Cario workshop 3
لقطة لمتدربتين في ورشة القاهرة للدي جيز المبتدئات في منتصف أكتوبر2020. 
موسيقى

كيف تصبحين دي جي؟ منصات جديدة تساعد المبتدئات على دخول عالم الموسيقى الألكترونية

تم استبعاد النساء من هذا المجال لفترة طويلة لأسباب مرتبطة بالصورة النمطية المرتبطة بهذه المهنة
15.11.20

قد يبدو واضحًا لمرتادي المهرجانات والأحداث الموسيقية الكبرى أن حضور النساء أصبح طاغيًا بدرجة كبيرة، ولكن هذا الحضور الرحب لا ينعكس على خشبة المسرح وخلف إسطوانات الموسيقى -خصوصًا الإلكترونية حيث ما تزال هيمنة الذكور طاغية وواسعة. 

عالميًا، تمثل النساء ما يقارب نصف الحضور في الأحداث الموسيقية الكبرى حيث أشارت دراسة أجرتها مجموعة من الباحثات تحت عنوان female: pressure استطلعن من خلالها 392 عرضًا موسيقيًا أن الإناث يمثلن حوالي 25% فقط من الخط الكلي لجميع DJs أو "الدي جيز" الذين يتم اختيارهم للمشاركة في محافل الموسيقى الإلكترونية في مختلف الدول الأوروبية، كما تظهر هذه الدراسة الأولية ارتفاع في مشاركة النساء بحوالي 9.2% منذ عام 2012. من السهل إسقاط هذه النسب على الساحة الموسيقية في العالم العربي بالرغم من محدوديتها، فعلى ما يبدو أن الهيمنة الذكورية في المجال هي الثابت الوحيد بين جميع المتغيرات الجغرافية والثقافية والفنية.

تعتبر مهنة الـ دي جي من الصنع الإبداعية بالدرجة الأولى حيث تعتمد على مهارات إستماع وقوائم موسيقية مميزة، والتي بالمحصلة تُنتج بشكل فردي عن تجارب شخصية، مراحل نفسية وروحانية واصطدامات ثقافية وأهمها البحث عن الهوية الذي يتم تشاركها مع الجمهور من خلال رحلة غامرة يتشارك فيها الطرفان بتراكيب موسيقية جديدة ترافقها حركات رقص عشوائية ومتزامنة. تم استبعاد النساء من هذا المجال لفترة طويلة لأسباب مرتبطة بالصورة النمطية المرتبطة بهذه المهنة،

في السنوات الأخيرة تمكنت "الدي جيز" النساء من اختراق ساحة الموسيقى الإلكترونية والتجريبية في العالم العربي، وحققت الكثيرات منهن نجاحًا إقليميًا في لبنان والعراق ومصر وفلسطين وتونس والمغرب وغيرها -والذي كان جاذبًا للأنظار على المستوى الإحترافي عالميًا. حفز هذا النجاح الكثير من الفتيات العرب المعجبات بهذا النوع من الموسيقى والأدوات الإلكترونية لخوض التجربة والانخراط في عالم الإسطوانات كمهنة ومصدر دخل أو كهواية. في الوهلة الأولى تبدو المسألة بديهية، فوسائل الدراسة والنصائح عن التعلم والدخول في هذا المجال متوفرة على الإنترنت كأي مادة أخرى ولكن ما ينقص هو الدعم الإجتماعي، أن تمارس ما تحب في بيئة مشجعة ومصححة من دون الشعور بالهلع أو الانتقاص.

تعرفت الدي جي التونسية ألفة عرفاوي، 37 عاماً، على هذا المجال في 2017 وحالفها الحظ أن تجد ورشة تدريبية للمبتدئات في تونس العاصمة بتنظيم معهد جوته الألماني في ذات الفترة، حيث خاضت تدريبًأ انتهى بتقديم عرضٍ تجريبي أمام الجمهور برفقة زميلاتها، ولكن بمجرد انتهاء التدريب لم يعد هناك مساحة تتمكن فيها الفتيات من تطوير مهارتهن وتعلم تقنيات وألوان موسيقية جديدة. الخيار الوحيد هو اللجوء إلى التسجيل في معهد لتطوير مهارات اللعب الموسيقي والذي بطبيعة الحال يسيطر عليه الذكور حضورًا ومدربين مقابل الكثير من المال.

Tunis DJs academy 1.png

الصور لألفة عرفاوي برفقة المتدربات في ورشة التدريب لأكاديمية الدي جينج في لافبريك ستديو نوفمبر 2019- تونس.

Tunis DJs academy.png

قررت ألفة تغيير هذا الواقع وطرح منصة موسيقية جديدة كنوع من أنواع الاحتجاج على مجريات الساحة الموسيقية، حيث قامت بالشراكة مع إحدى زميلاتها ريم شرفي بإطلاق مبادرة مستقلة في عام 2018 من خلال استخدام المساحة الفنية الآمنة La Fabrique Art Studio تلقتا بعدها الدعم من Future Female Sound- وهي وكالة ومنظمة موسيقية نسوية مقرها في كوبنهاجن تسعى لتمكين الفتيات في جميع أنحاء العالم لدخول مجال الموسيقى الإلكترونية. أثمرت هذه الجهود بتأسيس أكاديمية الدي جينج الأولى للنساء والأقليات الجندرية في تونس ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. 

"وجود منصات كهذه يساهم في تقليص الفجوة الجندرية في مجال الموسيقى الإلكترونية،" تقول ألفة في حديث عبر الهاتف، وتضيف: "من خلال هذه المنصة نحن نعمل على خلق وتأهيل نماذج نسائية ناجحة تكسر خط الإنتظار الطويل الذي يتصدره الرجال للصعود المهني، وتعزز تمثيل جندري متساوي يجعل من الموسيقى مجال يتقبل الإختلاف ويتبنى الجميع دون استثناء."

أخرجت اكاديمية الدي جينج التونسية 50 طالبة في تونس العاصمة منذ تأسيسها وتوسعت لتشمل مناطق أخرى في البلد، منهن مجموعة مدربات و7 محترفات ويمتهن الموسيقى الإلكترونية كحرفة إبداعية ومصدر دخل. ومازالت تسضيف ورشات تدريبية بشكل دوري يجري التسجيل لإحدها حاليًا.

"في تونس تُختزل صناعة الموسيقى في مجموعة يمثلون الـ"boys club" الذين لديهم علاقات عامة واسعة ويستمرون في ترشيح أعضاء النادي الذكوري الحصري لجميع المناسبات احتكارًا،" تضيف ألفة: "في البداية لم أجد أي وسيلة للتمرن أو طرح الأسئلة إلا عبر اللحاق ببعض الأصدقاء الدي جيز- جميعهم من الذكور، وهذا ما يلفت الانتباه على مدى ضيق المساحة التعبيرية والعملية لمن لا ينتمي للغالبية."

Cario workshop 6.JPG

متدربتين أثناء أخر حصة من ورشة القاهرة للدي جيز المبتدئات في منتصف أكتوبر 2020.

Cario workshop 2.jpeg

في القاهرة، تمكنت 9 فتيات من خوض ورشة "الدي جينج" للمبتدئات الأولى من نوعها في مصر، بالتعاون مع DEDI عبر شبكة فيوتشر فيميل ساوندز أيضًا. وتشير اليكس بالك، دي جي بولندية وأحد أعضاء فيوتشر فيمل ساوندز، أن هذه الحرفة هي "عبارة عن كيمياء صنع المزاج العام للجمهور" وتضيف: "يعتبر الدي جي فيه قيمًا فنيًا، ولذلك فإن المنتج الموسيقي وتفاعل الجمهور معه هو المعيار الوحيد للأفضلية الإبداعية."

في حديث مع سارة بهجت، 30 عاماً، إحدى المنسقات لورشة القاهرة أن التحضيرات لهذا التدريب تضمنت الكثير من التنظيم والتواصل على مدى عام كامل بين جميع الكيانات الشريكة ولكنها تعرضت أيضًا لتأجيلات بسبب صعوبة التخطيط خلال أزمة جائحة الكورونا العالمية وتعرقل التجمعات وحركة السفر. 

تقول سارة أن صناعة الموسيقى في مصر "مسيطر عليها" من قبل الذكور، ولهذا كان الهدف من هذه الورشة هو تمكين المشاركات من بناء أساس قوي يمكنهن من الانطلاق بثقة والحصول على حجوزات في مهرجانات أو حفلات موسيقية في مصر. وتضيف: "بالرغم من التحديات وبفضل عزيمة الفريق المنظم حقق التدريب نجاح باهرًا، وتمكن من تخريج  مجموعة من الناشئات في مجال الموسيقى الإلكترونية واللاتي سيقدمن عرضًا حيًا في المستقبل القريب."  

دللت ألفة خلال الحديث على المنحنى الشيق في السياق الموسيقي التونسي: "على مدى السنوات الأخيرة نرى نساء أكثر يدخلن هذا المجال، ويلقين إعجاب وتشجيع من الجمهور ولكن ما يزال العدد محدوداً. لابد من تنويع المسارح التي تستقبل الدي جي النساء وتوسيع هذه القاعدة التجارية الموسيقية النسوية. من المهم لذلك تفعيل شبكات التواصل بين الدي جيز النساء في العالم العربي وتمكين المبتدئات من تقديم عروض حية على مسارح مختلفة أو حتى أثير محطة راديو أو في المهرجانات والمناسبات."

من المدهش متابعة نهوض أكاديميات وتجمعات مستقلة تمامًا تقودها موسيقيات كن قد اخترقن مجال الموسيقى الإلكترونية بشكل فردي قبل إنشاء مساحات التشبيك والتدريب الحالية، حيث واجهن ذات العقبات وتغلبن عليها بنجاح ساحق في العالم العربي ومدن العالم الموسيقية الكبرى.

ربما لا يظهر جليًأ ولكن إقبال النساء على عالم DJing في دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يستمر في التزايد، وتتطلع الكثيرات لدخول هذا المضمار ولكنهن يحتجن لخارطة الوصول للأدوات والفرص في بيئة ناقدة بناءة خالية من الذكورية السامة الذي يتصف بها هذا المجال. نشوء مثل هذه التجمعات النسوية الموسيقية هو توسيع للمساحات الآمنة للنساء والأقليات الجندرية الذي يمكنهن من خلالها تلقي وتشارك الدعم المجتمعي في بيئة إبداعية.

استخدام النشاط والمصادر الأكاديمية والبحثية قد يكون كذلك وسيلة ممتازة لتكوين صورة عن مدى اتساع أو تقلص هذه الفجوة الجندرية ومدى فعالية المبادرات الحالية في إشراك الفتيات والأقليات. وتبقى فكرة تكوين شبكة تواصل بين الهاويات والمحترفات في الدول العربية والمهجر هي الأكثر أهمية حيث تساعد الناشئات في إيجاد الحماس والتشجيع لخوض التجربة وتلقي الدعم المعنوي والتقني. 

إن كنتِ ممن يعتريهم الفضول لتجربة الموسيقى الإلكترونية ولا تعلمين من أين تبدأين، يمكنك تقديم طلبات للتعاون مع أي من هذه المبادرات لتنظيم ورشات تدريب أو مهرجانات موسيقية (في ما بعد الكورونا) في مدينتكِ.