا بالفعل، التستر على المسألة لا يعني أنها غير موجودة."

مشكلة البعض أنها تحكم على علم النفس من خلال تجربة طبيب واحد فقط، عند شعورك بعدم الراحة من أول جلسة عليك تجربة طبيب آخر، وليس الاستسلام والتوقف

سارة، 17 عاماً، تعاني من الاكتئاب وفكرت بالانتحار عدة مرات كما تقول، ولكن لم يسبق لها أن ذهبت لعيادة نفسية لتشخيص حالتها بسبب رفض أسرتها لذلك، وهي واحدة من المؤمنين بأهمية عمل هذا الخط الساخن: "سمعت عن المبادرة على تويتر وتحمسّت لها جداً فأنا بحاجة ماسة لمن يسمعني، لا أعلم إن كان هذا الخط سيساعدني بالفعل ولكن أتمنى ذلك." وتضيف: "حاولت في السابق التواصل مع اللجنة السعودية لتعزيز الصحة النفسية لطرح مشكلتي، وأخبروني أنهم سيعاودون الاتصال بي سريعاً ولكنهم لم يفعلوا حتى اليوم، ولم أكرر الاتصال بهم، وآمل ألا تكون المبادرة كذلك." وبسؤاله عن بدء عمل هذا الخط، يقول مؤيد أن المبادرة انطلقت منذ شهرين تقريباً ولكن لم يتم تفعيل الخط الساخن حتى الآن لوجود عدة جوانب يجب التحقق منها كالجانب الأمني والقانوني والمالي وغيرها من اللوجستيات، "تشغيل الخط يحتاج من 4 إلى 6 أشهر،" كما يقول.

العيب المجتمعي والديني يمنع الكثيرين من إخبار أهلهم أو أصدقائهم بمشكلتهم قبل الإقدام على الإنتحار، ففعل الإنتحار محرم في الاسلام كما في غيره من الأديان، وفي العادة يتم ربط الإيمان من عدمه بالاقدام على الانتحار. الدكتور المتخصص في علم النفس وليد العتيبي والذي يعمل في مركز سعودي لم يرد الكشف عن إسمه، هو واحد من الذين يرون أن السبب الرئيسي للتفكير بالانتحار هو ضعف الوازع الديني: "عادة من يقدم على تلك الخطوة ليس ملتزم تماماً بدينه وقد ابتعد عن ربه مما أدى لنسيان عواقب فعلته، ذلك بالإضافة للإضطرابات النفسية التي تصيب الشخص بسبب إدمان المخدرات وغيرها."

إعلان

ولكن الجوهرة ترفض هذا الربط :"عندما نقول أن المنتحر هو قليل الدين هذا غير صحيح، سمعت البعض يقول أنا أدعي ربي كل يوم أن ياخذني وأرتاح، فلو متت بشكل طبيعي سيكون أفضل، من الخطأ أن نلقي اللوم على المريض فهو يعاني بما فيه الكفاية ويشعر بالتقصير والذنب، فهو بالنهاية مسلم ويدعو ربه أن يساعده، وليس بحاجة لأن تزيد من حالته وتلقي اللوم عليه فهذا أحياناً يؤدي إلى نتيجة عكسية. العائلة بالأخص هي من تحتاج الى وعي أكبر بتلك المسألة."

ما يهمنا بالأساس هو رفع وصمة العار المرتبطة بالانتحار، هذه هي البداية فقط

ربط الدين بالعلاج النفسي أحد أكثر الشائعات المنتشرة في المجتمع السعودي كالتداوي بالذهاب لشيوخ الدين لقراءة القرآن على المريض النفسي ظنّا منهم أنه العلاج الأمثل للمشكلة، وهذا ما جعل العديد من المرضى يرفضون الإفصاح عن آلامهم لأهاليهم، بالإضافة لنظرة المجتمع للمرض النفسي على أنه جنون ولا يعترف به كمرض حقيقي. وتشير الجوهرة الى وجود إشاعات اختلقها المجتمع للترهيب من فكرة الطبيب النفسي: "مشكلة البعض أنها تحكم على علم النفس من خلال تجربة طبيب واحد فقط، عند شعورك بعدم الراحة من أول جلسة عليك تجربة طبيب آخر، وليس الاستسلام والتوقف."

أما عن حجم التواصل من الشباب السعوديين مع المبادرة حتى الآن، فيشير مؤيد أنه من خلال تلقيه الرسائل على مواقع التواصل من أشخاص ذو ميول انتحارية لاحظ أن معظمهم تتراوح أعمارهم من 18 حتى 30 عاماً: "تختلف دوافع الانتحار بحسب الفئة العمرية فدوافع الانتحار لدى الكبار في السن تكون بسبب فقدانهم السيطرة على الحياة أو إصابته بمرض مزمن أو فقدانه لعمله، أما المراهقين فتكون الدوافع بسبب وفاة والديه أو تعنيفه أو تعرضه لطفولة مؤلمة." أما عن رواج أخبار انتحار مراهقين من الألعاب الإلكترونية كلعبة الحوت الأزرق مؤخراً، فتقول الجوهرة : "لا أعلم شخصياً مدى صحة هذه الأخبار، ليس هناك شيء علمي يثبت ذلك."

سيتم التعامل مع جميع المكالمات الهاتفية المتلقاة عبر الخط الساخن بسرية تامة دون الإفصاح عن أي معلومة شخصية. ولن يكتفي الفريق باستقبال المكالمات فقط بل سيسعون مستقبلاً للتعاون مع منظمات حقوق الطفل والأسرة لمساعدة جميع الحالات ونشر حملات توعوية وإنشاء مركز خاص لدعم المرضى النفسيين، والذين أقدموا أو فكروا بالانتحار. "مجرد الاتصال وتقديم المساعدة عبر الهاتف هو ليس بعلاج فعلي،" كما تقول الجوهرة وتضيف: "حلول المشاكل النفسية لا يتم علاجها عبر الهاتف أو مواقع العلاج النفسي والتطبيقات المنتشرة، هذه كلها حلول مؤقتة للمساعدة، أما علاج الإضطرابات النفسية، فيقتضي زيارة الطبيب شخصياً للقيام بنشاطات مختلفة تساعده فعلياً. ما يهمنا بالأساس هو رفع وصمة العار المرتبطة بالانتحار، هذه هي البداية فقط."