لماذا نحتاج إلى الرقابة على ما نرى ونسمع ونقرأ ونكتب في زمن أصبح كل شيء متوفر على الانترنت بطريقة أو بأخرى. هل نحتاج الى رقيب وأخ أكبر ليقول لنا ما هو المسموح وما هو الممنوع؟ أو ليس المنع يجعل الأمر مرغوباً أكثر؟ لا تزال العديد من الدول العربية تؤمن بضرورة وجود رقابة على الأفلام والمسلسلات والكتب والصحف من منطلقات مختلفة ومتعددة بعضها غير مقنع والبعض الآخر غير فعال، مثل الحفاظ على أمن الدولة، عدم الإساءة للأديان، وعدم الترويج للإباحية والعنف والعنصرية وغيرها. للحديث عن كل هذا، التقت VICE عربية مع محمد قطيشات، مدير هيئة الإعلام المرئي والمسموع في الأردن.
VICE عربية: لماذا نحتاج إلى الرقابة؟
محمد قطيشات: نحتاج للرقابة المرئية لأن الأفلام والمسلسلات هي أفضل طريقة مرئية للتأثير على العقول. إليكم مثلاً تنظيم داعش الإرهابي والذي يملك طريقة إخراج سينمائية عالية لتنفيذ إعداماته وبث الذعر في قلوب العالم. العالم يعاني الآن من مسألتين، مسألة قديمة حديثة وهي الأمور الإباحية، ومسألة حديثة تتعلق بما له علاقة بالتطرف والفكر الإرهابي وخطاب الكراهية، والأفلام والمسلسلات قد تكون وسيلة لتحقيق أحد المسألتين، لذلك لابد من مراقبة الأفلام والمسلسلات.
ما هي الأمور التي تركز عليها عند مشاهدة مسلسل مثلاً، سياسة، دين؟
في الحقيقة نادراً ما تتحدث الأفلام والمسلسلات عن القضايا السياسية، في العادة تعكس المسلسلات والأفلام حالة اجتماعية تتعلق بالمشاكل الأسرية أو المشاكل المجتمعية والظواهر الاجتماعية، بعضها قد تكون طارئة (كالفكر المتطرف والإرهاب) وقد تكون متأصلة (كالفقر والأمية) ونحن نراقب كل هذا. نتدخل أيضاً في الأمور الدينية عندما نشاهد اعتداء أو إساءة للأديان الثلاثة وفقا لنظام إجازة المصنفات المرئية والمسموعة، فنحن معنيون بعدم الاساءة إلى دين بعينه. أما الأفلام الدينية والتاريخية، فعلينا أن نتأكد من كيفية التعامل وطرح الشخصيات الدينية في المسلسلات والافلام، فيما إذا كان رمز ديني أو لا ومتفق عليه لدى طائفة معينة، وإذا كانت أحد الأفلام والمسلسلات تشوه هذا الرمز الديني لطائفة معينة فعلينا أن نحترم هذا الرمز.
ما حاجتنا للاخ الاكبر مع وجود الانترنت وسهولة مشاهدة أي فيلم بدون تقطيع؟
لا شك أن الرقابة لا يزال لها دور مهم، ولكن هذا لا يعني أننا لا نراعي أيضاً تطور المجتمع، ففي خلال فترة عملي طورنا المعايير التي نراقب بناءاً عليها، فوضعنا رموز داخلية جديدة. مثلا قمنا بتغيير المعايير الخاصة بالايحاءات الجنسية، فليس كل فتاة تظهر في مشهد وترتدي ملابس سباحة (مايو) نقوم بحذف صورتها، أيضاً المناظرة الحميمية مثلاً، لا نحذف كل قُبلة. حاولنا تطوير هذه المعايير لأن الثقافة الجنسية أيضاً مهمة. كما قمنا بتغيير بعض المعايير التي كان يتم اعتبارها إساءة إلى الدين في فترة معينة، قمنا بتطوير ذلك أيضاً، استناداً إلى أن إبداء الرأي في دين معين لا يعتبر اعتداء على ذلك الدين.
الرقابة لا تتحكم بذوق المشاهد لكن مهمتها تجنيب المشاهد لما يعرض في دور العرض والسينما سواء من عنف ودماء والاباحية المفرطة والفكر المتطرف
ما هي العقوبة إذا مر مشهد بدون رقابة؟
تقع المسؤولية الكاملة على من يقوم بعملية البث (دور العرض والسينما) أولاً وهناك مسؤولية على الموظف الذي ارتكب خطأ في اتخاذ قرار رقابي والعقوبة التي توجه له في حال أخطأ في اتخاذ قرار، هي عقوبة إدارية وهي بالغاء القرار فقط عن طريق القضاء، وهي أكبر عقوبة. أما إذا أحدثت لقطة إساءة لأي جهة وكانت هيئة الإعلام المرئي والمسموع لا ترى أنها إساءة؛ فالجهة المتضررة أو المعترضة تقاضي دار العرض أو السينما.
هل حصل وتم تحميلك مسؤولية موقف رقابي معين؟
مؤخراً كان هناك ضغط مجتمعي ونيابي قانوني وحقوقي بمنع عرض فيلم (المرأة الخارقة) Wonder Woman لكون بطلة الفيلم تحمل الجنسية الإسرائيلية وطالبوا بمنع عرض الفيلم في الأردن، إلا أن مطالباتهم كانت تستند على أنه نوع من أنواع التطبيع والغزو الثقافي والفكري للمجتمع الأردني، ولكن لا يوجد نص قانوني في الهيئة يحول دون عرض الفيلم أو معيار يمنحني الحق بمنع عرض الفيلم استنادا لجنسية الممثل. ثانياً؛ أن دار العرض قامت بشراء الفيلم وطلبت من الهيئة إجازة الفيلم فلها حق أيضا، وهذا طلب قانوني قدم وفق النظام. أنا لا أنصاع لضغوط شعبية أو غير شعبية بموضوع إجازة الأفلام وغيرها.
ألا ترى أن الأفراد يجب أن يكون لديهم حرية اختيار ما يشاهدون أو ما لا يشاهدون؟
طبعاً لديهم حق. الفكرة الأساسية هي أن الرقابة لا تتحكم بذوق المشاهد لكن مهمتها تجنيب المشاهد لما يعرض في دور العرض والسينما سواءً من عنف ودماء والاباحية المفرطة والفكر المتطرف.
ترددت في حذف شيء معين على الرغم من أنك تعلم أنه ممنوع؟
في بعض اللقطات خاصة بما يتعلق بالأديان تتساءل فيما إذا كانت إساءة للأديان أم لا؟ المشكلة ليست بالكلام بل المشكلة بالحركة وتكون بها مساحة فكرية للشخص الذي يقوم بالرقابة. هنالك لجنة كاملة متخصصة تراقب والمسؤول عنها يحمل دكتوراه في العلوم السياسية ولديه خبرة لا تقل عن 15 سنة في مراقبة الأفلام والمسلسلات، وبالتالي الموضوع ليس اجتهادي بناءاً على الثقافة الفكرية أو المزاج، أي أن الآراء والأيديولوجيات لا تسقط على الأفلام.
يقال أن كل ممنوع مرغوب. هل ترى أن الرقابة تنجح أم أنها تجعل الممنوع مرغوب؟
على العكس؛ الرقابة تنجح، لأننا لا نمنع الفيلم بل نطلب أحيانا بحذف لقطة ليس من شأنها تغيير فكرة الفيلم أو التأثير على حبكة الفيلم، ونحن لا نحذف اللقطات بل نرسل لهم بأنها لقطة إباحية مفرطة، أو عنف مبالغ فيه (كجز الرقاب مثلا) والجهات تقوم بالمونتاج للقطات بحيث لا يتضح أن هنالك قص للمشهد.
ولكن المشاهد يعلم. كم عدد اللقطات التي تم حذفها من أفلام مؤخراً؟
لا أعتقد أن المشاهد سينتبه. ولكن بشكل عام، لا يتجاوز الأمر، عشر لقطات وهي تتعلق بأمور إباحية مفرطة ولقطة واحدة تتعلق بإساءة دينية فقط، خلال الـ 12 شهر الماضي قمنا بحذف هذه اللقطات في 3 أو 4 أفلام فقط.
ما هو مستقبل وظيفتك؟ هل تتخيل أن يقوم كمبيوتر بعملك في المستقبل؟ أم أننا لن نحتاجه أصلاً؟
سنحتاج الى الرقابة دوماً. ولكن أعتقد بعد فترة من الزمن قد يتقلص عدد موظفي الرقابة نظراً لانتشار الأتمتة وقد يتم طلبات الترخيص لمسلسل أو فيلم "أون لاين" لكن لابد من وجود موظفين لترتيب أمور الترخيص في المستقبل.