النكبة

البحث عن فلسطين، الوطن الذي لم أعش به ويعيش بي

الحقيقة كانت أقسى علي من استيعابها، كيف يمكن أن تخسر فجأة هويتك ووطنك وبيتك، كيف تُنشأ بلداً على أنقاض أخرى
15.5.20
nakba Palestine
أنا وأمي وأخي وصديقة والدتي في يافا لأول مرة عام 1998.

كنت هناك، في حرارة البحر الميت الحارقة، أقف على جسر اللنبي الذي يربط فلسطين بالأردن في انتظار إنتهاء الجنود الإسرائيليين من فحص أوراقي للسماح لي بالدخول. كنت أنظر إليهم وهم يمسكون بنادقهم الكبيرة لتخويفنا، لكن لم أشعر بأي خوف، بالعكس شعرت أنهم جميعًا جبناء. طوال 27 عامًا، كنت أقوم بنفس الرحلة ما بين الأردن وفلسطين. حاولت أن أتعود على هذا الواقع، على الجنود المسلحين والخائفين، على الأسئلة التي لا تنتهي، بدون أي نجاح.

إعلان

دعوني أخبركم قصتي. والدتي، من يافا، ولدت وترعرعت في رام الله مع أربعة أشقاء آخرين، قضوا معظم حياتهم في مدرسة داخلية في القدس، حيث أرسلهم جدي للحصول على تعليم مناسب. والدي، يرجع أصله إلى قبيلة أردنية قديمة، ولكنه ولد في القدس وعاش معظم حياته هناك. هو الأكبر بين أربعة أخوة، وعاش جميع المراحل التي مرت بها فلسطين من أيام النكبة والنكسة والحروب التي تبعتها. كان والدي طفلاً عندما تأسست إسرائيل عام 1948، وكان شابًا بالغًا خلال حرب الأيام الستة عام 1967، ورجل متزوج خلال الانتفاضة الأولى عام 1987، وأب لطفلين خلال كل حدث آخر عبر تاريخ فلسطين المحتلة.

بعد خسارة أهلي وطنهم، انتقلا للعيش في الأردن. ولكن لم يتوقفا يوماً واحداً عن الحديث عن فلسطين. جميع قصص والديّ وخالاتي وأعمامي وأجدادي كانت عن حياتهم في فلسطين، عن كل خساراتهم، عن ضياع ذكرياتهم، وعن كيف تم تجريد وضم وإلغاء كل شيء فلسطيني من هوية وتاريخ، وثقافة وفن وموسيقى ووطن.

لا تتوقف والدتي عن إخباري كيف فرض عليها هي وعائلتها ترك بيتها في رام الله بعد هدمه من قبل إسرائيل وعبور نهر الأردن هربًا من البنادق والدبابات الإسرائيلية خلال حرب الأيام الستة عام 1967. كيف قضت خالتي أيامًا وهي تعتقد أن والديها وإخوتها ماتوا خلال الحرب. وكيف قام جندي إسرائيلي بإطلاق النار على والدي عندما وجده كان مختبئًا في منزله في القدس خلال الحرب. وكيف تم سرقة وتدمير كل الأوراق الثبوتية من عائلة والدي ولم يسمح لهم بالعودة.

أتذكر والدي وهو يمشي سعيداً في شوارع القدس ويتحدث عن معالم من فترة طفولته: مدرسته القديمة ومتجر الفلافل الذي يحبه، ومكتب البريد ومنزل أصدقائه القديم والفنادق والشركات الخاصة بجدي التي أخذتها إسرائيل. بالنسبة لوالدي، كان الأمر أكثر من مجرد نقل تلك التفاصيل لي ولأخي، لقد كان والدي يعيد سرد تفاصيل الحياة التي انتزعت منه في فلسطين

عندما كبرت، كافحت كثيرًا في محاولة العثور على هويتي. هل أنا أردنية لأني أعيش هناك، وأحمل جواز سفر واسم عائلة تؤكد أنني أردنية؟ أم أنا فلسطينية لأنني ورثت ورقة من والدي تقول أنني فلسطينية؟ أعرف الكثير عن فلسطين، أهلي من هناك، ولكنني لم أعش كفلسطينية. فأنا لم أُجبر أبداً على مغادرة وطني، ولم أعش أبداً تحت إحتلال. كيف يمكنني أن أعُرّف نفسي كفلسطينية إذا لم أعش حياتهم؟ بغض النظر عن عدد المرات التي زرت فيها فلسطين أو عدد الكتب التي قرأتها، لم أستطع أن أسمي نفسي فلسطينية حقًا.

في معظم سنوات طفولتي ومراهقتي، كنت أنا وعائلتي نذهب إلى رام الله لقضاء إجازتنا الصيفية في بداية عام 2000 قبل الاجتياح الإسرائيلي للضفة الغربية والانتفاضة الثانية. كانت جدتي واثنين من أخوالي وإحدى عماتي يعيشون في رام الله، وكانت تأتي خالتي من فرنسا والأردن وأولادهن أيضًا لرام الله معنا، لذا كانت عطلة عائلية بالنسبة لنا. في كل عام، كنا نجتمع مرة أخرى في فلسطين، ونزور بيت لحم لزيارة أصدقاء العائلة ونذهب القدس للسير في الأسواق القديمة والصلاة في كنيسة القيامة.

إعلان

أتذكر والدي وهو يمشي سعيداً في شوارع القدس ويتحدث عن معالم من فترة طفولته: مدرسته القديمة ومتجر الفلافل الذي يحبه، ومكتب البريد ومنزل أصدقائه القديم والفنادق والشركات الخاصة بجدي التي أخذتها إسرائيل. بالنسبة لوالدي، كان الأمر أكثر من مجرد نقل تلك التفاصيل لي ولأخي، لقد كان والدي يعيد سرد تفاصيل الحياة التي انتزعت منه في فلسطين.

عندما كنت أصغر سنًا، لم أفهم تمامًا ما الذي تعنيه النكبة، لم أعرف عن كل تلك المجازر بحق أهل البلد الأصليين، كيف قامت المستوطنات غير القانونية على أراضي وأملاك أهلها الفلسطينيين الذي تم طردهم منها ليصبحوا لاجئين في مخيمات الشتات، كل ما كنت أراه هو جمال هذا البلد، فقد كان الأمر مثل أي عطلة أخرى أخذتها مع عائلتي. ربما لأن الحقيقة كانت أقسى علي من استيعابها، كيف يمكن أن تخسر فجأة هويتك ووطنك وبيتك، كيف تُنشأ بلداً على أنقاض أخرى.

أذكر أنه قبل بضع سنوات كنت في إسبانيا مع صديقتي وكنا نقيم في فندق صغير في قلب برشلونة. خلال إقامتنا التقينا مجموعة صغيرة من السياح الأمريكيين الذين كانوا يقيمون في نفس الفندق، التقينا بهم لتناول بعض المشروبات، ومع تعمق المحادثة بدأنا في مناقشة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. تصاعدت المحادثة، وأدركت أنه ليس لديهم أي معلومات حقيقية عن الصراع، ولم يعرفوا شيئًا عن التاريخ ولم يهتموا حتى بدور حكومتهم في كل هذا. قيل لهم إن الفلسطينيين هم العدو ولم يجادلوا في ذلك أبداً، وهذا ما أثار غضبي ووجدت نفسي القي خطاباً لمدة 30 دقيقة حول تاريخ الصراع وكيف خسر الفلسطيني كل شيء بلا ذنب اقترفه بحق أي أحد، وحقهم الطبيعي والقانوني والإنساني في العودة إلى وطنهم وبيوتهم. ما صدمني ليس فقط أنهم لا يعرفون شيئًا، ولكن أيضاً أنهم لا يرغبون بالمعرفة. لم يجادلوا أو يطرحوا أسئلة، ببساطة لم يهتموا.

الآن أشعر أنني غريبة. فلسطين التي ترعرعت على محبتها لم تعد ملكي، جدار عنصري وحواجز وجنود وتفتيش وقتل وسجون، لقد شاهدت بيتي يتم سلبه مني بنفس الطريقة التي حدثت مع والدي وأجدادي

ولكن للأسف، اكتشفت مؤخراً، أن هؤلاء السياح ليسوا الوحيدين، فقد أدركت أن هناك بعض العرب الذين لا يعرفون شيئًا عن هذا الصراع، والأدهى أنهم لا يعرفون ويلفقون قصصاً تدعي كذبًا أن الفلسطينيين باعوا أراضيهم بينما تشير كل الكتب التاريخية - حتى الإسرائيلية منها - إلى أن الفلسطينيين تعرضوا لمجازر وتطهير عرقي وأجبروا على ترك أراضيهم ومنازلهم. حتى عندما كنت أعيش في لبنان، البلد الذي حارب إسرائيل، كان يصمت العديد من أصدقائي اللبنانيين عندما أتحدث عن حقوق الفلسطينيين. السؤال الذي لا أجد إجابة له، هو كيف يمكن لأي أحد أن لا يتأثر أو يبالي بالحقيقة؟ كيف لا يشعرون بالخجل أو الذنب؟ كيف يمضي العالم قدمًا غير مهتم بكل ما تمثله وتعنيه فلسطين، ولماذا لا أستطيع التوقف عن التفكير بفلسطين والقراءة عنها والحُلم بها؟

مثل هذه النقاشات كانت مهمة بالنسبة لمعرفة هويتي المتضاربة. بدأت أدرك أن فلسطينية ليس مجرد هوية. إنه سبب. هي قضية ورثتها عن صراعات وخسارات عائلتي، ولهذا السبب أبكي عندما أقرأ شعر محمود درويش وهو يقول "لم يعد في قلبي مكان لرصاصة جديدة" أو عندما أستمع لموسيقى عن القمع والإحتلال للفرعي أو شادية منصور أو فرقة 47soul.

حتى يومنا هذا، أقوم بزيارة فلسطين كل عام وما زلنا نقوم بنفس الجولة التي قمنا بها دائمًا. عندما كنت أصغر سناً، كانت فلسطين تعني الوطن، ولكن الآن أشعر أنني غريبة. فلسطين التي ترعرعت على محبتها لم تعد ملكي، جدار عنصري وحواجز وجنود وتفتيش وقتل وسجون، لقد شاهدت بيتي يتم سلبه مني بنفس الطريقة التي حدثت مع والداي وأجدادي.

أخبرتني جدتي الراحلة ذات مرة: "عندما تكبرين، ستعود فلسطين حرة، قد لا أستطيع رؤية منزلي مرة أخرى ولكنك ستفعلين." لقد حملت هذا الوعد معي طوال حياتي والآن يبدو أن حلم جدتي يتلاشى ببساطة والشيء الوحيد الذي يمكنني أو أي شخص آخر القيام به هو معرفة والاعتراف بالتاريخ الحقيقي لما حدث لفلسطين وأهله، من خلال الاحتفاء بالثقافة الفلسطينية الخالصة التي بناها أسلافنا، من خلال إبقاء فلسطين حية في داخلنا إلى حين تحررها. فلسطين ستبقى حرة كما هي في قلوب كل الفلسطينيين في كل أنحاء العالم.