أدب

أُسطورة أحمد خالد توفيق- سِرُ العرّاب

دليل غير قراء كاتب الشباب الأشهر لتفسير ما وراء مشهد الجنازة
8.4.18
أُسطورة أحمد خالد توفيق - سِرُ العرّاب

بينما كانت صدمة خبر وفاة الكاتب المصري د. أحمد خالد توفيق، تعصف بجمهور قرائه المُنتمي معظمه إلى جيل الشباب، كانت صدمة أخرى تضرب جيلًا لم يُعاصر كاتب التشويق والرعب الذي غادر قبل أن يُبارح عامه الخامس والخمسين. كيف، ومتى، ولماذا بنى هذا الكاتب الذي لطالما عانى الإهمال النقدي، هذه القاعدة الواسعة بين جمهور الشباب؟.. أي معادلة تلك التي صنعت ظاهرة لم يجد أمامها إعلامي مصري شهير إلا المطالبة بدراستها بحثًا عن مدخل لجيل يصعب مراسه على الدولة الرسمية، فيما ملك ذلك الذي اختار البقاء بعيدًا عن أضواء العاصمة وصخبها، عقولهم قبل قلوبهم، للدرجة التي تحولت معها جنازته إلى ما يشبه مظاهرة شبابية حاشدة لم تتوقف حتى لحظة كتابة هذه السطور!

اعتمدت جميع كتابات توفيق على بطل الضد، أو نقيض البطل (Anti-Hero) الذي لا يمتلك وسامة، وقوة، وحيلة، ودهاء بقية الأبطال

إجابة الأسئلة الصعبة على جيل لم يقرأ أحمد خالد توفيق بالسهولة التي يصعب معها تصديقها؛ فالكاتب الذي اعتاد افتتاح عناوين كتيبات سلسلته الأشهر (ما وراء الطبيعة) بلفظ "أسطورة"، والذي اهتم بالتطرق إلى مناطق غير مألوفه على الأدب العربي، قدم نموذجًا غير تقليدي للبطل، أعاد الاعتبار للضعف الإنساني وأعلاه في مواجهة البطل المثالي، نموذج الكمال الذي يتطابق وحده ووصف "الأسطورة" رغم تسويقه عبر الأدب والسينما الموجهة للشباب، كقاعدة لا تقبل استثناء. على العكس تمامًا اعتمدت جميع كتابات توفيق على بطل الضد، أو نقيض البطل (Anti-Hero) الذي لا يمتلك وسامة، وقوة، وحيلة، ودهاء بقية الأبطال، لكنه في الوقت ذاته بطل حقيقي، قادر أن يصل بكل صفاته البعيدة عن الصورة المُقولبة، إلى الجمهور الرئيس لصناع هذه الصورة النمطية، ويحفر لنفسه مكانًا ومكانة كانا السبب الرئيس في صدمة من لم يعرف الاسم إلا عبر رسائل رثائه التي غزت فضاء الإنترنت.

أبطال "أساطير توفيق" على غرابة عوالمهم، كانوا في النهاية بشر عاديين- وربما أقل- وعاديتهم تلك كانت في الآن نفسه مصدر بطولتهم، بدءًا بالعجوز رفعت إسماعيل، شخصية سلسلته الأولى والأشهر "ماوراء الطبيعة"، الطبيب المسن، هزيل الجسد، متعدد الأمراض الذي "لم يُتهم يومًا بالوسامة" كما وصفه كاتبه في إحدى رواياته، مرورًا بالطبيب الشاب علاء عبد العظيم، الشخصية المحورية لسلسلة "سافاري" طبيب عادي، انتقل من مصر إلى أدغال الكاميرون ليعمل ضمن فريق يُشكل وحدة طبية عاملة بمجاهل القارة السمراء؛ ليجد نفسه وسط أحداث في معظمها أكبر من قدراته، لكنه يحاول التعامل معها، وصولًا إلى عبير عبد الرحمن، بطلة سلسلة "فانتازيا" التي لا تمتلك من حطام الدنيا إلا خيالها الخصب الذي يرسم إطار مغامراتها عبر برنامج حاسوب يُزيل حاجز الواقع، وينقلها إلى قلب الأحداث، لتتفاعل معها بسذاجة فتاة لم تغادر حدود مدينتها، وشغف من قتلتها الرغبة في سبيل ذلك.

قيمة ما قدمه خالد توفيق عبر أبطاله المفتقرين إلى أي من مقومات البطولة هي احترام الضعف الإنساني وإعلاء القدرات البشرية، على نقصانها، فوق نماذج أبطال الكمال المستحيل

ضعف رفعت إسماعيل، وتقليدية علاء عبد العظيم، ومحدودية عبير عبد الرحمن، مصدر بطولتهم التي على ارتباطها بعناوين مثل "ما وراء الطبيعة"، و"سافاري" و"فانتازيا"، أكثر واقعية من بطولات "الأبطال السوبر" في نسختهم العالمية (قصص الكوميكس)، أو المحلية، سلسلة (رجل المستحيل) مثالًا؛ لذلك صدق قراء مؤلفاته المُدّرجة تحت تصنيف رعب/ تشويق/ خيال، أكثر من غيرها، وتفاعلوا معها إلى الدرجة التي دفعت جانب منهم إلى الثورة على كاتبهم المفضل حينما قرر إنهاء أشهر سلاسله بإعلان وفاة بطلها "رفعت إسماعيل"، فيما تقبل آخرون الفكرة وتجمعوا في سرادق عزاء لتأبينه، ليصبح أول شخصية خيالية يودعها القراء في سرادق عزاء حقيقي!

قيمة ما قدمه خالد توفيق عبر أبطاله المفتقرين إلى أي من مقومات البطولة هي احترام الضعف الإنساني وإعلاء القدرات البشرية، على نقصانها، فوق نماذج أبطال الكمال المستحيل. العاديون، أبطال عالم الواقع، حين يملكون قدرة التغيير لا البطل السوبر المنتظر والمُخلّص الذي لم - وربما لن - يجيء، تقدير الذات، والإيمان بفعالية رد الفعل، ولو كان محركه الخوف، وأخيرًا قدرة آحاد الناس، محدودو القدرات وفق تعريف النخب، على التغيير. صدمة جمهور العرّاب برحيله كانت ردة فعل طبيعية على مغادرة من منحهم الأمل دون استئذان، ومن دون بديل يستكمل مسيرته التي بدأت بأولى رواياته التي صدرت عام 1993، وهنا سِرّ العراب الثاني المتمثل في صنعة الكتابة وتفرّد الأسلوب.

إعلان

مزج أسلوب أحمد خالد توفيق بين سلاسة السرد، وغزارة المعلومات، والسخرية المريرة التي تعكس إحباطات الواقع، في إطار قصصي فريد، فشخصيات رواياته تتحدث بلسان حالها دون ادعاء بطولة أو خطب رنانة تتناقض بلاغتها وبساطتهم. بدقة أكثر اختار "توفيق" الأسلوب الأنسب للتعبير عن عوالمه وشخصياته، والأهم أنه كان الأنسب لجمهور قرائه الملول المتمرد، والمتطلع إلى متعة القراءة والمعرفة دون وصاية، لذلك خلع عليه هذا الجمهور لقب "العرّاب" دون غيره، فهو الأكثر تعبيرًا عن الدور الذي لعبه كاتب الشباب، والذي من جانبه حاول التنصل من اللقب مكتفيًا بأمنية شديدة التواضع، لخصها بقوله: "أنا أقوم بتسليتك بأقل تكلفة وأقل قدر من التنازلات، لا أريدك أن تهرب منى، هناك عبارة يقولها (ر. ل. شتاين): أريد أن أكتب على قبري (جعل الأطفال يقرأون)، أما أنا فأريد يُكتب على قبري (جعل الشباب يقرأون)" وهي الأمنية التي حققها قراء "توفيق" بحفر العبارة ذاتها على لوح رخامي يتصدر شاهد قبره الآن.

لا تتوقف سمات أسلوب توفيق عند حد طريقة السرد الجذابة، وإنما تضمنت تنوعًا في القوالب يصعب أن يشعر القارئ معه بتكرار أو ملل، رغم تقديمه مئات الأعمال بين روايات وقصص قصيرة، وحتى مقالات الرأي. دائمًا هناك شخصية مستقلة وفريدة لكل عمل، وتكنيك بناء مختلف، فبعض رواياته تبدأ من حدث محوري يمثل ذروة الأحداث، ينطلق منه بطريقة "فلاش باك" السينمائية ليعيد بناء وتركيب القصة، وبعضها يبدأ بالطريقة التقليدية لكنه يفاجئك مع نهاية كل فصل بتعريف جديد لقالب البناء التقليدي ذاته، وبعضها يمكنك قراءة فصوله وترتيبه أنت وفق رغبتك، مثل روايته "قصة تكملها أنت" التي تشارك كتابتها مع عدة مؤلفين غير محترفين؛ فكتب الفصل الأول ثم ترك لكل منهم كتابة فصل من حيث انتهى سابقه، قبل أن يترك نهايتها للقارئ نفسه ليختار النهاية التي يريد أن يُنهي بها الأحداث.

أسلوب الكتابة المتجدد والتفاعلي أضفى على كتابات د. أحمد خالد توفيق حيوية عابرة لحدود الورق ومداد الطباعة، لتصبح أقرب إلى شرائط ناطقة بالصوت والصورة، على الرغم من عدم اكتمال حلمه بانتقال أعماله من الورق إلى الشاشة في حياته، لكنه كما يبدو توقع ذلك، كما توقع تاريخ وفاته ووقت تشييع جنازته في أحد مقالاته، فاستعاض بتجسيد شخوص وأحداث رواياته على الورق بأسلوب سينمائي، عززه بتشبيهات غير مألوفة، أو مقاطع من أغان تمتزج بالمشاهد أو تتردد في خلفيتها، وتضيف بعدًا جديدًا إلى حيز الكلمات ثنائي الأبعاد، وكأنما اختار الاعتماد على سينماه الخاصة، بعيدًا عن حسابات السوق التي كانت وراء تأخر تحويل أعماله إلى أفلام سينمائية رغم الإعلان عن خطوات جدية في هذا الاتجاه لذلك أكثر من مرة.

المعلومات والحقائق العلمية أحد أبرز أبطال أعمال كاتب الشباب، ربما لأسباب تتعلق بخلفيته العلمية كطبيب وأستاذ جامعي، أو لحرصه على مزج متعة القراءة المعرفة

الجمل الاعتراضية التي يُعد اللجوء إليها دلالة على ضعف الأسلوب وعدم قدرة الكاتب التعبير عن أفكاره بسلاسة واسترسال كان لها استخدام آخر في كتابات "توفيق" إذ اعتاد استخدامها كحيلة لكسر الملل والسخرية من جمود القواعد، للدرجة التي استخدم معها في إحدى المرات جملة اعتراضية داخل جملة اعتراضية بطريقة غير مألوفة، وكأنه يُعلن رفض القواعد المتعارف عليه لمجرد أن آخرين قرروا إرسائها، فيما يمكن إثبات عدم صحتها كما فعل مرارًا وتكرارًا ببساطة شديدة.

المعلومات والحقائق العلمية أحد أبرز أبطال أعمال كاتب الشباب الراحل، إلى جانب شخوصها المحوريين، ربما لأسباب تتعلق بخلفيته العلمية كطبيب وأستاذ جامعي، أو لحرصه على مزج متعة القراءة والمعرفة، والإحالة إلى مصادر المعلومات، فضلًا عن الإشارة عن أعمال أدبية لكتاب آخرين من جنسيات وثقافات مختلفة، لذلك اعتاد جانب كبير من قرائه على جمع المعلومات التي تتضمنها حواشي وهوامش كتاباته، فيما يشبه موسوعات علمية مُصغرة يرجعون إليها، خاصة وأن ذلك سبق ظهور وانتشار محركات البحث عبر الإنترنت بشكلها الحالي، لذلك لم يكن من المُستغرب أن يتحدث أكثر من طبيب عن اجتيازهم امتحانات شفوية وتحريرية خلال دراستهم استنادًا إلى معلومات استقوها من روايات د. أحمد خالد توفيق، وتسبب بعضها في إثارة دهشة أساتذتهم أنفسهم.

أما أهم سمات أسلوب د. أحمد خالد توفيق فهو ما وصفه شخصيًا بأسلوب "كشف الصنعة" الذي اعتاد استخدامه، بالحديث عن حيل السرد التي يعتمد عليها الكتاب لحبك الأحداث وإحكامها، كثيرون يستخدمونها بحرفية، لكن توفيق الوحيد الذي يستخدمها ثم يكشفها لقرائه - ببساطة - في معرض سرده للأحداث، كساحر محترف يحيك خدعة ببراعة شديدة، ثم يكشفها لجمهوره طوعًا، وبسماحة نفس معلم لا يبخل بعلمه على تلاميذه، لذلك لم يكن من المستغرب أن يخرج من بين قرائه العشرات من كتاب الروايات، والسيناريو، والصحفيين - بينهم كاتب المقال - دون أن يخجل أيهم من الإعلان عن أنه نشأ على كتاباته.

سر تأثير الراحل لم يكن سرًا في الواقع، كشف هو في حياته عن جانبه الأكبر عن طريقة هوايته التي اعتاد وصفها بـ"كشف الصنعة"، وتكفل جمهوره بكشف النذر اليسير المتبقي في تدوينات رثائه، بجانب تفاصيل أخرى لا يمكن للمقال أن يتسع لذكرها، شكّلت جميعًا ملامح أسطورة يُمكن عنونتها - دون مبالغة: "أُسطورة أحمد خالد توفيق".

WaelMamdooh