سياسة

تيار الحازمية: هل يكون وريث داعش الأكثر تطرفاً ودمويةً؟

يتوقّع الصحافي التونسي هادي يحمد أن يرث داعش تنظيم أكثر تشدداً يشكل التونسيون سواده الأعظم
25.10.17

صورة لغلاف كتاب كنت في الرقة هارب من الدولة الإسلامية

على قاعدة أنّ كلّ تنظيم إرهابي يخبو، يخرج من رحمه تنظيم أشدّ دمويةً وفتكاً، يتوقّع الصحافي التونسي هادي يحمد أن يرث داعش تنظيم أكثر تشدداً، بدأت ملامحه تتضح في "تيار الحازمية"، نسبة إلى الشيخ أحمد بن عمرو الحازمي المعتقل في السجون السعوديّة. في كتابه الصادر حديثاً "كنت في الرقة، هارب من الدولة الإسلامية" يحكي يحمد عن التيار المتشكّل بمعظمه من متطرّفين توانسة.

VICE عربية: ما الذي شاهدته خلال رحلة البحث التي قادتك لكتابة كنت في الرقة؟
هادي يحمد: عندما توجهت إلى إسطنبول في خريف العام 2016، باحثاً عن أحد المقاتلين التونسيين الهاربين من داعش كي أوثق قصته، كنت أعتقد أنني سأجد أمامي شاباً نادماً ساخطاً على دموية التنظيم المتطرف، راغباً بالعودة إلى الحياة، لكني وجدت نفسي في مواجهة شاب يافع غزير اللحية، كله غضب وسخط على دولة البغدادي لأنّها لا تطبق الإسلام الصحيح، وليست دمويّة بما يكفي مع خصومها حتى من غير المقاتلين.
عدت من تركيا مُحملاً بالقصة الكاملة لمحمد الفاهم، المقاتل التونسي السابق في داعش، ونشرتها في الكتاب ولكن الكتاب لا يكتفي برواية قصة الشاب التونسي بين الرقة وجبهات القتال وقبلها في مراتع الطفولة والصبا، بل يكشف في هوامشه عن ملامح تيار جهادي جديد بدأ يتشكل على يمين داعش وأكثر تطرفاً منه، يشكل التونسيون عموده الفقري وسواده الأعظم.

صورة الكاتب هادي يحمد مهداة منه شخصيا

ما سبب خلاف هذا التيار مع داعش؟
الانشقاقات التي حصلت داخل تنظيم داعش كانت ذات منحيين أو لسببين رئيسيين: الأول انشقاق لأسباب شخصية وقناعة بأن ما يسمى بتنظيم الدولة "قد خرج عن إسلاميته" أي أنه تمادى في الإثخان والتشدّد. والسبب الثاني مُحدث، بدأ في أواسط سنة 2015 حيث ظهر تيار أكثر تشدداً داخل التنظيم يقول "بتكفير العامة" ولو كانوا من "أهل السنة." اشتدّ عود هذا التيار مع توسع الأراضي التي احتلها داعش، وبروز متشددين يقلدون أحمد بن عمرو الحازمي، الشيخ المعتقل في السجون السعودية، لذلك يطلقون على أنفسهم "الحازمية." وكانت أبرز مقولات هذا التيار هي "عدم العذر بالجهل" مما قاد الأجهزة الأمنية لداعش إلى القيام بحملة اعتقالات في صفوفه لأنه بات يمثِّل خطراً على "وحدة التنظيم" فضلاً عن تكفيره قادة داعش وعلى رأسهم أبوبكر البغدادي.

وظهرت بوادر الخلاف حول قضية "عدم العذر بالجهل وتكفير العوام" بعد اتساع رقعة سيطرة داعش، إذ توجهت قيادة التنظيم إلى إخضاع المدنيين والسكان لقوانينها وفرضت عليهم ضرائبها وأخضعتهم لدورات شرعية كي يتبنوا منهجه المتطرف، وأفنت كل معارضيها بالقتل والتهجير. لكن ذلك لم يرق للتيار الجديد، الذي طالب "بعدم عذر هؤلاء الأهالي بجهلهم بالمنهج الشرعي الصحيح" وبالتالي يجب أن يطالهم التكفير المفضي إلى القتل.

إعلان

هذا الخلاف ليس جديداً في أوساط الجماعات الإرهابية؟
نعم في أواخر الستينيات ظهرت في مصر جماعة معروفة باسم "التكفير والهجرة" ودعا مؤسسها شكري مصطفى إلى الانعزال عن المجتمع وتكفير عوام الناس، وبقيت رواسب هذا الفكر عند أغلب الجماعات الإرهابية التي ظهرت لاحقاً في مصر ثم في أفغانستان في الثمانينيات، وصولاً إلى الجزائر خلال العشرية الدامية. في تسعينيات القرن العشرين، عاشت الجزائر حرباً داميةً بين الدولة والجماعات الإرهابية، وظهرت خلال تلك الفترة الجماعة الإسلامية المسلحة، الأكثر قسوةً ودمويةً بين كل الجماعات بزعامة جمال زيتوني المعروف بأبي عبد الرحمن أمين. ومع انفجار الأوضاع في العام 1995 أصدرت الجماعة فتوى تجيز لمقاتليها قتل الأطفال والنساء والمدنيين العزل، لأنّهم جزء من "المجتمع الكافر" وانتقلت من تكفير الدولة إلى تكفير الشعب. وكان عراب هذه الفتوى الدامية، أبو قتادة الفلسطيني الذي كان مسؤولاً عن نشرة "الأنصار" الناطقة باسم الجماعة، وكانت تصدر في لندن يومذاك.

تاريخ الجماعات الإرهابية يكشف دائماً عن أن كل جماعة تندثر، تخرج من رحمها جماعة أشدّ تطرفاً، وكل تنظيم يخبو يرثه من هو أشد منه فتكاً

ما الذي يفسر انضمام التونسيين لهذا التيار؟
هذا يرجع إلى الزيارات التي كان يقوم بها "الأب الروحي" للتيار أحمد بن عمرو الحازمي إلى تونس في خلال السنوات الثلاثة الأولى بعد الثورة (2011). وقد أقام الحازمي في تلك الفترة بشكل مؤقت في البلاد، وألقى عشرات المحاضرات والدروس في مساجد البلاد ونشر عقيدة "عدم العذر بالجهل" وزرعها في أذهان الشباب السلفي الجهادي في تونس.

كيف يبدو المستقبل إذاً بالنسبة لهذا التيار المتشدد؟
من السابق لأوانه تعقب أو توصيف المرحلة التي ستلي انهيار تنظيم داعش عسكرياً، وخسارته للموصل والرقة في كلّ من العراق وسوريا. في اعتقادي أن هذا التيار مازال في بداية التشكل، ولكنه لا يملك أي قوة عسكرية في الميدان إلا إذا استثنينا بعض الخلايا التي تكونت في مدينة إدلب مع بداية العام 2016. الأمر الثاني أن هذا التيار لا يضمّ في صفوفه قيادات ميدانية معروفة وهو يتشكل أساساً من القيادات الوسطى والمقاتلين المنشقين.

أعتقد أن داعش استطاع إلى الآن احتواء خطر هذا التيار في المناطق التي يسيطر عليها واستطاع عبر الاعتقالات والتصفيات القضاء على أبرز الشرعيين والأمنيين الذين يتبنون هذا الفكر. أنا أميل إلى القول بأن لا مستقبل عسكري لهذا التيار، وإن كانت حججه العقائدية أكثر جذباً لمقاتلي داعش. ولكن هذه الحجج العقائدية الدامية المغرية للشباب المتأثر بأفكار الجماعات الإرهابية حول العالم يمكن أن تشكل الخميرة الأولى لانتقال هذا التيار من طوره الفكري إلى ميادين القتال، خصوصاً وأن تاريخ الجماعات الإرهابية يكشف دائماً عن أن كل جماعة تندثر، تخرج من رحمها جماعة أشدّ تطرفاً، وكل تنظيم يخبو يرثه من هو أشد منه فتكاً. من الإخوان خرجت القطبية ومنها جماعة الجهاد ثم القاعدة ومنها داعش.