مرأة


مرأة

كلّ تلك القذارة التي تعلّمتها عن نفسي

كلّ فترات حياتي عموماً، كنت أتعرّض لاضطهاد معنوي، لكي أخسر الوزن
7.3.19

لم أفقد الصواب بالكامل كي أشارك بـ"بتحدّي العشر سنوات." ما هذا الهبل! أكتفي بالتلصّص على صور الآخرين، بفضول واشتهاء. لستُ أفضل من أحد على هذه الشبكة. صور "قبل وبعد" تثير حشريتي، وتزعجني في الوقت ذاته. ألعن الهستيريا الجماعية، وأتحفّز بالقدر ذاته على المشاركة فيها، وإن لم أبلغ دوماً مرحلة التنفيذ. أحبّ بشكل خاص أن أتفرّج على تحوّلات الأجساد، خصوصاً قبل "خسارة الوزن وبعدها" وأحلم بأن أصير يوماً ما، تلك المرأة ممسوحة البطن، مشدودة الأفخاذ، في صور "الما بعد."

إعلان

التهمني دافع المشاركة بالتحدّي، ففتحت ألبوماً قديماً. أكيد، كما أشرتُ آنفاً، لستُ حمقاء لدرجة نشر صورة قديمة لي، بجانب صورة جديدة. التحلّي بالحذر واجب. التعقّل مهمّ. لم ينسَ الانترنت بعد نوباتي على فلاتر سنابشات. لا أعرف كيف استعدتُ إدراكي لشكل وجهي من دون أذنيّ القطّة، وأنف السنجاب، وقرون الغزال. سأفتح الألبوم فقط لأتفرّج، لأعيد ترتيب المراحل، لأستعيد ما كنتُ عليه قبل سنوات، حين كنّا نطبع الصور، ونحتفظ بها.

الدبدوبة في الأرجوحة
أفتح كتاب الصور على صفحة عشوائيّة، وأوّل ما تقع عليه عيناي صورة لمراهقة. جينز فاتح، وتيشرت أصفر، وحذاء رياضيّ، وأرجوحة. لحظة هذه أنا؟ مستحيل. الأرجوحة القماشية تتسع لي، تحملني؟ كيف؟ وغصن السنديانة لم ينكسر بي؟ غريب! كنت في السابعة عشرة ربما، خلال رحلة في الطبيعة مع صديقاتي.

أتذكّر جيّداً، أنّي في تلك الفترة من حياتي-ككلّ فترات حياتي عموماً-كنت أتعرّض لاضطهاد معنوي، لكي أخسر الوزن. أتذكّر جيّداً الانهيارات النفسية السابقة لشراء ذلك الجينز، والبحث عن مقاس يناسبني. أتذكّر انهيارات اختيار ذلك التيشرت، كي يخفي البطن "الكبير." أتذكّر جيّداً أنّي كنت أشعر بالعار حتى وأنا أسير في الحقل بين الصخور والأشجار، ولا عيون غريبة تترصّدني.

ألتقط صورة للصورة بواسطة هاتفي، وأرسلها إلى أختي. يأتيني التأكيد: "كنتِ أنحف من الآن بكثير!" مستحيل. أتذكّر أنّي كنت بدينة. لم أكن إلا "البدينة" كلّ يوم في حياتي، حين كنت في الخامسة، وحين كنت في العاشرة، وحين كنت في الخامسة عشر، وفي العشرين، وفي الخامسة والعشرين، والآن في الثالثة والثلاثين. ألصق الصورة القديمة بجانب صورة حديثة لي، التقُطت الصيف الماضي، وألاحظ الفرق: يا للهول، حقّاً كان حجمي حرفيّاً نصف حجمي الآن.

1551592778925-before-after-1

حكاية انتفاخ
أنظر إلى شكلي في الأرجوحة، وأستعيد شريط السنوات في ثوانٍ: الحميات الناجحة والفاشلة، التنمّر، الأدوية، الاضطهاد النفسي المتواصل، الوزن المفقود ثمّ المستعاد ثمّ المفقود فالمستعاد أضعافاً، رأي كلّ أفراد العائلة وكلّ أهل الضيعة وكلّ الناس في الشارع بجسمي، الجراحة، العلاج النفسيّ، السخرية، حماس الرقص والرياضة ثمّ خفوته، الملابس التي لا أجرؤ على شرائها، سراويلي الممزقة والخيط والإبرة دوماً في حقيبة اليد، إبر التنحيف، نصائح غلي الكمون والزنجبيل من سائقي سيارات الأجرة وركابها، الأطباء وخبراء التغذية اليائسون، حفلات الزفاف التي لم أدع إليها لحرجٍ ما، حلقة الاستهزاء والعار المفرغة، وكلّ ذلك الغضب الكامن…

الأمر مضحك لأنّي مُطالبة منذ كنت في العاشرة من عمري، ألّا أكون بدينة، ولأنّي كنتُ أحاول. أزمة وزني من مصائب العائلة الكبرى. الأمر مضحك لأنّي أتذكّر من كانوا يدلّون فتياتٍ في مثل سنّي عليّ، كأمثولة حيّة، لإقناعهنّ بأكل نصف المنقوشة فقط. هاهاها. الأمر مضحك لأنّ كلام الآخرين، الساخرون من شكلي والقلقون على صحّتي على حدّ سواء، لم يحقّق أيّ نتيجة، على العكس. يا له من فشل ذريع لمفهوم التحفيز والنصيحة. هم يحكون، وأنا أنتفخ. هم يُفتُون، ويأملُون، وينصحُون، ويحاولُون، وأنا أستجيب، وأحاول، وأمتثل، وأكره نفسي، وأغضب، وأحقُد، وأكبُت، وأتضخّم، وأكبر، وأكبر، أكبر.

إعلان

كلّ النوايا الطيبة، كلّ محاولات المساعدة، كلّ ذلك الإقصاء والتعيير، كلّه استحال هباءً منثوراً. لم أنحف. سمنت. تضاعفت مساحتي في الفضاء. الفكرة تضحكني، بقدر ما تغضبني. هل حقّاً أمضيت كلّ تلك السنوات أحاول احتواء مشكلة لم تكن بتلك الضخامة في الأصل؟ أقدّر أنّ الفرق بين الصورتين أكثر من ستين كيلوغرام. يا إلهي! وزن إنسان كامل! لم أكن بدينة، بالمعنى الطبّي، ولكنّي أصبحت كذلك.

هل اكتسبت كلّ ذلك الوزن كآلية دفاع؟ أن ألفّ جسمي بدرع، لحمايته من العيون، والآراء، والنصائح، والأذى؟ أم أنّه عارض آخر لما نتشرّبه نحن النساء من كراهيّة لأنفسنا

ثورات صغيرة
لا أعرف امرأة لم تتعرّض للتعيير بسبب وزنها. قليلات المتصالحات مع أجسادهنّ في دائرة معارفي. شاهدت على مرّ السنوات صديقات يندرج وزنهنّ ضمن المعايير المقبولة، يخضعن لحمية، وحتى النحيفات منهنّ، كنّ مهووسات بأوزانهنّ. شاهدت نساءً يفقدن الكثير من الوزن ما أن يدخلن في علاقة عاطفيّة. كأنّه شرط. ورأيت زيجات تقترب من الفشل بسبب زيادة وزن الزوجة. تستغربون؟ لماذا؟ هذا الواقع. هذه قصص حقيقيّة. التستّر عليها مجرّد نفاق.

في كتابها "أسطورة الجمال: كيف تستخدم صور الجمال ضد النساء" (2002)، تقول ناوومي وولف: إنّ ثقافة تركّز اهتمامها على نحافة الأنثى، لا تعني هوساً بجمال الأنثى، بل هوساً برضوخها. الحميات الغذائيّة أكثر المسكنات السياسيّة فعاليّة في تاريخ النساء. إذ أنّ جماعة تجنّ بصمت، هي جماعة سهلة التطويع." خلال إحدى جولات العلاج النفسي، قال لي المعالج إنّ الوزن الذي اكتسبته طيلة حياتي، قد يكون وسيلة عقلي الباطن كي يتمرّد على فكرة الأنوثة التقليديّة، على الطاعة، على دوري المتوقّع. أتمنّى أن يكون على حقّ، وأن يكون هناك معنىً سامياً ما لكلّ هذا "النضال." هل اكتسبت كلّ ذلك الوزن كآلية دفاع؟ أن ألفّ جسمي بدرع، لحمايته من العيون، والآراء، والنصائح، والأذى؟ أم أنّه عارض آخر لما نتشرّبه نحن النساء من كراهيّة لأنفسنا، كردّ فعل طبيعيّ تحفّزه فينا غريزة البقاء، للصمود في وجه الذكور الألفا المسيطرة؟ لستُ أدري.

1551779284483-03

وصفة الجنون
هناك أشياء لا تقال لنا صراحةً، بل تزرع في أدمغتنا، تنمو، تتمدّد، وتفتَعِل بنا. من تلك الأشياء أساسيّات تحدّد علاقة كلّ امرأة بجسدها. كي تتحقّق ككائن مكتمل، عليها أن تكون صالحةً للنظر، أوّلاً، وقبل أيّ شيء آخر. عليها أن تحرص ألا يكون في شكلها ما يُشعر الناس بالاعتداء، بالنفور، باللا-مألوف. عليها أن تنتبه ليكون كلّ تفصيل في جسمها، في مشيتها، في كلامها، في تفكيرها، مهيئاً لتنال الرضا، والقبول، لكي تمنح الإذن بالوجود. لكن، في الوقت عينه، عليها أن تقتصد في التعبير عن جنسانيّتها، أن تقمعها قدر المستطاع، ربما كي لا تخيف الذكور، ولا تعتدي على نطاق صلاحياتهم، وكي لا تفقد "الاحترام." عليها أن تكون بهلوانةً متمرّسة، أن تمشي على الحبلين، أن تكون المشتهاة والمحرّمة في آن. أيّ خطوة ناقصة، تنزلها سلّماً على المقياس الذي يفرز النساء إلى طبقاتٍ، وفقاً لمدى امتثالهنّ. أيّ وصفة للجنون هذه؟

نحنُ البدناء، "سود" أيضاً، إن أردنا اعتماد تفسير فرانز فانون للسواد. هذا العالم يعاركنا ويعتدي، وأوّل الخسائر وأكبرها، ذلك العطب الذي يطال فهمنا لأنفسنا ولمكانتنا فيه

في تحقيق مطوّل بعنوان "كلّ ما تعرفونه عن البدانة غلط" نشر في "هاف بوست" يشير الصحافي مايكل هوبس إلى دراسة نشرت العام 2015، تربط بين وصمة العار المرتبطة بالبدانة، واكتساب المزيد من الوزن. يشرح أنّ التمييز السلبي تجاه البدناء يعرّضهم للتوتّر بشكل دائم، ما يرفع من منسوب هرمون الكورتيزول الذي يحفّز الشهيّة، ويخفّف من همّة ممارسة الرياضة، ويزيد حتى من القدرة على استطعام مذاق الأكل. يشير التحقيق إلى دراسة أخرى، أجريت العام 2005، وبيّنت أنّ البدناء، يصفون البدناء الآخرين بعبارات من نوع "شره، وسخ، بليد."

يكتب جيمس بالدوين: "استغرقني الأمر سنوات كثيرة لأتقيّأ كلّ القذارة التي تعلّمتها عن نفسي، وصدّقتها جزئيّاً، قبل أن أتمكّن من المشي على الأرض كأنّه يحقّ لي بأن أكون هنا." ما يقوله الكاتب الأميركي جاء في سياق تحليله للتمييز العرقي، ومع ذلك فإنّه يمسّني في الصميم، مع اختلاف السياقات السياسيّة، واختلاف أشكال التمييز، رغم تقاطعها. نحنُ البدناء، "سود" أيضاً، إن أردنا اعتماد تفسير فرانز فانون للسواد. هذا العالم يعاركنا ويعتدي، وأوّل الخسائر وأكبرها، ذلك العطب الذي يطال فهمنا لأنفسنا ولمكانتنا فيه.

إعلان

الذات فوبيا
أحكي عن هذا الجسد أكثر بكثير ممّا أحسّ به، وأكثر بكثير ممّا أفهمه. كلّ ما أحكيه عن جسدي محاولة طويلة وفاشلة لتسكين عار العيش فيه. أعيش في رأسي فقط، وكلّ الباقي، من رقبتي نحو الأسفل، سراب. أن أنفي جسمي وسيلة نجاة وغريزة بقاء أيضاً؟ لستُ أدري. لا أستطيع تقدير المساحة التي أحتلّها في الفضاء. استحدثتُ "خدعة ذهنيّة" بفعل متابعتي لعدد من عارضات المقاس الكبير على إنستغرام. يصعب عليّ بجهودٍ ذاتية، إدراك الفرق بين حجمي وحجمهنّ. أطلب من شقيقتَيّ أن تلقيا نظرة على صورهنّ وتُقيّماها بعين محايدة. تخبرانني أنّ جسمي مثل هذه، وليس مثل تلك. بفعل هذا التمرين، بدأت أكوّن صورة تقريبيّة لشكل قدميّ، وبطني، وذراعيّ، وصدري. كولاج من عدّة نساء أخريات.

في المرآة، لا أفهم شكلي. إن عبرت أمام مرآة المغسلة في الليل، أرى وجه جدّتي الراحلة في الجهة المقابلة. في ليالي الأرق الحادّة، تنتقي ذاكرتي، بوتيرة قهريّة، مشاهد من تسجيلات فيديو قديمة، في مناسبات أو حفلات. حركة اليدين والرأس والمشية تزعجانني. إنسانة غليظة وكريهة. هكذا أراني. ضيقٌ دموعٌ وعرقٌ بارد. هذه ليست أنا، ولا أعرف من تكون، وإن كانت أنا، فعليّ أن أتوقّف عن لوم الآخرين إن سخروا منّي. تطفر كلّ فوبيا البدانة الكامنة في أحشائي إلى الخارج. تلك الفوبيا التي يحاول عقلي الواعي قمعها، وينظِّر لرفضها بطلاقة، لكنّه حين يستفرد بي وحيدةً، يفلتها عليّ لتنهشني.

في ذلك القاع حيث تولد المنامات، وحيث لا مكان لنختبئ من حقيقتنا المجرّدة، الكثير من الذات فوبيا

تعطيني صور تيس هوليداي وزميلاتها، بكلّ تلك الفساتين الجميلة التي لن أرتدي مثلها أبداً، القوّة. التصالح مع الجسد معدٍ، ولو افتراضيّاً. أحبّ ما تمثّلنه، أعني عقلي الواعي يعي أنّه يحبّ ذلك، يتماهى معه، ويفهم جرأة ما تقدمن عليه، ويفسّر صورهنّ كتحدٍّ، كثورة، كانتقام نسويّ جارف؛ حتى أنّي أمنطقُ إيجابيّات اعتراف صناعة الموضة الخجول بالبدينات وسلبيات ذلك، وأتلمّس الخيطان الرفيعة بين التشييء والتمكين، بين استعادة كرامة الأجساد المهمّشة والمقموعة، وبين مزاحمة تزعجني على لقب "الأجمل". لله درّي، ذلك لساني يتفاصح. في الباطن، في ذلك القاع حيث تولد المنامات، وحيث لا مكان لنختبئ من حقيقتنا المجرّدة، الكثير من الذات فوبيا.

1551779304083-02

ساحرة المحيط
أعود إلى "تحدّي العشر سنوات." قبل عقد من الزمن، هجَستُ بفيلم "الحوريّة الصغيرة" وبأغنية آرييل "جزء من عالمك." لا أصدّق أنّ الأمر بلغ بي حينها حدّ وضع رسم حوريّة "ديزني" الصغيرة، كصورة شخصيّة على فيسبوك. لم أكن حوريّة، ولا صغيرة البتة. الآن، لا تعنيني تلك الحمقاء ذات الشعر الأحمر. أحبّ أورسولا، الساحرة الأخطبوط، عدوّتها البنفسجيّة المخادعة والجلفة. أملأ صفحتي على تويتر بجيفات أورسولا، وأتأنّى بانتقاء إجاباتي على اختبارات "أي شريرة من أفلام ديزني أنتِ"؟ يسألون أيّ مدينة أفضّل، وأيّ نوع سلطة، وأيّ تدرّجات لونيّة، وأيّ حيوان أليف، ثمّ هاه، أنا أورسولا.

بحثت على الانترنت عن صورة لابتسامة آرييل البلهاء، وأخرى لضحكة أورسولا المخيفة، نزّلتهما، ولصقتهما بموازاة بعضهما البعض، ونشرت "إنجازي" الفنّي على إنستغرام مع هاشتاغ #10yearschallenge. لاحقاً اكتشفت أنّ هناك من سبقني إلى الفكرة، وشارك بالتحدي من خلال المقارنة ذاتها. مستحيل. أوّلاً، الصورتان اللتين اخترتهما، بجودة أفضل. ثانياً، لن أقبل. التحوّل من آرييل إلى أورسولا، قصّتي أنا وحدي. على الفلاسفة الآخرين أن يختاروا قصصاً أخرى، وأفلام "ديزني" كثيرة.

مفسد البهجة ذاك قصد بمقارنته التحوّل في المظهر الخارجي لا أكثر. أكيد مقاربتي "أعمق." أقصد أنّي كنتُ أتمثّل بشخصيّة "الحوريّة" قبل عشر سنوات، والآن بتّ أتماهى مع شخصيّة "الساحرة." استعارة بديعة، أليس كذلك؟ واو! بعد معارك يوميّة ضارية، تدرّجت من أميرة بلهاء، إلى ساحرة شمطاء، وحجزت لنفسي مكانةً على مقعد المشعوذات الغاضبات، المكروهات، الماكرات، والقويّات. الساحرات رموز نسويّة، وها أنا أنضمّ إلى مجالسهنّ بكلّ عزم وحسم وعناد. أنظروا كيف يختلط الأبيض بالأسود في شعري. أنظروا إلى قطّتي التي يصعب ملاحظتها جالسةً على كتفي، إن لم تفتح عيناها، لأنها سوداء، كملابسي تماماً. أداة التنظيف المفضّلة عندي؟ طبعاً المكنسة. كلّ المؤشرات تؤكّد، بما لا يقبل الشكّ، أنّي ساحرة شمطاء. كم أحبّ ذلك.