مجتمع

لماذا قررت وزارة الداخلية في ليبيا منع النساء من زيارة المقابر؟

حجة جديدة لممارسة التمييز ضد النساء وتقييد حرية تنقلهم في الأماكن العامة
21.3.21
pablo-t-6xKryq6ejUo-unsplash
Photo by Pablo T. on Unsplash

أصدرت وحدة مكافحة التطرف والظواهر الهدّامة التابعة لوزارة الداخلية في ليبيا مؤخراً قراراً بمنع النساء من زيارة المقابر أو الدخول إليها بشكل قطعي. عزت الوحدة سبب المنع إلى أن النساء يقمن بممارسة أعمال سحر وشعوذة في المقابر، واستشهدت بحديث يقول: "لعن الله زائرات القبور."

ورغم تتبّع الوحدة للسحرة والمشعوذين الرجال منذ فترة طويلة والإمساك بهم وعرض صورهم على صفحتهم على فيسبوك، الإ أن هذا القرار خصت به النساء فقط دون غيرهم، وانذرت المخالفات للقرار بأنهن سيواجهن عقوبة شرعية وقانونية في حال خالفوا المنع، ولكن لم يتم توضيح نوع العقوبة. 

إعلان

ما هي مهام هذه الوحدة
بدأت هذه الوحدة في مزاولة نشاطها نهاية العام الماضي 2020 ومن ضمن مهامها "حماية الأفراد والممتلكات من الأفعال الخارجة وغير القانونية ومكافحة التطرف والظواهر الهدّامة" -وفقاً لمعاييرها الخاصة، حيث نشرت الوحدة مثلاً تحريضات ضد محلات بيع الهدايا -تبيع الروائح والشكولاتة والملابس التي توضع عليها عبارات حب ومغازلة- واعتبرته "نشاطاً يمس الأخلاق والآداب العامة وضد أسس وقواعد الدين الإسلامي."

لا يرتبط إسم ليبيا كثيراً بالسحر كبلدان أخرى، ولكن لا يزال هناك عدد من الليبيين الذين يلجؤن للسحر والمشعوذين طلباً لشفاء بعض الأمراض ورفع الفرص في الزواج والإرتباط. وقد انتشرت شائعات العام الماضي بأن هناك من يلقين تعويذة على الرجال عن طريق حلويات البسبوسة، وغيرها من الادعاءات الغريبة والسخيفة.

ماذا يعني هذا القرار
استهجن العديد من النشطاء والمتابعين تحديد قرار المنع بالنساء فقط، على الرغم من أن معظم المقبوض عليهم من المشعوذين هم من الرجال (تقوم الوحدة بنشر صورهم المقتطعة)؟ فيما اعتبر آخرون أن النوع هذا من الحملات يهدف لإلهاء الناس عن المشاركة والنقد في الأحداث الحاصلة مؤخراً في ليبيا منها الإنتخابات وتشكيل الحكومة الجديدة.

تعليقاً على قرار المنع، اعتبر الطبيب والناشط ضمن حركة تنوير زعيم المالطي، 38 عاماً، من طرابلس، أن "زيارة المقابر مهمة من الناحية النفسية وجزء مهم من عملية الحزن Grieving process وتخطي واقع فقد إنسان عزيز عليه،" وأضاف أن "حملة السلطات الليبية ضد السحرة والمشعوذين هو أمر مخجل للغاية، خاصة وأننا في سنة 2021 وتصديق هكذا خرافات في زمن يتسابق فيه الكثيرون إلى الوصول إلى اكتشافات واختراعات تفيد البشرية هو أمر يناقض مدنية الدولة وتحضّرها."

ضمن هذه المساحة شاركت المصورة أنهار جابر، ٢٨ عاماً، من مدينة الزاوية تجربتها، حيث تخبرني أنه فوجئت أثناء ذهابها للمقبرة التي دُفن فيها والدها بوجود لافتة كُتب عليها بخط كبير وواضح (يُمنع زيارة النساء للمقبرة) وتقول:"الجهات التي تتولى الكشف عن أمور السحر والشعوذة هي جهات غير مهنية، هذه القرارات العشوائية يُراد بها تشويه سمعة النساء الليبيات، وهذا ما يجعل العديد من القوانين والقرارات تُسن إعتماداً على ثقافة شعبية رائجة. مخاوفي الحقيقية بأن هذه بداية تطبيق إجراءات تعسفية ضد النساء وحجة جديدة لممارسة التمييز ضد النساء وتقييد حرية تنقلهم في الأماكن العامة."

تشير أنهار إلى أن القرار يمسها بشكل شخصي، فهي متعودة على زيارة قبر والدها في المناسبات العائلية والدينية: "لقد اعتدنا أنا وأمي وأخواتي الفتيات زيارة قبر والدنا في مناسبات مختلفة، وهذا الأمر الذي سنفتقده ونُحرم منه بدون حق في ظل إستمرار هذا القرار الظالم."

إعلان

شاركت سمر جدّور في تغريدة تأثير هذه القرار عليها، وقالت: "من طفولتي نعرف آداب الجبانة (المقبرة). انونس أمي بالقرآن والفضفضة، انظف الحشائش كي لا تطمر قبرها، نرش الرز والميه ونسقيلها شجرة الحناء كل جمعه، انسلم على عمي وبابا عمري ما قطعتهم.. مانقدرش نتخيل اني ممنوعه من شوفتهم."

تواصلت مع سمر التي عبرّت عن استيائها من القرار كونها فقدت والديها في سن مبكرة، واعتادت على زيارة المقبرة نهاية كل أسبوع للدعاء لهم، وهي تعتبر هذه الزيارات بالنسبة لها كمتنفس وتشعرها بالسلام الداخلي. تخبرني سمر: "أنا أحترم هذا المكان وأعلم جيداً المحظورات داخل المقبرة، فنحن تربينا على عدم فعلها منذ الصغر ونحاول دائماً تجنبها أثناء الزيارات مثلاً عدم المرور فوق القبور أو التحدث بصوت عالٍ."

وتضيف: "الدولة تهمل المقابر بشكل كبير ونحن الزوار والزائرات من نقوم بالتنظيف وإزالة الاوساخ والحشائش التي حول القبور. القرارات في ليبيا بشكل عام يتم إتخاذها بشكل عشوائي بناء على حدث إجتماعي معين يتم تطبيقه على كل المواطنين، وكأن الجميع مذنب في هذه الحالة. زيارة المقبرة تقربنا من الله أكثر وتذكرنا بالحياة بعد الموت. هذه الزيارات القصيرة تبث في نفسي الراحة والسكينة."

يوماً بعد يوم - تفقد النساء في ليبيا حقوقاً أساسية، بدأت من قرار منعهن السفر دون محرم أو حجز غرفة فندق وحيدة دون وجود ذكر من العائلة، والكثير من القرارات التي تضع النساء تحت وصاية الرجال.

حق النساء في زيارة أهلهم في المقابر هو حق إنساني مشروع ومكفول للجميع نساءاً ورجالاً، وتطبيق هكذا قرارات تمييزية وذكورية سيكون له أثر كبير على حياتهن الفردية والاجتماعية وسيساهم في زيادة تنميط الادوار المنوطة بهن ويجعل منه مجتمعاً هشاً وغير متوازن من حيث المشاركة المجتمعية والتنوع الجندري.