claudio-schwarz-purzlbaum-x67Pxo51O5I-unsplash
مقال رأي

عن فحولة جسدي غير المفتول والذكورية السامة

قضيت عشر سنوات مرت وأنا أحاول إعادة بناء تصوراتي عن العالم وعن نفسي كرجل
14.10.20

ليس لهذا العنوان أي علاقة بتمجيد القوة أو الفحولة، فجسدي ليس مفتولًا، ولا أدري ما هي معايير قياس الفحولة عند الذكور سوى أفلام البورنو. أنا واحد من الكثير من الرجال الذين عانوا من الذكورية السامة، ذكورية أثرت على تفاصيل كثيرة في مراحل حياتي. تبدأ حكايتي مع هذه الذكورة المرتبكة الهشة في سن مبكرة جدًا، إذ ارتبطتْ أساسـًا بنظرتي لشكل جسدي وملامح وجهي. فقد وقعت آذاني على حديث خالتي مع أمي تقول لها: ابنك أحمد جبهته عريضة قوي، بس هو يعني مش بنت عشان نقول عليه وحش!! بعد هذه الواقعة أدركتُ قيمة المرآة في حياتي، ومعنى أن أقف أمامها وأبدأ في كراهية ملامحي.

إعلان

بعد هذا الموقف، أوقعني القدر في فصل دراسي يكبرني فيه شخصان بعدة بسنوات، فتَكون عندي مستوى جديد من الوعي بالذكورة يتعلق بعضوي التناسلي ودوره في الحياة. أحد الرجلين اللذين كانا معي في الفصل، لطالما تباهى بإظهار عضوه التناسلي أمامنا، والتفاخر بحجمه والاستنماء على الأرض حتى يثير الرهبة في نفوسنا، ويؤكد لكل واحد منا أننا غير مكتملي الذكورة، ناقصي الرجولة.  ثم جاءت الثانوية العامة بعنفوانها الجسدي، وأدركتُ أن الرياضة مدخل أساسي للرجولة/الذكورة، وليس لأجل صحة وجسد سليمين.

كان أصدقائي يذهبون لصالة الألعاب الرياضية من أجل تكوين العضلات وارتداء ملابس تبرز تضاريس أجسادهم للفت نظر الفتيات. حاولت التماشي معهم، لكنني لم أستمر أكثر من شهر. شعرتُ أن وجودي في الجيم لا يشبهني، وأن جسدي لا يستطيع أن يكون مثل أجسادهم المتفجرة بالتِستوسترون، لا يمكن أن أكون الشحات مبروك أو مدمر القُلل يوسف منصور. لم أشبه صورة (الرجل القوي) أو (الشب الأزعر). اهتمامي بمظهري كان عاديـًا جدًا، وكنت أذهب معظم الأوقات للدروس بملابس البيت.

لم يكن وضعي في الحب والعلاقات أفضل منه في قاعات الرياضة. ففي الصف الأول الثانوي، كنت معجباً بفتاة، وشجعني زملائي في الدرس على التحدث إليها. أول مرة سأجرب ذلك، فيلم رعب أنا بطله المرعوب. وعلى غير العادة تأنقت، لا أعلم ما التأنق وقتها وأنا أحمل كشكولًا في يدي وأرتدي نظارة شمسية تشبه نظارة كيانو ريفز في فيلم ماتريكس .. مهزلة. ظللتُ سائرًا وراءها حتى أحدثها، وخلفي زميلين يدفعاني. شاء القدر أن أناديها باسمها أمام مقهى شعبي، يجلس عليه ذكور شواربهم عريضة وجلابيبهم مكتظة بالذكورة، التفتتْ الفتاة وسبتّني. ضحكت الجلابيب المفتولة بصوت مرتفع على مراهق ساذج لا يعرف كيفية (ملاغية) النساء، فهذه صنعة لا يتقنها إلا قليلون.

ذكورتي الوهنة، مارستُها مرة أو مرتين مع أمي، في مرحلة صارت الذكورة ظاهرة على وجهي وصوتي، وأصبحتُ أطول ممن أنجبتني. في أحد الأيام، وجدتُها عائدة من عند الترزي بعد أن فصَّل لها ثوبـًا من قطعتين، بنطلون ومعطف. رفضتُ الثياب الجديدة رفضـًا شديدًا، لشعوري أن هذا البنطلون فيه إهانة لذكورتي/رجولتي. وقتها كان شيوخ المساجد يعلقون كثيرًا على هذا البنطلون الذي يجلب معه كل الشرور.

الذكورية السامة كما هو واضح هي سامة ومِسمة، هي عبارة عن مجموعة من المعتقدات والسلوكيات التي يعتمد فيها الذكور على قمع مشاعرهم، وإخفاء الضغوط، وإظهار ملامح القوة والخشونة، واتخاذ السلوك العنيف أسلوبـًا في التعبير عن القوة. فيصبح الإفصاح عن المشاعر ضعفـًا، والرغبة في البكاء صفة أنثوية لا يجب أن تلتصق بالرجل الذي تُصنع داخل عقله وسلوكياته مجموعة من الأفكار الرجعية التي تعزز مفاهيم السيطرة والحط من قدر النساء والمختلفين عن تصوراتهم.

إعلان

من الصعب أن نتحدث عن الذكورية السامة/التقليدية دون ذكر مفهوم الاستحقاق Entitlement، الذي يعني أن كونك رجلًا/ذكرًا يضعك في وضع تستحق فيه الحصول على أشياء لا يحصل عليها غيرك -أي النساء. والاستحقاق يعني أن الرجل أصلًا أذكى وأفضل من المرأة (وهذا ينطبق لدرجة ما على الرجال من مثلي الجنس أو العابرين جنسيًا كذلك، فالذكر كذكر هو أفضلية بهذا المعنى).  الذكورية السامة تمنح الذكر مساحة اتخاذ القرارات دون مشورة، لأنه يستطيع، وكل شيء في عالمه ملكـًـا له، زوجته، صديقته، والدته، أطفاله.. ورأيه هو الذي يسري. وطبعاً الرجل له رأي في كل تفصيلة، من ملابس وجندر وفن وحتى التاريخ والموسيقى والأغاني لا تسلم منه ومن آرائه.

لقد مزقتني هذه الممارسات/العادات السامة إلى نصفين، نصف (مَنْ يجب أن أكون) ونصف (مَنْ أنا بالحقيقة). هذا الانفصام أخذ الكثير من الوقت والمجهود كي أكون أنا فقط، كي أشبه نفسي وليس ما يريده مني مَن حولي. عشر سنوات مرت وأنا أحاول إعادة بناء تصوراتي عن العالم وعن نفسي كرجل.

مع مجيء الثورة المصرية في يناير ٢٠١١، بدأت مرحلة جديدة في كل أبعادها. أدركت أن الخوف من مواجهة العالم بالأساس نابع من خوفي أن ذكورتي ليست كافية أو شبيهة لذكورة العالم حولي، وأنني لستُ مضطرًا أن أكون داخل قوالبها. تحررتُ من بعض الصور والتصنيفات الجاهزة والُمعلبة التي تم إشباعي بها، وأصبحت أعبر عن أفكاري بوضوح أكثر، لم يعد يعنيني كيف يراني المجتمع، وفي أي قالب يجب أن أكون، وما هو متوقع مني.

لم أعد مفتونًا بأفلام جيمس بوند التي شكلت جزءًا كبيرًا من طفولتي، وأصبحت أرى ٍفي شخصية العميل 007 مثالاً للذكر السام بكل تفاصيله - الجسد المفتول، العنف الغير مبرر، النساء اللواتي يقعن بغرامه بنظرة واحدة. وتعلمت بعد عيشي مع امرأتين أجنبيتين في بيت واحد خلال دراسة الماجستير، أن الشيطان ليس رابعنا، لا يوجد شيطان أصلاً هنا، بل احترام متبادل بين شركاء سكن. كما تعلمت خلال هذا العقد أن لحظات انهياري وتعرضي لاكتئاب حاد لا يتنافى مع ما اتفق على تسميته بـ(الرجولة).

الذكورية السامة مثل الأصنام التي تُعبد ولا تنفع، لكنها تضر، وتقتل.

عمري الآن ٣٣ عامـًا، وأدركتُ بعد سنوات عديدة أنني لا أتميز بأي شيء كوني ذكرًا، وأن لا سلطة لدي على أحد، وأننا نساء ورجالاً يتم قمعنا بنفس الآلة التي تقوم بإخراج وتفريخ أفكار ميتة لأشخاص بلا روح وبلا قدرة على تغيير واقعهم، ينتفضون لصورة إمرأة بالبكيني ورجل يرتدي ماكياج، ويتناسون النظم القمعية الحاكمة التي تستمر بكسرهم وقتلهم وسجنهم ومنعهم من مجرد الحلم بمستقبل عادل وحياة كريمة. ماحدث معي منذ المراهقة حتى الآن أعاد بناء ولا يزال رؤيتي ومشاعري تجاه العالم، فأنا مجرد شخص واحد من الملايين من المقهورين -ليست أفضل من أحد ولا أحد له فَضل علي -وأقل ما يمكننا فعله كضحايا للذكورية السامة هو مساندة بعضنا بعضًا.