تونسية
وكالة فرانس برس -تصوير: فتحي بلعيد
جدل

المُساواة في الميراث تُقسّم التونسيين

لم تعد الأنثى تعيش تحت كفالة الأب أو الأخوة بل يعيش كثير منهم تحت كفالتها
24.9.18

فتحت تونس الجدل مجدداً حول موضوع يعدها البعض من المسائل "المحسومة" في العالم العربي بدعوتها إلى تكريس المساواة في الميراث بين المرأة والرجل. هذه الدعوة لاقت ترحيباً كبيراً من قبل أطراف عديدة في تونس ومعارضة شرسة من أطراف أخرى. وبهذا عادت إلى الواجهة مسألة المساواة المطلقة بين الجنسين في هذا البلد الذي يعتبر رائداً على مستوى حقوق المرأة، وباتت قضية المساواة في الميراث تحتل مقدمة نقاشات الرأي العام في تتمة لجدل واسع أثير العام الماضي بعد الإعلان عن إلغاء قانون يحظر زواج التونسيات المسلمات من غير المسلمين.

إعلان

اقتراح قانون للمساواة في الميراث الذي تحدث عنه الرئيس التونسي، الباجي قايد السبسي، في كلمة له بمناسبة عيد المرأة التونسية الشهر الماضي، تجاوز الحدود التونسية وامتد لدول عربية اجتمعت في أكثرها على الاستنكار والرفض. ينص المقترح المقدم لمشروع القانون الجديد، على المساواة في الميراث بين الرجال والنساء، بشرط أن تربطهم صلة قرابة من الدرجة الأولى، أي ممن يمثلون الأشقاء والشقيقات والأبناء، بالإضافة إلى الأب والأم والزوج، وهو ما يختلف مع التشريع التونسي الحالي الذي يطابق ما ورد في آيات القرآن الكريم، والذي يقضي بأن للمرأة نصف نصيب أشقائها الذكور. وتتضمن بنود المشروع، جزءاً يقضي باحترام حرية الأفراد المعترضين على نص القانون الذي يهدف إلى المساواة بين الجنسين في توزيع الميراث، حيث يترك لهم مطلق الحرية في تقسيمه بين النساء والرجال وفقاً لمعتقداتهم. ولكن بوجود خيار لتطبيق المساواة في الميراث من عدمها على ماذا يختلف التونسيين إذن؟

دولة مدنية يعني مساواة في الحقوق
ترى حنان عجيلي، 33 عاماً، محاسبة، أن قانون المساواة في الميراث ضروري. أولا لاعتبارات سياسية وهي أن تونس دولة مدنية، ومن أهم أسس الدولة المدنية، ضمان الحقوق والحريات الأساسية للفرد والمساواة التامة بين جميع مواطنيها بقطع النظر عن اختلافاتهم العرقية او الدينية او الجنسية او اي نوع آخر، كما تقول حنان وتضيف: "أسس الدولة المدينة هي مترابطة ومتكاملة ولا يمكن تجزئتها واعتماد بعض دون البعض الآخر، فإما الإيمان بفاعلية الدولة المدنية ودورها في تأمين التعايش السلمي بين البشر أو ترك مفهوم الدولة المدنية والبحث عن بدائل اخرى وتحمل تبعات ذلك."

كما تؤكد حنان الى أن المساواة بين الجنسين هي جزء لا يتجزأ من أسس الدولة المدنية الحديثة التي أكد عليها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في مادتيه الأولى والثانية والتي التزمت بها الدولة التونسية في اتفاقية سيداو (للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة). أهمية طرح هذا القانون بالنسبة لحنان هو أيضاً اجتماعي: "مساهمة المرأة الاقتصادية أصبحت اليوم لا تقل عن نظيرتها من جانب الرجل، ومجتمعنا يزخر بملايين الأمثلة لنساء يعلن أسرهن سواء كبنت تعيل إخوتها وعائلتها او كزوجة و كأم تعيل أبناءها وبيتها. لذلك فمتطلبات واقعنا الحالي تجعل من الظلم إعطاء الفتاة نصف نصيب الولد الذكر، فلم تعد الأنثى تعيش تحت كفالة الأب أو الأخوة بل كثير منهم يعيشون تحت كفالتها."

من التناقض التوقف عند مسألة المساواة في الميراث لاعتبارات دينية وتجاهل أخرى كالخمر وحكم السرقة والربا وغيرها من المسائل المرفقة بنصوص قرآنية ويتم التعاطي معها بقوانين وضعية

ويساند حنان في الرأي المهندس بوزيد مبارك، 36 عاماً، والذي يجد أنه لو تم الاتفاق حول المفهوم الحقيقي والصحيح للدولة فإن النقاش حول كل المسائل سيتسم بالموضوعية بما في ذلك المساواة في الميراث في المجتمع التونسي. ويضيف: "موضوع المساواة في الميراث لا يحتاج الى كل هذه الضجة الإعلامية. لم أسمع حتى الآن أي خطاب سياسي ذكي يجعل الناس تقتنع أن المساواة أمر جداً عادي في دولة عصرية، ولم أسمع أي فقيه واحد متمكن من علمه يبين للناس أن المساواة القانونية لا تعنيهم البتة إذا كانوا يريدون اعتماد الشريعة كمرجع، الخيار موجود."

بوزيد يرى أيضاً أن هناك نوع من التناقض في التعامل مع الميراث ويوضح ذلك بالقول: "لماذا التوقف عند مسألة المساواة في الميراث لاعتبارات دينية، وتجاهل أخرى كالخمر وحكم السرقة والربا وغيرها من المسائل المرفقة بنصوص قرآنية ويتم التعاطي معها بقوانين وضعية دون إعتراض؟"

إعلان

وماذا عن النص القرآني الذي يقول "لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ" فيوافق بوزيد أن الدين الإسلامي جعل للذكر مثل حظ الأنثيين في الميراث "ولكنه أجبر الذكر على أن يعمل ويطعم ويعيل أخته وأمه وزوجته وابنته، ويسهر على تعلميهن وكسوتهن وتزويجهن وغيرها من المستلزمات الحياتية. ما يحدث اليوم هو أن الذكر يلتف على الميراث ويدير ظهره لأمه واخته وهذا ليس عادلاً، فضلاً عن كون المرأة اليوم أصبحت شريكاً فعلياً في تحمل الأعباء اليومية التي كانت حصراً على الرجل وليس من العدل عدم مراعاة ذلك."

القانون المطبق حالياً المستمد من الشريعة الإسلامية يقضي بأن يرث الرجل ضعف ميراث المرأة في حال كانا على المستوى نفسه من القرابة. في نفس الوقت، ينص الفصل 21 على "المواطنون والمواطنات متساوون في الحقوق والواجبات، وهم سواء أمام القانون من غير تمييز." وتشكل المساواة في الميراث أصعب الإصلاحات التي تواجه "لجنة الحريات الفردية والمساواة" التي أحدثها الرئيس التونسي داخل البرلمان لتفعيل نصوص المساواة التي نص عليها الدستور.

حُسمت في القرآن
على الجانب الآخر من النقاش، تعارض هاجر عبيدي، 33 عاماً، موظفة، تماماً قضية الميراث بين الرجل والمرأة في تونس لوجود معطى ديني وجب احترامه على حد تعبيرها وتضيف: "مسالة الميراث قد حسمت في القرآن الكريم وتحديداً في سورة النساء، إذ وردت بصراحة ووضوح لا جدال فيها."

السبسي وأمام تراجع نسبة الثقة فيه يسعى الى إعادة ثقة التونسيين فيه من خلال هذه القوانين وخاصة النساء اللواتي كان لهن الفضل الكبير في وصوله إلى قصر قرطاج

وتستنكر هاجر توجه المشرع التونسي للحديث عن المساواة في الميراث بين الرجل والمرأة في الوقت الذي يتجاهل فيه حقوق أخرى: "ألم يكن من الأولى بهم الانتباه للفتيات اللاتي ينقطعن مبكراً عن الدراسة جراء الفقر؟" عبيدي ترى أيضاً أن مسألة طرح المساواة في الميراث "كوسيلة لاشغال الشارع التونسي وليغض النظر على مشاكله الحقيقية."

وعلى نفس الموقف يقف الصحفي أنور صالح، 34 عاماً، والذي يعارض هو الآخر فكرة المساواة في الميراث من منطلقات دينية أساساً وأخرى سياسية، كما يوضح: "ليس من المقبول بالنسبة لي تطبيق أمر يتعارض مع ما ورد صراحة في النص القرآني، لست ضد الحريات الممنوحة للمرأة، ولكن لا أظن هؤلاء المشرعين على دراية ووعي بالمسألة أكثر من الخالق الذي نظم هذه المسألة وحددها بكل هذا الوضوح."

إعلان

وكما هاجر، يرى أنور أن الموضوع سياسي أكثر منه حقوقي: "بعض الساسة في تونس يحاولون تغطية إخفاقاتهم المتتالية من خلال فتح هذا الموضوع، في وقت باتت في الانتخابات القادمة على الأبواب. أعتقد الرئيس التونسي قائد السبسي وأمام تراجع نسبة الثقة فيه، يسعى الى إعادة ثقة التونسيين فيه من خلال هذه القوانين، وخاصة النساء اللواتي كان لهن الفضل الكبير في وصوله إلى قصر قرطاج في عام 2014."

1537273252556-

جانب من المظاهرات المعارضة للمساواة في الميراث (فرانس برس/تصوير: حسان الدريدي)

حتى الخبراء اختلفوا
ورغم أن تونس تعتبر واحدة من أكثر الدول العربية انفتاحا ًفي مجال تحرر المرأة منذ صدور مجلة الأحوال الشخصية في العام 1956، فقد جعل الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة البلاد في صدارة العالم العربي الإسلامي في مجال حقوق المرأة بهذه المجلة التي منعت تعدد الزوجات، وشرعت لمؤسسة الزواج وفقا للتعاقد الكتابي بين الزوجين، وجرمت ما يسمى الزواج العرفي. كما أعطت المجلة الحق للمرأة في قبول أو رفض الزواج، والحق في الطلاق، وتم تحديد سن الزواج للفتاة ب 18 سنة، وللشاب بـ20 سنة، وإقرار المساواة التامة في إجراءات الزواج والطلاق والنتائج المترتبة عنها. إلا أنه ترك الباب مفتوحاً بشأن المساواة في الميراث.

في سبتمبر 2016 طالب البرلمان الأوروبي تونس بإدخال جملة من الإصلاحات من بينها المساواة في الإرث وعدم تجريم المثلية الجنسية، وهو ما يعني أن المسألة جاءت بأمر خارجي

خبير القانون الدستوري الدكتور قيس سعيد هو من الرافضين لمسألة المساواة في الميراث رغم أنه يحسب على التقدميين في تونس. ويضيف سعيد الى أنه في سنة 1986 طرح البعض مسألة المساواة في الميراث على الرئيس بورقيبة، لكنه أجاب بأن هناك حكماً في القرآن لا يقبل التأويل، وبقيت الأمور على ما هي عليه حتى سنة 2016 عندما تم طرح المسألة مجدد بطريقة أشبه بجس نبض: "في سبتمبر من تلك السنة طالب البرلمان الأوروبي تونس بإدخال جملة من الإصلاحات من بينها المساواة في الإرث وعدم تجريم المثلية الجنسية، وهو ما يعني أن المسألة جاءت بأمر خارجي سواء تم في العلن أو في جنح الظلام،" يقول سعيد.

1537273530006-

متظاهرات يحملن صورة الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة. (فرانس برس/تصوير: فتحي بلعيد)

كما تركنا الاحتكام إلى بعض الآيات الصريحة على غرار حكم السرقة فقد آن الأوان أيضاً لترك البعض الآخر نظرا للمتغيرات التي تطرأ على المجتمع

أما الحقوقية درة بوشوشة، عضو "لجنة الحريات الفردية والمساواة" والتي كانت بين الفريق الذي طرح مسألة المساواة في الميراث فترى أن الدستور التونسي ينص على المساواة بين المرأة والرجل "وهذا كان دافعاً قوياً للتنصيص على هذا المشروع" وتضيف: "رغم توفر الأرضية الدينية بالإقرار أن دين الدولة الإسلام، فإن الأصل في الأمور أننا مجتمع نتقدم في وضع قوانينا، فكما تركنا الاحتكام إلى بعض الآيات الصريحة على غرار حكم السرقة، فقد آن الأوان أيضا لترك البعض الآخر نظرا للمتغيرات التي تطرأ على المجتمع."

وتؤكد بوشوشة الى أنه قبل طرح القانون تم القيام بدراسة جميع الجوانب، ولهذا تُرك الخيار متاحاً لمن يريد تطبيق الشرع في تقسيم الميراث، "ولكننا في ذات الوقت حرصنا على حماية المرأة إذا شاءت أخذ نصيبها بأحكام النص القانوني لدى وفاة صاحب الإرث قبل تقسيمه على الورثة."

يبدو أن المناقشات حول المساواة والميراث وغيرها من القوانين، ستتواصل على أشدها في انتظار ترجمة هذه المقترحات إلى قوانين يتم سنها، وإن كان تجسيد الأمر صعباً على المدى القصير جداً، فإنه حتما سيجد الأرضية اللازمة ولو على المدى المتوسط، شأنه في ذلك شأن الكثير من القوانين الجدلية التي تم تركيزها في تونس على مدار أكثر من ستين سنة.