FYI.

This story is over 5 years old.

سياسة

صور من حياة النازيين: اعتياديّة الشرّ

عن طريق نبش أسواق البالة، مبيعات العقارات، والانترنت، تمكن دانييل لينشنر المقيم في نيويورك وقريب أحد الناجين من الهولوكوست، من جمع أكثر من 500 صورة للنازيين.

نشرت هذه المقالة في الأصل على vice.com

بينما ناولني صورة باهتة قليلاً تعود لأوائل القرن العشرين، سأل دانييل لينشنر: "هل لديك معرفة بهنود لاكوتا؟". كانت صورة لصفّ دراسي وقد طُبع المكان على أسفلها: لاكوتا - شمال داكوتا.

تحداني لينشنر سائلاً: "والآن، هل تستطيع إيجاد هنديّ في هذه الصورة؟"

دقّقت نظري في صفوف من الوجوه القوقازية.

ثم أكمل قائلاً: "لن تجد. لقد تخلصنا منهم جميعاً، لعلمك". لم يعد هناك لاكوتيين في لاكوتا. تبدو مثل صورة صف مدرسيّ، لكن يمكنك أيضاً القول إنها صورة إبادة جماعية".

إعلان

تسيطر سمة الغياب الضمني تلك على مجموعة الصور التي عثر عليها لينشنر. عن طريق نبش أسواق البالة، ومبيعات العقارات، والانترنت، تمكن الرجل المقيم في نيويورك وقريب أحد الناجين من الهولوكوست، من جمع أكثر من 500 لقطة للنازيين، التقطت بواسطة نازيين، توثيقاً لحياتهم اليومية: علائلاتهم، صداقاتهم، وأنشطتهم في وقت الفراغ.

كونه رجل يهودي وله أسلاف هلكوا في الهولوكوست، تجبره هذه اللمحات المقرّبة من الحياة اليومية لمضّطهدي عائلته على مواجهة ما وصفته الفيلسوفة السياسية أريندت "اعتيادية فعل الشر".

قابلتُ لينشنر ذو الثماني والستين عاماً الشهر الفائت في شقته المترامية الأطراف في نيويورك للنظر إلى مجموعته ومناقشة ما تعنيه الصور.

VICE: الأمر اللافت للنظر في الكثير من هذه الصور، أنه لا يمكن التعرّف إلى هؤلاء الأشخاص على أنهم نازيين من دون ارتدائهم للزي الرسمي، أم يمكن ذلك؟

دانييل لينشنر: نعم، هذا هو صُلب أطروحتي: يبدو غالب الناس طبيعيي المظهر، لكنّ المظاهر خادعة. هناك ظاهرة جديدة في الأخبار وهي أناسٌ تجرى معهم مقابلات في الشارع بعد معرفتهم أن جاراً لهم اكتُشفَ بأنه قاتل جماعي. دائماً ما يبدون الدهشة، أنهم لم يدركوا ذلك، وأنه كان عليهم أن يدركوا الأمر. الافتراض الرئيس أنه كان باستطاعتهم اكتشاف الأمر. لكن الحقيقة أنه طالما لا توجد وسيلة لذلك، يُـفترض ألا يبدوا أي اندهاش.

VICE: قابلتُ ذات مرةٍ حفيدة أخ القائد النازي هيرمان غورنج، وقد كانت ألبوماتها العائلية زاخرة بمثل هذه الصور . تحدثَت عن شعورها بالحب الواضح في كثير من المشاهد : آباء يحملون أطفالهم، أزواج في الأحضان، أصدقاء يضحكون . كيف لكَ أن تجابه وجود هذه الأنواع من العواطف؟

إعلان

دانييل لينشنر: نعم، عاد هؤلاء الأشخاص لزوجاتهم وأطفالهم، ولربما غنّوا لهم ترانيم نوم ألمانية لطيفة، لكنَّ ذلك لا يبرئهم. أقصد، لقد أحبَّ هتلر الكلاب، وكان نباتياً. رائع، لكن كل ذلك ليس له علاقة. في نهاية الأمر، هذه أمور قابلة لتتعايش مع بعضها البعض. لا، ليس تماماً، لكن يمكنها أن تتواجد سوياً. يمكن أن يعيش الشّر والخير في ذات الشخص. لكن في نوريمبيرغ، لم يرد ذكر أنهم كانوا لطفاء مع زوجاتهم لأنه لم يكن يهمهم.

VICE: يبدو أن الرجل في هذه الصورة لم يكن زوجاً صالحاً . أهذه الرسالة المكتوبة على الظهر موجهة للعزيز جون؟

دانييل لينشنر: رسالة موجهة للعزيز جوهان، يمكن القول.

VICE: هل لك أن تصف ما ننظر إليه؟

دانييل لينشنر: حسناً، لدينا هنا صورة ستوديو جميلة لشرطي ألماني، وعلى الظهر هذه الرسالة التي كتبتها امرأة، وهي على ما يبدو أنها كانت عشيقته. تكتب فيها أنها قامت بإعادة هذه الصورة لأنها جلبت لها الحظ السيء. لقد كانَ لعوباً. تشير إلى "تجواله في فيمار"، وإلى زوجته أيضاً.

VICE: ما الذي يعجبك في هذه الصورة؟

دانييل لينشنر: إنها صورة عادية، مبتذلة جداً، مجرد رجل يخون زوجته، لا شيء غريب في ذلك. إنه وغدٌ عاديّ، لكن إذا ألبسته زي النازية، تحصل فجأة على وغد من نوع خاص.

VICE: في هذه الحالة، ها هي القصة هناك على الصورة نفسها، لكن معظم هذه الصور تأتي مع سياق غير كاف . ما تراه في الصور، هل يأتي كله من الصور نفسها أم لها نصيب من إسقاطاتك عليها؟

دانييل لينشنر: إنه سؤال بمليون دولار، أليس كذلك؟ دعني أريك شيئاً يفسر الأمر. هذه إحدى أكثر الصور التي اشتريت إذهالاً على الإطلاق، ولا شيء مكتوبٌ على ظهرها. ألقِ نظرة وأخبرني عما تراه.

إعلان

VICE: أرى مجزرة .

دانييل لينشنر: نعم، مجزرة صغيرة، بالإضافة إلى ما أعتقد أنه اغتصاب. تلكَ قطعاً امرأة تضع غطاء الرأس. إنها ممددة على الطاولة وتم إبعاد ساقيها عن بعضهما، وقد تم وضع بعض القش تحت رأسها لراحته. أعتقد أن جميع من في الصورة هنا أموات: جثث، جثث، جثث. وهكذا قد فرغ الألمان منهم. تراهم يتجهون نحو ما يبدو مثل محطة قطار صغيرة. ظهورهم نحونا: "لقد أنهينا عملنا وها نحن مغادرون".

VICE: لعلّ الأكثر إزعاجاً في المشهد هو التفصيل المتعلق بوضع القش تحت رأس المرأة . تبدو محاولة لجعلها مرتاحة بينما قاموا باغتصابها ثم قتلها . يبدو كاعتراف بإنسانيتها .

دانييل لينشنر: كما ويبدو أن هذا الرجل الميت قد وضع ذراعه حول الشخص هنا، في وضعية حماية له.

VICE: كما لو أنه يستطيع أن يقيه من الرصاصات .

دانييل لينشنر: كما ذكرت، لا يوجد أي كتابة على ظهر الصورة، لكنها وحدها تنطق بالقصة بكل وضوح. لا أعتقد أن علينا التمعن فيها أكثر من ذلك.

VICE: ورغم ذلك، من الصعب ألا تسقط نظريتك، أليس كذلك؟ لا يختلف هذا كثيراً عن تصوير الحروب الذي أصبح مألوفاً لدينا جميعاً

دانييل لينشنر: صحيح، إنّ هذا يشبه الصور التي يلتقطها روبرت كابا.

VICE: التركيبة ممتازة والتركيز حادّ كالسكين .

دانييل لينشنر: هذا صحيح. أمر واحد يمكن قوله عن النازيين ألا وهو أنهم كانوا يذهبون للمعارك مُحمّلين بكاميرات جيدة. لم يأخذوا معهم كاميرات انستاماتيك اللعينة. بل أخذوا ليكاس: كاميرات جيدة بعدسات جيدة. يمكنك أن تقرأ الأرقام الموجودة على القطار، يمكنك أن ترى حدود العشب. يمكنك أن ترى عيون الرجل الميت.

VICE: كما أسلفت فهذه مشابهة لأعمال روبرت كابا، لكن - وهذا يرجعنا إلى الاسقاطات - معرفة الشخص الذي التقط الصورة يعطيها حميمية تتجاوز الصحافة المصورة . فالمصور يعتبر جزءاً من الصورة، مما يمنح الصورة صفة لقطة العائلة، باستثناء أنه عوضاً عن الوقوف والابتسام، الجميع أموات .

إعلان

دانييل لينشنر: ومن ثم، السؤال الذي لا إجابة له، لماذا قاموا بالتقاط هذه الصورة؟

VICE: لماذا باعتقادك؟

دانييل لينشنر: أحيانا أحتار، هل كانوا فخورين؟ لا أحد يعلم. لا إجابة لدي على هذا.

VICE: من المؤكد أنهم لم يلتقطوها من أجلك . هناك عندما تقع الصورة بين يديك ما يشكّل انقلاباً على الغاية منها . أقصد أن المصّور لم يكن ليتخيل وجودك مطلقاً .

دانييل لينشنر: لا. لكن، لأجل من التقطت؟ رئيسه الأعلى، أصدقاءه، زوجته، أطفاله؟

VICE: من الصارخ رؤية تلك الصورة في نفس المجموعة مع هذه ههنا . هذه الصورة تبعث السرور، حقاً : جمعٌ من الناس يضحكون على شيء خارج إطار الصورة .

دانييل لينشنر: ما عدا، انظر هناك. هل ترى الصليب المعقوف؟ فجأة تصبح الصورة شريرة. علامَ يضحكون؟ لن نعرف أبداً. إنهم ينفجرون ضحكاً. أمرٌ جميل. لديكَ أمثلة لكل الطرق المختلفة التي يضحك بها الناس. بعضهم يغطي وجهه، وبعضهم ينحني عند الخصر، وآخرين يمسكون بطونهم، وهنا نجد شخصاً منحنياً للخلف، هذه تغطي فمها، وتلك تشير لتلفت انتباه صديقتها.

VICE: يجب أن تهيأ نفسك حتى تتمكن من رؤية الصليب المعقوف . استغرقني الأمر وهلة .

دانييل لينشنر: أجل، هذا قطعاً صحيح. أنا حساس للغاية وأحياناً يخيّل لي رؤية الصليب المعقوف بينما هو غير موجود.

VICE: كونك حساس لهذه المسألة، كيفَ تنظرُ للشعب الألماني في يومنا هذا؟

دانييل لينشنر: حسناً، لقد عشت 5 سنوات في ألمانيا كمشرف كلية في الجيش الأمريكي. حيثُ قمت بتدريس الأدب المقارن للجنود الأمريكان. كان ذلك في منتصف السبعينات. كثيرٌ من الناس الذين كنت أمر بهم في الشوارع قد عايشوا الحقبة النازية. أقل ما يقال إن الأمر كان غريباً. تستقل قطاراً ألمانياً ولا تستطيع سوى التفكير بعربات الماشية المكدسة بالبشر. لكنك تذهل بكل الأمور الجيدة. المكان نظيف، وتنطلق القطارات على الوقت، كما أن الناس صادقين جداً.

VICE: ما هي النواحي التي لمست فيها صدقهم؟

دانييل لينشنر: كمثال، على متن قطار الأوتوبان، يضعون في كل الحمامات أطباقاً حيث يمكنك أن تترك بقشيشاً لعامل النظافة. لذا يحصل معك أن تدخل الحمام لتجد طبقاً مليئاً بالنقود. في المقابل، لو وضعت هذه الأطباق على طريق تيرنبايك في نيو جيرسي، لن تبقى لثلاث دقائق. سيسرقون المال، والطبق أيضاً. لكنهم في ألمانيا لا يسرقون المال بل يضعون المزيد في الطبق. تشاهد ذلك وتقول في نفسك: أهؤلاء ذاتُ القوم الذين ارتكبوا الهولوكوست؟ كيف يعقل ذلك؟ لابد أن بعض أولئك كانوا صادقين. لابد أنهم كانوا صادقين بالمعنى الضيق للكلمة: وضع المال في الطبق وهم في الطريق لبناء معسكر اعتقال.

عائلة لينشنر في لودز، بولندا عام 1935. والد دانييل لينشنر (الصف الخلفي، الثاني من اليمين) هو الناجي الوحيد من الحرب.