حياة

كيف تكتشف موهبة طفلك وتساعد في تنميتها؟

باختصار: أحب طفلك أكثر مما تحب أحلامك المُجهضة
5.8.19
Kids Talents
مريم علي العميرة

يقول العلم أن كل إنسان موهوب في شيء ما. أي شيء، ولو حتى تركيب التكييفات. كل إنسان لديه ما يميزه كالبصمة، ولا يوجد إنسان مسطح ليس لديه أي موهبة مهما بدت صغيرة أو تافهة.

أن تمنح الطبيعة موهبة لكل إنسان شيء، وأن يستطيع الإنسان والأهل اكتشاف وتنمية هذه المواهب شيء آخر. هناك مواهب استثنائية فذة، تقاوم الظروف الصعبة، والمعاملة السيئة من الأهل، وضغوط الحياة، ومقاومة المحيط الاجتماعي لها، وتخرج رغما عن أنف كل هذا، والتاريخ مليء بالمواهب الصارخة التي قاومت الحياة وأضافت للإنسانية، مثل موهبة وليم شيكسبير الذي نشأ وترعرع في بيئة فقيرة، لم ينل قسطا من التعليم، عمل في طفولته كـ"صب نجار"، نام في شوارع لندن الباردة دون غطاء، كان يكتب مسرحياته العبقرية وسط صخب خمارات الدرجة العاشرة في أزقة لندن.

إعلان

هناك آخرون مثل طه حسين الذي أفقده الجهل بصره، وعشان في فقر، وتأفف أهله من فقدان بصره بعد أن تسببوا هم فيه، أو والدي الشاعر أحمد فؤاد نجم الذي نشأ في ظروف اليتم ومحاولات بعض أفراد أسرته لقهره، أو الفنان عبد الحليم حافظ، وغيرهم الكثير من المبدعين الذين تمتعوا بهبة إلهية اخترقت حواجز وحوائط الظروف وأشرقت على العالم؛ إلا أن هذه المواهب كما أشرت سابقا، فذة واستثنائية، وليست ممنوحة للجميع، ما منحته الطبيعة للجميع، هي مواهب أو قدرات متفردة تميز كل إنسان عن غيره، وغالبا ما يتم قمعها بسبب سوء التصرفات أثناء التربية، أو عدم التفات الأهل لما يميز أبناءهم، أو الظروف الصعبة، والتي تهيل التراب على هذا التميز، وتحيل الإنسان إلى شخص غير مفيد، وأحيانا مضر.

كيف تكتشف موهبة طفلك؟

أنت أولا عليك اتخاذ بعض الإجراءات التربوية التي تسمح أولاً بملاحظة ومتابعة ومراقبة الطفل، ثم تسمح ثانيًا بتعبير الطفل عن مواهبه، ثم ثالثًا تتنبه أنت لهذه الموهبة وتبدأ في تنميتها.

ما هي الإجراءات التربوية التي عليك اتخاذها؟

أولاً: الحب:

لا ذكاء، ولا موهبة، ولا شخصية يتم بناؤهم مع الحرمان من الحب. عليك منح ابنك/ابنتك حبا غير مشروط، عليك أن تتأكد من أن رسالة: أنا أحبك حتى وأنت مخطئ، قد وصلت بوضوح. لا بأس من تكرارها باللسان. ردد على طفلك/ طفلتك هذه الجملة بوضوح، واختر الوقت المناسب لترديد هذه الجملة، لابد أن تردد على أسماع الأطفال هذه الجملة وأنت تعاتبهم على الخطأ، حتى وأنت تعاقبهم، يجب أن تؤكد أنك تحبهم، بالرغم من الخطأ، ومع الخطأ، وبالرغم من العتاب، ومع العتاب. على طفلك ألا يتشكك ولو للحظة في محبتك. ثم إنك إن أردت لطفلك أن يفعل شيئًا، فلا يجب أن تقول له: "اعمل كذا عشان أحبك!"؛ فحبك غير قابل للمساومة، وغير مشروط بطاعة، وغير مهدد بعصيان.

ثانيا: الحرية:

سمعت المطرب محمد منير وهو يتساءل في إحدى أغنياته مندهشا: "وده حب إيه ده اللي من غير أي حرية؟".. أنت لا تزرع الحب في طفلك ثم تقتلع منه الحرية، ستخرج نبتة الحب مشوهة، وضعيفة، ومهزوزة، وأحيانًا: مرتبكة وممزقة. كبت الحرية يبعث على الغضب، والاختناق، وإذا ما أتى من شخص محب ومحبوب يصيب الإنسان بالتمزق والمرارة، فلا هو قادر على إشباع رغبته في الغضب منك والتعامل معك بوصفك ديكتاتورًا يجب الثورة عليه، ولا هو قادر على استعذاب محبته لك دون غصة اللوم على كبت حريته. أنت تحبه وتطلق سراحه.

وهناك فارق بين قمع الحرية، وبين التنظيم والتربية. فالحرية لا تعني أن تترك طفلك إنسانا بوهيميا يفعل ما يحلو له كما يقول الفنان عيسوي عيسوي في فيلم "يا رب ولد"، لإن هذا تقصير واستسهال من جانبك. كما أن التربية لا تعني أن تعد أنفاس طفلك عليه، وتوجهه دومًا، وتتحكم فيه. الطفل ليس عجينة أنت تشكلها، هو إنسان أتى إلى هذا العالم باستعداداته، وميوله، ومواهبه، وشخصيته، ومستوى ذكائه، وطباعه، وما يحب، وما يكره. أنت لست خالق لابنك، أنت مجرد راع لهذا المخلوق، تساعده على التعرف على الحياة، وتدريبه على الاعتماد على نفسه تدريجيًا، والتعبير عن نفسه، واستكشافها، تساعده على اختيار ما يرغب هو في اختياره، لا ما تريد أنت أن يختاره، تدربه على تطويع طباعه الشخصية لتكون مفيدة، لا أن تزرع بداخله طباع ليست فيه أو تقتلع طباعًا مخلوقة فيه. أنت مجرد محفز، ولست صانعًا؛ لذلك، فعليك منح الطفل حق الاختيار. على سبيل المثال، أنت تريد من طفلك أن يهتم بالرياضة لأنها مفيدة للجسم والروح والعقل. عليك منحه فرصة الاختيار: تحب تلعب سباحة، أم جمباز، أم كاراتيه؟

كيف للطفل أن يتخار بينهم وهو لم يتدرب عليهم؟

هناك طرق عدة: أصعبها أن تدخله في جميع هذه الألعاب وتجعله يختار، وأسهلها أن تجعله يشاهد هذه الألعاب جميعا على اليوتيوب ويختار منها، لكن لا تنسى أنك تتعامل مع طفل، عيل يعني بيرجع في كلامه، لذلك، فإذا أدخلت ابنك الجمباز مثلاً، ودفعت الاشتراك، ثم جاء الطفل بعد ثالث مرة وقال لك لا أريد الذهاب، ماذا تفعل الآن؟

أمامك ثلاثة طرق واحدة منهم فقط هي الصحيحة:

إعلان

الطريقة الأولى: حتروح ورجلك فوق رقبتك. خطأ.

الطريقة الثانية: قلب أمك يا حبيبي.. خلاص في داهية الجمباز. خطأ.

الطريقة الثالثة: لابد من مناقشة الأمر، والتساؤل عن سبب رفض الطفل للعبة، وعليك أن تمنحه فرصته كاملة للتعبير عن نفسه وشرح أسبابه، وتساعده في التعبير إن كان لا يحسنه، ثم يمكنك أن تفند كلامه، وشرح بعض الأمور له، كأن يقول مثلا: لعبة الجمباز صعبة، والتدريبات تؤلمني. فعليك إذن أن تشرح له أن كل شيء في بدايته صعب، ومع تكرار التدريب سيصبح سهلاً، وتضرب له مثلاً بالقراءة أو الكتابة التي تعلمها وكانت في بدايتها صعبة ومع تكرارها أصبحت سهلة. أما عن التدريبات التي تؤلمك، فهي ستؤلمك في البداية، لكن مع الصبر والتكرار لن تؤلمك، وستصبح لديك مرونة، وستصبح مثل هذا الشخص، ثم تريه فيديو للاعب جمباز شهير وماهر. كما يمكنك تحفيزه، وتشجيعه. إذا لم يقتنع بعد كل هذا، وتحول الأمر إلى بكاء وهيستيريا؛ فالألعاب الرياضية لم تنته. لا تضغط عليه أكثر من ذلك، وعليه أن يفهم أنك لا تجبره، ولا تريد أن تقهره، أنت حاولت إقناعه وتحفيزه وتشجيعه ووعده بإن يحصل على شيء يحبه في مقابل الالتزام بهذه اللعبة، ومع كل ذلك مازال مصرا على الرفض، أي ضغط بعد ذلك سيدخل في حيز القهر.

انتهى. هو لا يريد.

لكن هذا لا يعني أن تربي طفلًا انهزاميًا، عليه أن يفهم أنك نزولًا على رغبته سيترك الجمباز، لكن عليه اختيار لعبة رياضية أخرى. وغير مسموح بأن يقول: "لا مش عايز ألعب رياضة". وعليك شرح أهمية لعب الرياضة، وأنها مثل الذهاب إلى المدرسة، أنت لن تجبره على الذهاب إلى مدرسة يكرهها ويتلقى فيها معاملة سيئة، لكن يجب أن يذهب للمدرسة، يمكن أن نغير المدرسة، لكن لا يمكن أن نتخلى عن فكرة التعليم. وتضرب له أمثالاً، كأن تقول له أنه إذا ما كره طعامًا ما، يمكننا أن نغيره لطعام آخر يحبه، لكن لا يمكن أن نتخلى عن ضرورة أن يأكل طعامًا صحيًا ومفيدًا.

إعلان

ولأنك تمنحه الحب، فعليه أن يفهم أن تخليه عن التعليم أو الرياضة سيحزنك، وحزنك يهمه، لأنك بالأساس تعطيه الحب. أنت بهذا الشكل وازنت ما بين احترام رغبته، وما بين إشعاره بالمسؤولية والالتزام. وابذل القليل من الجهد لتعرض عليه ألعابًا رياضية مختلفة، واجعله يختار. ولا تمل… أمال أنت مخلف ليه؟

ثالثا: الحوار:

تحدث طوال الوقت مع طفلك، في أي شيء وكل شيء، واستمع له. امنحه الفرصة كاملة للتحدث، حتى وإن كان الحديث لا يعجبك، حتى وإن كان يشرح لك لماذا هو يرغب في القفز من النافذة، بالطبع لن تتركه يقفز من النافذة، لكن اسأله لماذا تريد أن تقفز من النافذة، واترك له الميكروفون.

بخلاف أنك ستسمع أشياء ممتعة تبعث على الابتسام والضحك أحيانًا، إلا أنك ستكتشف خياله، وتصوراته. لا تكن دومًا الشخص الذي يعطي التعليمات، حاول قدر الإمكان أن تطرح أسئلة، وتسمع إجاباته، وتحللها، وتفهم منها مفاتيح شخصيته، ومن ثم ستفهم مفاتيح مواهبه وميوله.

رابعاً: ليست كل أخطاء الطفل سيئة:

كما ذكرت في النقطة السابقة، لنفترض أن الطفل يريد أن يقفز من النافذة، هذا أمر خطر وخطأ ويجب أن نشرح له بكل الوسائل أن ذلك غير مسموح، ويجب أن نغلق النافذة، ونتخذ كافة الاحتياطات، لكن الأمر لا يقف عند طفل لا يعي المخاطر ويخالف الأوامر فقط. عدم طاعة الطفل للأوامر تحمل في طياتها تصوراته وخيالاته ورغباته التي يمكن أن تستشف من خلالها مواهبه، ومن ثم، تحاول تنميتها. لا تهاجمه وتتهمه دومًا.

حين يروي لك قصة مختلقة، لا تتهمه بالكذب وتوبخه، سايره وأنصت إلى القصة، وإن كنت ترغب في أن تعوده على الصدق، عليك أن تعوده عليه بطريقة أخرى تمامًا: لا تعاقبه حين يعترف باقتراف خطأ، بل على العكس، كافئه، ولو بكلمة تشجيع: برافو، أنا مش زعلان منك أنك عملت حاجة غلط، عشان جيت قلت الحقيقة، أنا مبسوط منك.

إعلان

أما القصص المختلقة فليست كذبًا، هذا خيال، وربما حين تنميه وتسايره يكبر روائيا كبيرًا، أو كاتب قصة، أو سيناريست. الكذب غير "الفشر"، الكذب ينبع من الخوف، و"فشر" الطفل ناتج عن سعة الخيال. لا تحرجه وتقول له: يا كذاب؛ إذن، فحتى الأخطاء وعصيان الأوامر وخرق النظام أحيانا ما يساعدك على اكتشاف الموهبة. وهذا لا يعني أن تتوقف عن توجيهه وتربيته ونهيه عن الخطأ، لكن عليك توجيه رغباته في الطيران بشكل مختلف، بدلا من أن يحاول الطيران عبر النافذة، يمكنك اصطحابه إلى الملاهي. وهكذا.

خامساً: راقبه وهو يلعب:

ستلاحظ ميله لألعاب أكثر من ألعاب أخرى. وكل لعبة تشي بموهبة. هل هو يميل أكثر للعب المتحرك؟ إذن فهو رياضي. هل يميل إلى تركيب الأحجيات؟ هل يميل إلى الاهتمام بملابس العرائس؟ ربما مصمم أزياء، هل يميل إلى التلوين؟ الكتابة؟ الأرقام؟

سادسا: انس نفسك وطموحاتك ولو قليلاً:

كنت تريد أن تصبح طبيبًا ولم تحصل على المجموع الكافي في الثانوية العامة، كنت تريد أن تتعلم السباحة ولم يكن لديكم ناد، كنت تريد أن تتعلم عزف العود ولم تتح لك الفرصة. يمكنك تعويض مكبوتاتك بنفسك، إذا لم تتمكن من أن تصبح طبيبًا، اقرأ عن الطب كثيرًا، واشف نهمك لهذا العلم. كما يقول الأمريكيون: it is never too late

تعلم السباحة والعود وكل ما ترغب. وارحم أطفالك من طموحاتك المحبطة. ليس لابنك أو ابنتك ذنبًا في كل هذه الإحباطات. اشتريت له العود، وأحضرت له مدرسا خاصا لإنك تحب العود. ماذا لو أن ابنك يحب الجيتار؟

- طب ما كلها آلات وترية!

نعم.. لكن هو يحب الموسيقى الغربية أكثر. يريد أن يتعلم الجيتار كي يعزف عليه مثل مطربه المفضل الذي تراه أنت يغني مثل العنزة.

إعلان

إذا أحضرت له العود والمدرس ورأيت أن الطفل لا يبدي اهتماما ولا يتدرب بشغف، عليك طرح السؤال: هل تحب تغيير الآلة التي تتعلم عليها؟ ما رأيك في الكمان؟ الجيتار؟ البيانو؟ ما رأيك في تعلم السولفيج والغناء؟ هل تحب الغناء؟ هل تحب الإيقاع؟ ماذا عن تعلم الطبلة؟

كما قلنا، لا تقهره، لكن لا تعوده أن يصبح انهزاميا أو quitter كما يقول التعبير الإنجليزي. لا تشعره بأنه حاول وفشل وانتهى الأمر. يمكن أن يحاول في مجال آخر. وإذا لم يجد نفسه في المحاولة الثانية، فعليه أن يحاول في الثالثة، والرابعة. إذا لم يجد نفسه في أي آلة موسيقية فيكفيه أنه قام بتحصيل معلومات عن كل آلة، وهذا وحده يثري عقله وتجربته. هو لم يفشل، لكنه لم يجد شغفه. هو ناجح بالفعل، ناجح في البحث، وكلما بحث أكثر كلما حصل معلومات وتجارب أكثر.

ها قد وجد موهبته وعرفناها.. ماذا أفعل؟

يالحظك السعيد. أن تكتشف موهبة طفلك وشغفه في سن مبكر. ماذا تفعل؟.. يمكنك أن تفعل الكثير، عش من أجل هذه الموهبة، وسخر كل إمكاناتك لها. معلش يعني مع احترامي للمذاكرة والثانوية العامة. إذا اكتشفت أن طفلك رسام متميز، يقضي يومه في الرسم، وقمت أنت بإلحاقه بمدرسة لتعلم الفنون والرسم، فأنت تربي فنانًا. لا يمكن أن توبخه لأن درجاته في الكيمياء لم تكن مرضية. أقصر طريق لتحطيم مستقبل ابنك أو ابنتك هو أن تمنعهما عن شغفهما. ابنك يحب كرة القدم، ويقضي النهار في اللعب في الشارع، أو في النادي، ابنتك تحب الغناء، وتشترك في فريق كورال، وتقضي النهار مع الكورال، فتأتي أنت وتقول: السنة دي ثانوية عامة. مفيش كرة قدم، مفيش كورال.

حين يلومك البعض على هذا تجيب: ما هو/ هي مش حاجة فذة قوي يعني.. هي مش أم كلثوم يعني عشان تضيع مذاكرتها على الغنا. هو مش مارادونا يعني.. معلش يعني.. وأنت مالك؟ وما أدراك أنها مش أم كلثوم ولا كلثوم ذاته؟ كيف تنبأت بالغيب وعلمت أن ابنك ليس مارادونا؟ ربما يخلق طريقة لعب جديدة في كرة القدم، أو تبتكر مسارًا هي جديدًا في الغناء يختلف عن مدرسة أم كلثوم. مثلاً، حميد الشاعري، ليس عبد الوهاب ولا محمد فوزي، وربما لم يره والده متميزًا، لكنه خلق خطًا مختلفًا تمامًا وأصبح حميد الشاعري.

لا تتدخل لإعاقة شغف ابنك أو ابنتك. أنت بهذا تزرع في ابنك أو ابنتك غضبًا قد يودي به إلى أن يتعمد أن يحصل على مجموع قليل في الثانوية العامة لينتقم منك. الأبناء أعقد مما تتصور. أنت منعته عما يحب، عن متعته الوحيدة، عما يرضيه عن نفسه ويشعره بتميزه، إذن، فهو لن يعطيك ما ترغب فيه أبدًا. سيتشتت عقله، ويعاني من انعدام التركيز في المذاكرة، ويرتبك أمام الامتحان، سيفعل ذلك بوعي أو بدون وعي، لا يهم. ربما يتهرب من حزنه على فقدان شغفه بتدخين السجائر مع أصدقائه، ربما يجلس في عناد أمام شاشة التلفزيون ولا يستذكر.

إذا كان هو يثمن موهبته وشغفه، ويعتبر أن ما يقوم به هو قيمته الحقيقية فعليك أنت أيضا أن تثمن ذلك بقدر تثمينه هو/هي له، لا بقدر تصورك أنت. وللعجب، فإن أولئك الذين يمارسون هواياتهم طوال فترة الدراسة، يحصلون على درجات أعلى من الأطفال والمراهقين الذين يتفرغون للاستذكار. ربما يشعر الطفل أو المراهق بداخله بالامتنان نحوك أنك تعطيه فرصة لممارسة هوايته، فيريد - بوعي أو بغير وعي - أن يكفائك بأن يحصل على نتائج مبهرة في الدراسة، ربما يريد أن يثبت لك أن موهبته أو شغفه أو هوايته، لا تقف حائلاً دون تفوقه، لكن المحصلة النهائية، والمثبتة بالإحصاءات، أن الأطفال والمراهقين المنخرطين في نشاط أو موهبة ما يحصلون على نتائج أفضل.

لكن، وماذا إذا لم يحصل على نتائج دراسية مبهرة؟ ماذا يضيرك إن لم يحصل على مجموع عال في الثانوية العامة لكنه أصبح عازف كمان شهير؟ عليك أن تواجه الحقيقة وتفخر بها: ابني ليس موهوب في الدراسة، لكنه موهوب في شيء آخر. وسيحقق نجاحًا. يعني ميسي مثلا مش دكتور ولا حاجة.. هو لازم يبقى دكتور؟ وماذا إذا حصل على مجموع في الثانوية العامة ودخل كلية الطب وتخرج فيها ثم لم يعمل بها لإنه لا يريد أن يعمل بها؟ هناك الكثير من الأمثلة: ما الذي استفاده يوسف إدريس ويحيى الفخراني وعزت أبو عوف من دراسة الطب سوى حرف "د" يسبق أسماءهم؟ كاتب وممثل وموسيقي وممثل، هذا ما رغبوا دومًا فيه، وهذا ما حققوا نجاحاتهم فيه.

باختصار: أحب طفلك أكثر مما تحب أحلامك المجهضة.