إعلان
رأي

إمام الدعاة.. تساؤلات حول صورة الشعراوي التي قدستها الجموع

المعضلة في مقولات الشيخ الشعراوي أنها تحمل تناقضات واضحة لمن يمنح لعقله مساحة التساؤل والتفكير

إعداد أحمد إيمان زكريا
2019 11 13, 8:11am

حكاية غير استثنائية، بعد انتهاء صلاة الجمعة، في الساعة الثالثة عصرًا تقريبًا.. تلتف عائلتي أما تليفزيون الدولة الرسمي، القناة الأولى، لحضور برنامج "الدين والحياة" الذي كان يقدمه الشيخ المصري المحبوب محمد متولي الشعراوي خلال التسعينات. الشعراوي هو أحد أئمة السنة المشاهير في مصر، والذي ذاع صيته في العالم العربي والإسلامي. وقد ظهر الشعراوي على شاشة التليفزيون المصري من خلال برنامج "نور على نور" مع المذيع أحمد فراج خلال النصف الثاني من القرن العشرين.

شعبية الشيخ الشعراوي تعود لظهوره من خلال الشاشة الصغيرة التي كانت قد وصلت لكثير من البيوت المصرية، كما أن لغته كانت تجمع ما بين البساطة وخفة الظل في كثير من الأحيان، واستخدام اللهجة العامية المصرية في شرحه وتفسيره للدين، مما جعل وصوله للقواعد الشعبية في مصر سهلًا، وذلك على عكس كثير من العلماء الذين كانوا يستخدمون لغة تبدو غير سلسة.

علاقتي بالشعراوي كانت مرتبطة بحب والدي له. أتذكر في إحدى حلقات برنامجه، قال الشيخ الراحل جملة ما، فسألت أبي بصوت طفولي مرتفع عن معنى الجملة، فنهرني أبي بسبب هذه المقاطعة التي ستمنعه من الإنصات لحديث الشيخ. شعرتُ بحزن شديد وقتها، ليس من والدي، ولكن من إمام الدعاة الذي كان سببًا في غضب أبي مني. مرت على هذه الواقعة عقود، وظل أبي ـ رحمه الله - محافظًا على مشاهدة أي حلقة للشيخ الشعراوي في أي قناة تلفزيونية. ظل محافـظًا على نفس الإنصات ونفس الدرجة من الرغبة في الاستزادة من علم الإمام الغزير. جلوسي مع الأسرة وقتها، وأنا في سن لا يتخطى الثامنة، كان سببه أن أبي يحب الرجل بشدة ومشاهدته كانت فرضًا أسبوعيًا، إلا أنني دوماً كنت انتظر نهاية الحلقة لأتمكن من مشاهدة فيلم عربي أو كرتون أطفال.

حكايتي مع الشيخ الشعراوي أخذت مسلكًا دراميًا عندما ظهر على الشاشة مسلسل "إمام الدعاة" من بطولة الفنان حسن يوسف والذي يحكي قصة حياة الشعراوي. فقد كان للعمل التليفزيوني أثر شديد على نفسي. فبدأت أحب الرجل بسبب الأحداث الدرامية في حياته، ومشهد تنظيفه لأحد المراحيض العامة عندما شعر بأن قدرًا من الغرور قد سري إلى قلبه. لم أشعر يومًا أنني اقتربت من الرجل العَلَّامة لأنني أرغب في فهم مايقول على مستوى الدين، لكنني شعرت بالقرب منه على مستوى الرحلة والتجربة الإنسانية التي جسدتها الدراما. كنتُ أحب الشيخ الشعراوي في صورة حسن يوسف.

لماذا إذًا هُزم المسلمون يوم أُحد؟ وسقطت ممالك حكمها الإسلام أمام الصليبين والتتار وغيرهم؟ ألم يكونوا قومًا مسلمين؟ أم أن الشيوعية قد قضت مضاجع الخلافة وقتها؟

استدعائي لهذه المواقف يأتي في ظل الجدل المحتدم حول الشيخ الشعراوي خاصة بعد ما نشرته مقدمة البرامج المصرية أسما شريف منير خلال الأيام الماضية ووصفها الشعراوي أنه متطرف في آرائه. تحول الأمر بعدها إلى حرب لفظية على وسائل التواصل الاجتماعي، ما بين من يراه رجل دين متطرف وبين من يضعه في رتبة قدس الأقداس. أتذكر في هذه اللحظة موقف شهير حكاه إمام الدعاة شخصيـًا عندما سجد لله شكرًا بعد هزيمة مصر في حرب 1967 حيث قال " فرحت لأننا لم ننتصر ونحن في أحضان الشيوعية، لأننا لو نُصرنا ونحن في أحضان الشيوعية لأصبنا بفتنة في ديننا، فربنا نزهنا." وأضاف أنه سجد شاكرًا بعد انتصار حرب أكتوبر "لأننا انتصرنا ونحن بعيد عن الشيوعية، وأنها اُستهلت بالله أكبر."

الحديث حول هذه التصريحات قد يستمر لساعات في محاولة تفكيك حديث الشيخ الشعراوي، الذي نظر لمسألة الانتصار والهزيمة بشكل يبتعد كل البعد عن التخطيط العسكري أو الرؤية الواقعية، ونظر إليها فقط من ناحية بلاء الشيوعية الكافرة. نعم، الشعراوي لم يكن خبيرًا عسكريًا، لكنه لم يكن كذلك متخصصًا في الدراسات والأفكار الشيوعية ليربط أن الانتصار والهزيمة مرتبط بالشيوعية.. فلماذا إذًا هُزم المسلمون يوم أُحد؟ وسقطت ممالك حكمها الإسلام أمام الصليبين والتتار وغيرهم؟ ألم يكونوا قومًا مسلمين؟ أم أن الشيوعية قد قضت مضاجع الخلافة وقتها؟

الاقتراب من آراء/فتاوى الشيخ الشعراوي مثل الدخول لحقول الألغام، ليس لأن آراءه متطرفة كما ادعى البعض في ظني، ولكن بسبب الصورة المحفورة في أذهان الجماهير عن الرجل، الذي -ربما- لم يكن يرى نفسه في هذه المكانة التقديسية. حاولت الاقتراب من كتابه " الفتاوى.. كل مايهم المسلم في حياته ويومه وغده" الذي يقدم فيه المئات من الآراء/الفتاوى لمن يريد الاسترشاد في حياته المعاصرة. وطرحت آراء الشيخ تساؤلات عديدة أود مشاركتها معكم/ن.

ختان الإناث
رأى الشعراوي أن يقام الختان للرجل، والخفاض للمرأة، والخفاض هنا يعني أخذ الأمر الزائد دون إنهاك، وإن لم يكن ثمة زائد فلا داعي. والختان للرجل هنا يعني إزالة الجزء الزائد في العضو التناسلي، أما بالنسبة للخفاض فهو ليس الختان، بمعنى أنه لا تزال الأجزاء التي يعتبرها البعض أسبابـًا لإثارة المرأة جنسيـًا، بل فقط تقليلها من خلال أخذ ما يزيد. بعيداً عن تجريم مسألة الختان حاليـًا في القانون المصري، فقد اختلف حولها الفقهاء، فمنهم من رفض الختان كلية، ومنهم من أنكر الخفاض، ومنهم من اعتبره سنة للرجال ومكرمة للنساء. إذًا فالأمر محل خلاف ولا يوجد إجماع بين الفقهاء، لماذا اعتبر الإمام الشعراوي الخفاض مباحًا؟ ومن يحدد أن هذا الجزء زائدًا في جسد المرأة؟ أليس هذا الأمر تشويهـًا لخلق الله؟

المرأة ناقصة عقل
يأتي إلى جانب الفتوى السابقة، المقولة الأكثر انتشارًا بين علماء الدين، المرأة ناقصة عقل، إذ يرى الشعراوي أنها "تتميز بالعاطفة، لأنها معرضة لحمل الجنين، واحتضان الوليد، الذي لا يستطيع أن يعبر عن حاجاته، فالصفة والملكة الغالبة في المرأة هي العاطفة، وهذا يفسد الرأي. ولأن عاطفة المرأة أقوى، فإنها تحكم على الأشياء متأثرة بعاطفتها الطبيعية وهذا أمر مطلوب لمهمة المرأة."

لا أخفيكم سرًا، فهذه الفتوى أكثر فتاوى الإمام ذكورية بالنسبة لي، فالرجل ردد نفس العبارات التي ورَّثها لنا الفكر الذكوري السلطوي لسنوات، فالمرأة طوال الوقت بالنسبة للذكور غير قادرة على الحكم على الأشياء لأنها تعتمد على عاطفتها، ولكن ماذا عن زوجات الرسول ونساء آل البيت، هل كُن ناقصات عقل؟ ولو كُن كذلك فلماذا لُقبت السيدة نفيسة بنفيسة العلم؟ ولماذا درسوا لنا أسماء نساء عظيمات في التاريخ الإسلامي كان لهن مواقف تنم عن تفكير في قمة النضج والحكمة؟ هل التاريخ أكذوبة أم فتوى الشيخ الشعراوي فيها تنميط؟

الرأي التالي -ولا أدري لماذا تم التعامل معه على أنه فتوى- يهدم منطق الفقرة السابقة، حيث تتعلق بجهاد المرأة في سبيل الله، فقد أوضح الإمام أن الرسول "ما كان بغزوة إلا ومعه نساء، السيدة أمية بنت قيس بن أبي الصلت الغفارية أبلت بلاء عظيمـًا يوم خيبر، وبعد ذلك قلدها رسول الله قلادة ظلت تلبسها طوال حياتها." كيف يمكن لامرأة تملك عاطفة جياشة تؤثر على عقلها أن تبلي بلاءً عظيمًا يوم الحرب؟ أم أنها امرأة خارقة تختلف عن باقي نساء العالمين؟

هناك مشكلة أساسية في فهم النفس البشرية من جهة، ومن أخلاقية تبربر العنف باستخدام الدين تجاه أي شخص من جهة أخرى

كما أجاز الشعراوي ضرب الزوجة في الإسلام، فقال "أأنا أحن عليه ممن خلقه؟ لابد أن نعلم أنه في حاجات ماتجيش إلا بالضرب، بس الضرب ده مايكونش كسر." فسأله المذيع: وماهي حدوده؟ فقال الشعراوي "حدوده إنه أمر محتمل، إنه مايعملش لها تشويه." تشويه؟ الشعراوي بفتواه حلل استخدام العنف ضد المرأة، واستخدم الدين لجعل سيطرة الرجل على المرأة مقبولاً، وهو شيء خطير لا تزال تعاني منه المجتمعات العربية، فعلى الرغم من وجود قوانين ضد التعنيف، إلا أن المجتمع لا يزال يبارك هذه التصرفات وكأنها من قلب الدين .. ألم يخلق الله الناس سواسية، أم أن الناس هنا معناها الرجال فقط؟ فتوى الشيخ بهذا الشكل تعتبر أن الضرب ليس عُنفـًا، كما أنها تتعامل مع العنف النفسي على أنه شيء غير موجود وليس له تأثير. وهو أمر من الصعب التغاضي عنه، فهناك مشكلة أساسية في فهم النفس البشرية من جهة، وفي أخلاقية تبربر العنف باستخدام الدين تجاه أي شخص من جهة أخرى.

التبرع بالأعضاء
رأي جديد قدمه الإمام حول أعضاء الإنسان وجسده فقال: "ذات الإنسان وأبعاض الإنسان خُلقت لله وجُعلت من الله، وتظل مملوكة لله… أما الذين يدَّعون العاطفة الإنسانية..هيموت لو ماتركبتلوش كلية، نقول له: يا أخي وهل تمنع الموت وكليته معه؟ مابتمنعش يا أخي، سيب المسائل كده وتأدب مع الله." هذا الرأي يذكرني بالآية "مَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا"، ماذا لو أردت أن أتبرع بعضو من أعضائي التي ستتحلل بعد موتي لشخص قد يصبح في صحة أفضل؟ وبما أن الله خلقنا وجعلنا وملك أجسادنا، لماذا أعطانا العقل لنفكر ونقرر؟ من منطلق ديني بحت، لقد رد الشيخ محمد سيد طنطاوي، شيخ الأزهر الراحل على منطق الشيخ الشعراوي. فقد اعتبر طنطاوي أن التبرع بالأعضاء يأتي في إطار الصدقة الجارية مما يحمي المريض المُتبرَع إليه من الوقوع فريسة للمرض أو الموت. لا أعلم كيف سيكون موقف الشيخ الشعراوي لو كان بيننا اليوم ورأى التحول الكبير في دول العالم وإقرار منظمة الصحة العالمية بزراعة الأعضاء وأهميتها. فقد انتشرت زراعة الكُلى مثلًآ في 91 دولة حول العالم عام 2008 كما أقرتها دول عربية وإسلامية واعتبرتها أمرًا جيدًا للصالح العام.

موقفه من السلام مع إسرائيل أو ارتباطه بالسياسة
على الرغم من أن البعض اعتبر الإمام أحد أذرع الإخوان المسلمين في مصر، إلا أنه كان أيضاً مقرباً من السلطة. فقد وصف الشعراوي السادات بأنه "رجل لا يُسأل عما يفعل" بعد عودته من القدس سنة 1977 في دلالة للتنزيه. لقد نصب الإمام نفسه وسيطـًا كهنوتيـًا بين رئيس الدولة والله، بدلًا من الدعوة للجهاد ضد العدو مغتصب الأرض أو حتى نصح الرئيس بعدم توقيع الاتفاقية أو أضعف الإيمان الصمت والابتعاد عن الأمر برمته.

الشيخ الشعراوي في أحد مراحل حياته تولى منصبـًا سياسيـًا، حيث كان وزيرًا للأوقاف وشؤون الأزهر عام 1976 في عهد الرئيس المؤمن، ومؤسس دولة العلم والإيمان، الرئيس السادات. ولفهم المواقف الاجتماعية/السياسية التي تبناها الشيخ الشعراوي في هذه المرحلة، فمن الجيد أن نفهم أن الإمام كان يتبع طريقة غير صدامية مع الساسة، وذلك على عكس إمام آخر معاصر حينها، وهو الشيخ عبد الحميد كشك الذي كان صداميـًا مع السلطة في فترة ناصر والسادات.

الرؤى التوافقية التي قدمها الشعراوي جعلته مقبولًا لدى السلطة، إضافة إلى أن فترة السبعينات كانت تعج بتيارات تميل للتطرف الديني مثل الجماعات الجهادية أو تيارات التطرف اللاديني مثل التيار الشيوعي. التياران كانا مرفوضين بالنسبة لرئيس رسم لنفسه صورة الرجل الورع الوسطي، لذا كان الشعراوي اختيارًا ذكيـًا يخاطب ملايين المصريين الذي لا يرغبون في تثوير حياتهم أو خروجها عن المألوف.

صورة الإمام الهادئ البسيط أمام الجماهير حاكت ثوبًا من القداسة ربما لم يطلبه الشعراوي من جمهوره

الرؤى التوافقية التي قدمها الشعراوي جعلته مقبولًا لدى السلطة، إضافة إلى أن فترة السبعينات كانت تعج بتيارات تميل للتطرف الديني مثل الجماعات الجهادية أو تيارات التطرف اللاديني مثل التيار الشيوعي. التياران كانا مرفوضين بالنسبة لرئيس رسم لنفسه صورة الرجل الورع الوسطي، لذا كان الشعراوي اختيارًا ذكيـًا يخاطب ملايين المصريين الذي لا يرغبون في تثوير حياتهم أو خروجها عن المألوف. يروي أندرو هاموند في كتابه الثقافة الشعبية في العالم العربي.. الإعلام والفنون والحياة موقفـًا يوضح شكل علاقة السادات بالإمام، فيقول "لقد أرسل السادات الشعراوي للسعودية من أجل إقناع النظام الثري لتمويل حربه القادمة (1973)، معللًا أن هذه الحرب سوف تقوم بها دولة أعادت اكتشاف إيمانها بعد السنوات اللاربانية في عهد ناصر." هذه المقولة بطبيعة الحال تخدم أهداف الإمام الذي يرفض الشيوعية التي روج لها عبد الناصر، كذلك تصدير الشيخ أنه وجه النظام الجديد "المؤمن والسني" يفيد السادات على المستوى السياسي في علاقته مع نظام النفط السعودي.

كل الآراء/الفتاوى السابقة كانت مجالًا للحديث مع صديقة استوقفتني وقالت "هل هذه آراؤه أم فتاويه؟" سؤال جوهري، يفتح مجالًا لسؤال آخر، أهناك فرق؟ في اللغة، الفتوى تعني ما يُفتي به المفتي أو العالم بعلوم الدين وفي قضايا الشرع ليبين الحكم الصحيح. أما الرأي فهو الاعتقاد والعقل والتدبير والنظر والتأمل، والرأي عند الأصوليين هو استنباط الأحكام الشرعية في ضوء قواعد مقررة.

سواء كان رأيـًا أو فتوى فالمعضلة في مقولات الشيخ الشعراوي أنها تحمل تناقضات واضحة لمن يمنح لعقله مساحة التساؤل والتفكير، فكيف نتحدث عن قبول منطق ضرب المرأة، لكن لا يكون فيه تشويه؟ تناقضات لا مشكلة في حدوثها طالما نعيد التساؤل ونحاول تغيير الأفكار وتطويرها بما يتماشى مع مجريات العصر والعقل، إلا أن صورة الإمام الهادئ البسيط أمام الجماهير حاكت ثوبًا من القداسة ربما لم يطلبه الشعراوي من جمهوره. فبعد رحيله بأكثر من عقدين من الزمان لم يتزحزح هذا الثوب عن صورة صاحبه. فهوس التقديس هو آفة حارتنا التي تهوى صناعة الرموز وتحنيطها.

Tagged:
مصر
السعودية مصر
جدل
حريات
الاسلام
حرية الاعتقاد