موسيقى

لماذا حضرت حفل عمرو دياب الأخير بعد 31 عامًا على أول حضور لحفلاته؟

رأيت في حفل الهضبة الأخير جميع الأجيال التي مرّ بها منذ انطلاقه، من المراهقين حتى الستينيين

إعداد دنيا كمال
2019 03 31, 12:19pm

شترستوك

مدينة السندباد، القاهرة – ربيع 1988 – عيد الأضحى
أصحو في الصباح الباكر، نتناول إفطارًا ثقيلًا من الكبد الضأن التي يصر أبي أنني لا بد أن أتعلم أن أحبها، في العادي أقاوم "الزن" المستمر من أبي وينتهي بي الأمر بساندويتش من الخبز البلدي الطازج الذي يجلبه أيضًا من الفرن المجاور لمنزلنا، ولكن اليوم يختلف، اليوم لا أريد أن أجادل أو آتشاجر مع أي شخص في العالم، فاليوم أذهب للمرة الأولى لأحضر حفل عمرو دياب في "السندباد". أما مدينة السندباد فهي كانت تقريبًا مدينة الملاهي الوحيدة التي يعرفها أطفال القاهرة في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي. لملمت جنيهات العيدية التي كانت تمثل لي ثروة صغيرة اقتربت من الثلاثين جنيه، جنيهات جديدة ولامعة تدخل البهجة الى القلب، واتفقت مع أختي التي تكبرني ببضع سنوات أن نتجه إلى وجهتنا المهمة في تمام الخامسة حتى نحجز مكان في الصفوف الأمامية.

مازلت أتذكر الرجفة التي دخلت لى قلبي وأنا أخطو خطواتي الصغيرة الى الصفوف الأمامية أمام المسرح المغلق بستائر قطيفة حمراء، كان المسرح يقع أمام "المنخل"، والمنخل يعتبر من الألعاب المعروفة لجيل الثمانينات الذي ظلم كثيرًا بسبب قلة ألعابه، تلك اللعبة التي طالما منعتنا أمهاتنا من استخدامها بسبب الرجة العنيفة التي يشي بها اسمه، والتي تؤدي في الأغلب إلى وقوع الجميع في منتصف الطبق الواسع مما يتسبب في تلامس أجساد الشباب والبنات. ما علينا، أمسِك بيد أختي وأقف في مكاني في انتظار ظهور مطرب جيلي الأول والأدرينالين ينطلق في دمائي لأعرف هذا التأثير الذي أدمنته لاحقا في سنوات عمري العشرينية والثلاثينية.

مارينا، الساحل الشمالي – المسرح الروماني – صيف 1996
أتذكر بعد مرور الكثير من الوقت، تقريبًا في منتصف التسعينات، وعندما كانت زيارة قرى الساحل الشمالي القديمة في الصيف هي أقصى طموح الشباب صغير السن، يوم انهالت الإعلانات في كل مكان عن حفل جديد لعمرو دياب، هذه المرة في المسرح الروماني في مارينا، وجهة الأغنياء وعلية القوم. كان من الصعب هذه المرة إقناع أمي أن تدفع لي أنا وأختي حوالي مائتين جنيه مرة واحدة للتذكرتين، واستطعنا بمعجزة ما أن ندخر بعض المبلغ وأن يتكفل أبي في سرية تامة بالمبلغ المتبقي حتى وهو يرى أن تصرفاتنا تشي بعدم الإحساس بالمسؤولية وباستهانة شديدة بالمال الذي حتما لا نعرف قيمته الحقيقية. ارتدينا ملابسنا التسعينية المبهرجة ذات الألوان الفاقعة، والتي لم تتسم بذوق رفيع وقتها – شكرًا لذوق التسعينات السيء – وذهبنا من مراقيا الشمالية حيث يستضيفنا أصدقاء أبي الى مارينا صاحبة الفتن والإغراءات غير المحدودة.

صعد عمرو دياب الى المسرح، هذه المرة بسيارة ضخمة من سيارات الدفع المرتفعة عن الأرض بشكل غير مألوف، وحوله ما يقترب من العشر فتيات التي ارتدين فساتين إسبانية ملونة مثل فتيات الكليب الشهير وقتها "حبيبي يا نور العين". لم نكف طوال الحفل عن الرقص والتنطيط المبتذل الذي طالما انتقدته الأجيال الأكبر وهي تصف عمرو دياب بـ"المغني المتشرد اللي بيتنطط زي فرقع لوز عالمسرح". كانت الأساطير حول عمرو دياب بدأت في الانتشار خاصة بعد أن توالت نجاحاته وارتبطت كل أغنية بقصة في الأغلب كانت بطلتها في هذه السنوات زوجته الأولى شيرين رضا. أتذكر معظم الأغاني التي غناها عمرو في هذا الحفل وأتذكر أن أغنيتي المفضلة وقتها كانت "نعشق القمر" التي غناها في ألبومه الشهير "ميال" وإن لم يغنيها أبدًا في حفل حضرته له للأسف.

دبي، الأمفيثيتر – ربيع 2019
لم أحضر لعمرو دياب حفل منذ الحفل الذي قدمته الفنانة هالة صدقي، التي أتذكر أنها كانت مسؤولة بشكل أو بآخر عن مسرح قرية مارينا بالساحل الشمالي، وحتى العام الحالي وتحديدًا منذ أيام قليلة. قررت أختي هذه المرة أن تقوم بحجز تذكرة لي في أقرب نقطة من المسرح الذي أقام عليه عمرو دياب حفله الأخير في دبي. أما عن أختي، فهي لم تتوقف أبدا عن حضور حفلات عمرو دياب، لم تفوتها سوى حفلات قليلة جدًا ولأسباب أتصور أنها كانت قاهرة. منذ حوالي ستة سنوات، وعندما كنت أتهرب من حضور الحفلات معها، بدأت في اصطحاب ابنتها الصغيرة التي كان عمرها وقتها عشر سنوات فقط، ليبدأ هوس جديد يتكون في عائلتنا الصغيرة من أحد أصغر أفرادها. بدأت الصغيرة في سماع أغاني عمرو دياب وحفظ جميع الكلمات ليستمر إرث عمرو دياب في العائلة. أما أنا فحتى يوم الخميس الماضي (مارس 2019)، كنت أقاوم بشدة حضور الحفلات، واكتفيت طوال هذه السنين بمتابعة الألبومات التي تظهر في صيف كل سنة من بعيد ودون أن يستقر معظمها في ذاكرتي، وعلى الرغم من انفصالي عن حميمية الحفلات إلا أنني حرصت أن أكوّن قائمة من 115 أغنية من الأغاني المفضلة لي لعمرو على ساوندكلاود، قائمة حظيت بإعجاب الكثيرين من محبيه ومستمعيه وتبدأ بأغنية "يا طريق يا طريق" وتنتهي بـ"يتعلموا" التي تلخص الكثير من مشواره. رضخت أخيرًا لرغبة العائلة في حضور الحفل سويًا، وحرصت على مغادرة عملي في ساعة مبكرة وقمت بالطقس بأكمله من الدخول الى مقر الحفل في تمام السابعة، حتى وأنا أعرف أنني سأجلس على الأقل ثلاث ساعات في انتظار الهضبة الذي يشترط عدم الصعود للمسرح إلا إن كان لا يستطيع أن يرى الأرض التي يفترشها عشاقه ولا يظهر منها الأسفلت من فرط الزحام.

لا أنكر أنني استمتعت بكل لحظة في الحفل حتى مع الزحام الشديد، حتى مع تقدمي في العمر الذي أدى الى آلام مبرحة في ركبتي وعامودي الفقري الذي لم يعد يحتمل الوقوف لساعات طويلة أو الجلوس في أوضاع غير مريحة بالمرة، وحتى وإن لم يقم بغناء بعض الأغاني التي كنت أتمنى أن أستمع إليها في الحفل الذي أتصور أنه الأخير الذي سأحضره له في حياتي. هذه المرة لم أضطر إلى عد الجنيهات القليلة وأقوم بحسابات معقدة وتوفير مصروفي لأسابيع وأسابيع حتى أستطيع شراء التذكرة.

اجتاز عمرو دياب معظم الأجيال، في الحفل الأخير رأيت سيدة ستينية أنيقة تجلس لأكثر من ثلاث ساعات منتظرة صعوده الى المسرح، رأيت فتيات مراهقات وشباب لا يتجاوز عمرهم 15 عامًا يرقصون طوال الحفل في بهجة ونشاط يحسدون عليه.

كانت هي التذكرة الأغلى على الإطلاق والتي تكفلت بها أختي عن طيب خاطر، تجاوز سعر التذكرة الألف وخمسمائة جنيه، والذي ربما لا يعد مبلغًا طائلاً بالنسبة لسكان دبي التي تتميز بالغلاء الشديد، وإن اتسمت بالجنون المطلق إن قارناها بالخمس جنيهات التي دفعتها في التذكرة الأولى في حفل السندباد الأول. تذكرت بعض الأغنيات ونحن في طريق الخروج وفريدة الصغيرة تتدندن في حماس شديد "طب واعمل ايه، دة لو اتساب"، أخبرتها أنها لم تكن جاءت إلى الحياة عندما وقفت في المسرح الروماني لأتقافز على نغمات "نور العين"، وأنني استمعت يومًا إلى أغاني عجيبة لم يغنيها أبدًا في حفل عام مثل "إيش حال الشجرة والقمرة وناس المشوار"، وأنني كنت دومًا أتمنى أن أستمع الى "عودي يا ليالي" وإن كنت أعرف أنها أحزن من أن يسمح بها جنون حفلاته وصخبها.

أخبرتها كذلك أن كل أغاني "أيس كريم في جليم" هي أحد أسباب حبي له حتى هذا اليوم، أخبرتها أنه أسطورة وأن ذوقه في اختيار ملابسه وفي الأغلب فتياته قد تحسن كثيرًا عن أيام المسرح الروماني، أن "دة لو اتساب" تشبه اللعنة التي من المستحيل أن تخرج من الأذن أبدًا، وأنه على الرغم من الآلام المبرحة التي لم أتخلص منها حتى الآن، إلا أن تمايلها بجانبي وهي تغني "تملي معاك" يجعلني أشعر بكثير من التأثر، وأنه على الرغم من أنه لا يغني أبدًا أغنية أمها المفضلة "ضحكة عيون حبيبي" إلا أنها لم تكف عن الرقص وهو يغني "يومينهم وهييجي غيرهم". صديقي اللبناني يرى أن "يتعلموا" أغنية ذكية وتشي بما يريد أن يرد به عن كل تتداوله الصحافة عن حياته العاطفية وعلاقاته التي يحاول الجميع تتبعها في توحش، أما أنا شخصيًا فلم أتصور يومًا أنني سأقف في صف أول في حفل لعمرو دياب لأغني أغنية ثأرية وكيدية جدًا تسمى "نغمة الحرمان" بعد سنوات استطعت أن أحافظ فيها على وقاري.

1554018983599-WhatsApp-Image-2019-03-31-at-104101-AM
من اليمين إلى اليسار، دنيا (36 سنة)، فريدة (16 سنة)، عمرو (46 سنة)، وداليا (40 سنة)

اجتاز عمرو دياب معظم الأجيال، في الحفل الأخير رأيت سيدة ستينية أنيقة تجلس على كرسي من كراسي البحر الصغيرة التي يسهل حملها في ثبات، لأكثر من ثلاث ساعات منتظرة صعوده الى المسرح، رأيت فتيات مراهقات وشباب صغير لا يتجاوز عمرهم الخمسة عشر عامًا يرقصون طوال الحفل في بهجة ونشاط يحسدون عليه، بالطبع كانت القاعدة العامة هي الجيل الذي أنتمي إليه والذي يبدأ من منتصف الثلاثينات ويصل الى أواخر الأربعينات. تجاوز عمرو تقسيمة الأجيال المتعارف عليها واستطاع أن يجذب جميع الأعمار إلى قاعدة معجبيه ومستمعيه، الجميع يرقص والجميع يحفظ الأغنيات القديمة والجديدة. لم تبلى أغنياته أبدا، تظل أغنية "شوقنا" التي أصدرها عام 1989 – أي منذ ثلاثين عام بالتمام والكمال - من الأغاني المفضلة للآلاف الذين حضروا الحفل، والتي ظل الجمهور يهتف له في حماس أن يغنيها مرة واثنتين دون كلل أو ملل. لم تتحول أغنيات عمرو دياب الى موضة قديمة، وتجاوز أيضًا الموضوع فكرة النوستالجيا والحنين الى التسعينات – تلك المتلازمة التي أصابت جيل الثمانينات حتى أصبحت كليشيه سخيف – تجاوز عمرو كل هذا الى كونه الوحيد من نوعه الذي لا تحمل أغنياته أي تعقيدات، الموضوع أبسط من أي شيء، يصل للجميع، صغار وكبار، أجيال متعاقبة تستمع الى أغانيه ببساطة شديدة ودون أن تحمله أعباء أو تعقيدات من أي نوع، هذا نوع من البساطة نفتقده اليوم، وفي ظني أن هذه البساطة هي ما تجعله ملك ثقافة البوب العربية بلا منازع وبالطبع تجعله "معدي الناس".

غني عن القول بالطبع أن جمهور الحفل الماضي كان يضم جنسيات مختلفة، وكما أخبرتني الفتاة العراقية الجميلة التي كانت تقف خلفي أنها مستعدة أن تقف يومين كاملين كي تحضر له حفل واحد. لا أعتقد أنه يوجد مطرب عربي واحد يحظى بهذه الجماهيرية وهذا الحب، هذا الكم من الولاء والالتزام بحفظ كل أعماله لأكثر من ثلاثين عامًا. تجاوز الموضوع فكرة المطرب المشهور وأصبح الوضع أغرب وأجمل، وبالطبع تجاوز فكرة أنه الشاب الفقير الذي جاء من مدينة بسيطة تبتعد عن العاصمة وأصر على الصعود الى قمة هرم الغناء العربي حتى أصبح الهضبة الذي لا يقترب من عرشه أحد من بعيد أو من قريب.

نختلف أو نتفق على عمرو دياب، إلا أنني أشعر بالامتنان لأنه أعطاني هذا التراكم من الذكريات، مع التأكيد أن صوته ما زال جميلًا، وأغانيه ما زالت لطيفة، وحضوره ما زال طاغيًا.

منذ حوالي السنة، أسعدني حظي أنني حضرت لقاء مع الملحن المصري العظيم هاني شنودة الذي قرر في لحظة صفاء أن يحكي عن المرة الأولى التي قابل فيها عمرو دياب بعد أن انتهى من حفلة مع فرقة "المصريين" في مدينة بورسعيد. تقول الحكاية – والعهدة على الراوي – أنه فتح باب غرفة الفندق بعد منتصف الليل ليجد شاب مبتسم يقول له أنه يبحث عن من يكتشف موهبته الغنائية. يقول هاني شنودة أن الفتى كان موهوبًا ولكنه أعطاه نصيحتين، الأولى أنه يجب أن ينتقل من بورسعيد الى القاهرة، والثانية هي أن يكف عن الغناء باللهجة البورسعيدية التي يتميز بها أهل المحافظة وأن يتعلم ممارسة اللهجة القاهرية العادية. غادر عمرو الغرفة وفي الصباح وجده هاني شنودة يقف مع حقيبة صغيرة بها على الأغلب كل ملابسه أمام الحافلة التي ستأخذ فرقة المصريين الى القاهرة. يقول هاني شنودة أنه لم يعرف كيف يتصرف عندما أخبره الشاب بنفس ابتسامة الليلة الماضية أنه ينفذ نصيحته وأنه سينتقل فورًا وفي نفس الحافلة إلى القاهرة. لا أجد القصة غير عادية؛ فآلاف الشباب الطموح ينزحون من مدنهم الى العاصمة بحثًا عن الفرص الأفضل، ولكن في الحقيقة أجد اختياره لهاني شنودة تحديدًا كي يدق بابه، وذهابه في اليوم التالي وعلى الفور إلى القاهرة وفي نفس الحافلة، وإصراره "الرذل" بأن يلتصق به في خطوات مشواره الأولى ينم عن ذكاء غير عادي ورؤية ثاقبة، حتى وإن كان اتخذ خطوات مغايرة فيما بعد في اختياراته الغنائية.

نختلف أو نتفق على عمرو دياب ومدى إثرائه للمشهد الموسيقي في العالم العربي، نتفق أو نختلف أن الكثير من الأغنيات تبدو وكأنها نسخ مكررة من بعضها البعض، أن الألحان متشابهة، وتيمات الأغاني متقاربة.. نختلف أو نتفق على علاقاته ونمط حياته وشكله والوشوم التي يمتلئ بها جسمه، على أسعار التذاكر التي أصبحت باهظة بشكل مبالغ فيه، على ساعات طويلة ينتظره فيها جمهوره وهو غير عابئ أو لا مبالي. نختلف أو نتفق على الكثير والكثير من الأشياء التي تمتلئ بها حياته شأنه شأن نجوم الصف الأول الذين يتصدرهم دون مبالغة، ولكني أعتقد أنه من الصعب أن نتجاهل كاريزمته الكاسحة، وطاقته الرهيبة على المسرح، من الصعب أن نتجاهل الحنين الى الأغاني القديمة والتعلق ببعض الأغاني الجديدة، لم أعد أستطيع اليوم أن استمر في التنظير حول القيمة الفنية التي أضافها إلى ساحة الفن العربي الفخيم، فقط أشعر بالامتنان أن عمرو دياب أعطاني هذا التراكم من الذكريات، وأنني ما زلت أستطيع الانتظار لبضع ساعات كي أحضر حفل غنائي مثل المراهقات، وأنني كنت على بعد خطوات من أحد أيقونات طفولتي ومراهقتي وشبابي، وأن صوته ما زال جميلًا، وأغانيه ما زالت لطيفة، وحضوره ما زال طاغيًا.

أترككم الآن مع قائمة من 115 أغنية من سنة 1983 وحتى عام 2019.